ينابيع الشجن .. رسالة من بريد الجمعة عام 1992

ينابيع الشجن .. رسالة من بريد الجمعة عام 1992
 

ينابيع الشجن .. رسالة من بريد الجمعة عام 1992

قرأت رسالة "شق الثعبان" للشاب الحزين الذي فقد طفله ثم زوجته بنفس المرض والذي قص معاناته الطويلة منذ كان تلميذا إلى أن تخرج وأحب زوجته وتزوجها بقصة كفاح دامية .. وتعجب من أنه من هؤلاء الناس الذين يصدق عليهم القول بأن أفراحهم قليلة وأحزانهم كثيرة , وتساءل لماذا تقصر الأفراح وتطول الأحزان , وقد أثارت رسالته الحزينة شجوني فأردت أن أروي له ولكم قصتي.

أنا سيدة فى منتصف الأربعينيات نشأت يتيمة الأبوين وتربيت في كنف أخوالي رحمهم الله وذقت مرارة اليتم أنا وأخواتي البنات منذ الصغر واضطررت لاختصار التعليم فحصلت على شهادة متوسطة وعملت بوظيفة حكومية وتعرفت بزوجي وذقنا معا الأمرين حتى بنينا عشنا وأقمنا دعائمه بالحب والعرق والكفاح .. ورزقنا الله تعالى ثلاثة أبناء وبدأت الحياة تبتسم لنا وبدأنا نقطف ثمار كفاحنا .. فعرفنا الرحلات والنزهات العائلية والمصايف، فإذا بطفلي الأوسط وعمره 5 سنوات يسقط في بئر السلم لا أعرف حتى الآن من أي دور سقط فأسرعنا بنقله للمستشفى بين الحياة والموت وظل بها أربعة شهور تحملنا خلالها الأهوال أنا وزوجي ودعونا الله أن ينقذه على أي صورة ولو عاد إلينا مشوها وحمدنا الله كثيرا حين نجا من الموت وخرجنا به من المستشفى بقايا إنسان يأكل ويشرب ويتكلم بصعوبة وظل هكذا ثلاثة شهور ثم تحسنت حالته كثيرا ورأى الطبيب ضرورة تركيب صمام له بالمخ وتم تركيبه بسلام وهو عبارة عن أنبوبة صغيرة جدا من البلاستيك, أصبحت حياة ابني تتوقف عليها , كما أنه عرضه للانسداد في أي وقت فإذا انسد أصيب ابني بغيبوبة ونقل فورا للمستشفى لتجرى له عملية جراحية في الصمام وكلما انسد الصمام وأصيب بالغيبوبة هرولنا به إلى المستشفى لإجراء التسليك ويتكرر ذلك أحيانا كل شهر أو شهرين أو 6 شهور حسب الظروف.

وفي البداية كنت أتذكر المرات التي نقلناه فيها للمستشفى ثم توقفت عن العد بعد أن تعدت الأربعين ولا أستطيع أن أصف لك إحساسي أنا وزوجي في كل مرة يدخل فيها ابني المستشفى .. فلقد مرض زوجي بالسكر وضغط الدم من كثرة المعاناة ورغم ذلك فقد كنا من الصابرين واعتاد ابني نفسه على دخول المستشفى بلا انزعاج, وعشت في عملي وأسرتي بشوشة أحب الناس وأتمتع بحب كثيرين من الأهل والزملاء .. أما ابني فقد بدأت تظهر عليه بعد سنوات علامات الرجولة وكان حين يخرج للشارع يعرفه الجيران ويحبونه لأنه خفيف الظل ومعروف على مستوى الحي والمدرسة , كما أنه أصبح أشهر مريض في المستشفى والجميع فيه يحبونه ويدللونه , ومرت تسع سنوات على الحادث وانتظم ابني في مدرسته واستقرت حياتنا وبدأت أشعر بأن الزمن قد غفل عنا قليلا فإذا بزوجي الحبيب الكريم الحنون رفيق حياتي ومشواري يسقط فجأة بلا مقدمات وبين يدي وهو يحدثني ويضحك معي كعادته

سقط كما يسقط البناء المرتفع العظيم دفعة واحدة ولبى نداء ربه يرحمه الله واحتسبته عند ربه وقاسيت أنا وأولادي مرارة فراقه وهو من لا أستطيع أن أوفيه حقه من الكلمات .. وأسبغ الله علينا سكينته ورحمته ومرت الأيام بطيئة ثقيلة وفجأة يا سيدي ظهرت على ابني من جديد علامات انسداد الصمام وراح في غيبوبة وكانت أول مرة تفاجئه فيها بعد رحيل والده ودخل المستشفى كالعادة لكن لم تجر له العملية وإنما وضع تحت الملاحظة في العناية المركزة وتحسنت حالته بعض الشى وظل هكذا حوالي شهرين ثم تدهورت حالته بصورة مخيفة.

 

ورحل ابني حبيبي في هدوء شديد وأحسست أن روحي تنسلخ عني وأن قطعة غالية من قلبي تقتطع منه ويسيل منها الدم .. يا ربي .. إنه أمر صعب مريع أن يرحل هكذا قبل عيد ميلاده الخامس عشر بأيام بعد عام من رحيل أبيه وبعد عشر سنوات من المعاناة والصبر مع مرضه لقد تعذبت بابني هذا كثيرا وصبرت صبرا مريرا وافتقدته كثيرا فقد كان مميزا فى كل شئ في خفة ظله وطريقة حديثه وفي ارتباطه بي .. فقد كان يلازمني كظلي كما كان نادرا في صبره وتحمله لأقداره .. إنني أحتسبه عند الله هو ووالده واتعشم في الله أن يوفى الصابرين أجرهم يوم يكون الحساب.

إنني أعيش حياتي عادية واحتفظ بحزني بيني وبين نفسي، وحتى أولادي أبدو أمامهم عادية كما أبدو كذلك في مجتمعي لدرجة أنني أتعجب أحيانا من نفسي ومن صبري على كل هذا , ولقد أحصيت عدد السنين الجميلة التي عشتها فوجدتها لم تزد على أصابع اليد الواحدة ومع ذلك فإني أحمد الله على أشياء كثيرة منها أن لي مجموعة كبيرة من الزملاء والزميلات والمعارف أشعر بحبهم لي وخوفهم علي, كما أشعر أني لست وحيدة في هذه الحياة فلي أصدقائي وأخواتي وأقاربي ومعارفي وكل هذا يهون على الإنسان بعض آلامه لأن حب الناس شئ جميل وعظيم .

لقد فجرت رسالة شق الثعبان ينابيع الحزن داخلي، فأردت أن أقول لصاحب الرسالة أنك لست وحدك المبتلى في الحياة , وإنما هو اختبار صعب أعانك الله وأعاننا على اجتيازه .. أما أنا فأريد أن أكون من أصدقاء بريد الأهرام وأن أضع إمكانياتي المتواضعة في خدمته والسلام وعليكم ورحمة الله وبركاته .

 

ولــكــاتــبـة هــذه الــرســالـة أقــول :

 

يا إلهي .. ماذا أستطيع أن أقول لك بعد كل ما قلته في ردي على رسالة الشاب الحزين التي تعلقين عليها ؟ إن دولة المبتلين يا سيدتي مترامية الأطراف .. وإنما تتفاوت درجات الابتلاء بين رعاياها .. ودرجات صبرهم على ما ابتلوا به "وعظمت مصيبة من لا يصبر" كما يقول الشاعر إذ أن هذا هو الابتلاء المضاعف .. وأنت والحمد لله قد تقبلت بصبر المؤمنين أقدارك وتلسمت بشفافية الصوفية بعض العزاء فيمن يحيطون بك من أبناء وأهل وأصدقاء وزملاء .. وفيما أحاطوك به من حب صادق أنت أهل له بروحك الصابرة الودود هذه بكل تأكيد .. ولست تملكين إلا أن تمضي في طريقك طاوية أحزانك تحت جناحك ومواصلة أداء رسالتك في رعاية ابنيك وفي إثراء الحياة فبأمثالك من الطيبين الخيرين تسترد الحياة طبيعتها الإنسانية الغائبة وتتخفف من أوزارها .. ودولة المبتلين كبيرة كما قلت لك يا سيدتي وما أكثر جرحى الحياة من رعاياها وما أحوجهم إلى ان يتأسوا ببعضهم البعض وأن يتبادلوا المشاركة والعطف النبيل .. حتى أني لأفكر جديا في تعريف بعضهم ببعض , ولعلي أبدأ هذه الخطوة معك إن شاء الله بتعريفك بسيدة عظيمة من صديقات بريد الاهرام سوف تجدين نفسك في إيمانها العميق وروحها الودود المستبشرة خيرا رغم عمق الآلام .. كما أنها مثلك أيضا قد زادها بلاؤها حبا للناس ورغبة في التخفيف عنهم ومشاركتهم آلامهم .. وحسنا فعلت وحسنا تفعلين ويفعل كل مهموم حزين حين يصبر على ما أصابه ويرجو ربه حسن الجزاء .. "إن ذلك من عزم الأمور" صدق الله العظيم.

وعفوا إن جف قلمي عند هذا الحد ولم أستطع أن أقدم لك كل ما تستحقين من كلمات المشاركة والعزاء.

                                                                رابط رسالة شق الثعبان


نشرت في جريدة الأهرام "باب بريد الجمعة" يوليو 1992

كتابة النص من مصدره / بسنت محمود

راجعها وأعدها للنشر / نيفين علي


Neveen Ali
Neveen Ali
كل ما تقدمه يعود إليك فاملأ كأسك اليوم بما تريد أن تشربه غداً
تعليقات