خارج الدائرة .. رسالة من بريد الجمعة عام 1991
أنا شاب في التاسعة والثلاثين من عمري .. نشأت طفلاً وحيداً ووجدت كل ما حولي يدعوني لحب الحياة فنحن نعيش في بيت واسع في إحدى المدن النائية التي تحكمها تقاليد خاصة وأبي يعيش في إحدى الدول العربية ويرسل لنا ما يكفينا للحياة المريحة وجدت نفسي في سن المراهقة فتى مدللاً تجاب كل مطالبي بلا مراجعة وإذا تأخرت أمي في تلبية أي مطلب لي أزمجر وأهدد وأتوعد بترك البيت .. وكلما تماديت جاءني صوت أبي في التلفون حانياً رفيقاً ينصحني ويرجوني ويقول لي إنني كبرت وينبغي أن أتحمل المسئولية في غيابه فأنتصح قليلاً ثم سرعان ما أعود إلى عصبيتي وعدوانيتي بلا سبب واضح .. ووسط هذه الظروف فوجئت بأمي تلد شقيقاً لي وأنا في السابعة عشرة من عمري فتضاربت أحاسيسي تجاه المولود الجديد, ما بين السعادة بأخ جديد .. والضيق به .. والخجل من فكرة إنجاب أمي وأنا في هذه السن .. وظللت أعاني هذه الأحاسيس المتضاربة لمدة سنة كاملة فإذا بي أفاجأ بأمي تنجب شقيقة جديدة ! وكنت قد بدأت دراستي الجامعية فبدأت أحس بأني أنسحب تدريجياً من مركز الدائرة الذي كنت أشغله من قبل إلى هامشها وعاد أبي لإقامة نهائياً في بلدتنا بعد حوالي أربع عشرة سنة من الاغتراب وتفرغ لرعاية الطفلين والإغداق عليهما من حنانه فتعمق إحساسي تدريجياً بأن البساط يسحب من تحت قدمي وكان طبيعياً أن أتعثر في دراستي ولم يكترث أبي وأمي بذلك كثيراً بعد أن سئما تكرار النصح لي , فازداد توتري إزاء ما يبديه أبواي من عدم اكتراث بثوراتي وتهديداتي .. فإذا ثرت قالا لي : افعل ما بدا لك وإذا هددت بترك البيت
قالا لي ، ليكن ما تريد وعد حين تشاء.
وجن جنوني ولم أغادر البيت واستسلمت للأمر الواقع ورضيت بوظيفة صغيرة حصلت عليها بمعجزة في مدينتي البعيدة , وتعقدت شخصيتي أكثر كلما قارنت بين المستقبل اللامع الذي أرى نفسي جديراً به .. وبين الوظيفة الصغيرة التي لم تؤهلني شهادتي لأحسن منها .ولاحظت بضيق وغيرة أن شقيقي وشقيقتي قد استحوذا على كل اهتمام أبي وأمي
وأصبحت أنا خارج الدائرة نهائياً .. وبالرغم من أنهما يتحملان ثوراتي في صمت كأني قدر مكتوب عليهما لا محالة ولا يستجيبان لاستفزازاتي فلقد كانا يلبيان لي مطالبي ولا يقصران تجاهي في شيء.
ومضت سنوات العمر وأنا أزداد تعقداً وكبرياء , فأنا أذهب إلى الوظيفة الحقيرة التي لا تبعد عن بيتنا سوى بضعة بيوت راكباً السيارة التي أصررت على أن يشتريها لي أبي حين التحقت بالجامعة ..
وأترفع عن مخالطة صغار الموظفين البؤساء وعن الاشتراك معهم في المسامرة والحديث
وأغدو إلى نادي المدينة للجلوس مع شلة الأطباء وضباط الشرطة ورجال القضاء الذين يسهرون فيه - والذين اشعر أني من مستواهم وأسعى لاكتساب صداقتهم- وتنفد نقودي بعد يومين من بداية الشهر .. فأمد يدي لأبي .. والويل والثبور لو لم يستجب لتبذيري وإنفاقي على مظهري وكبريائي, وفي التاسعة والعشرين من عمري أردت الزواج , وعرضت أمي علي فتيات من الأسرة والأقارب لكني صممت ألا أتزوج إلا فتاة من مستواي ومضت السنوات ومن تقبل بي لا أقبل بها ومن اقبلها لا تقبل بي. حتى سرقني الزمن وتأخرت في الزواج وخلال ذلك كله كان شقيقي وشقيقتي يتقدمان في دراستهما في يسر وهدوء ويجمعهما حب غريب ..ويستذكران دروسهما معاً .. ويتحاشيانني بقدر الإمكان ويتحملان ثوراتي ورغبتي في فرض سيطرتي على البيت كله في صبر
ورغم قسوتي عليهما في بعض الأحيان فقد كنت احسدهما على ما يحمله كل منهما من حب للآخر ولأبيهما وأمهما , وأراهما من غرفتي التي أجلس بها وحيداً يذاكران ويتناجيان ويتضاحكان أو يتشاركان في إعداد وجبة طريفة ويأكلان معاً في سعادة .. فازداد إحساساً بالوحدة والكآبة والانعزال ورغم ذلك فلم أحاول الاقتراب منهما .
وكبر شقيقاي ودخلا المرحلة الثانوية وتقدما في الدراسة وتقدمت أنا في العمر حتى بلغت الثانية والثلاثين ومازلت أعزبَ وحيداً منعزلاً عن الناس
ثم عدت ذات يوم إلى البيت فوجدت شاباً وسيماً في ضيافة أبي وأمي وشقيقي وحييت الضيف وانصرفت إلى غرفتي فاستدعاني أبي وعرفني بالشاب وقال لي إنه مهندس جاء عن طريق شقيقي ليطلب يد شقيقتي وإنهم يوافقون عليه جميعاً من ناحية المبدأ وينتظرون رأيي باعتباري الأخ الأكبر , فإذا بشياطين تثور فجأة في مواجهة الضيف وإذا بي أقول بصوت عال : ومن أدراكم أني سأوافق عليه .. لا لست موافقاً , وأحس الشاب بالحرج الشديد فاستأذن في الانصراف وانصرف ولم يعد مرة أخرى , واغتم أبي لما حدث
وبعد ذلك بعدة أسابيع فاتحني صديق لي موظف بإحدى المصالح في مدينتنا ويحمل مؤهلاً متوسطاً ويبلغ من العمر 33 سنة في خطبة شقيقتي , وبالرغم من أن كل ظروفه لا ترشحه للزواج منها حيث يكبرها بـ15 سنة وليس من أسرة كبيرة ولا مستريحاً مادياً ولا صاحب وظيفة مرموقة فقد وجدت نفسي أرحب به وأدعوه لزيارة البيت بدون استشارة أبي واعتماداً على مكانتي وسيطرتي على الأسرة , وجاء صديقي مع والدته وفاتحا أبي فلم يعترض لكنه ارجع كل شيء لموافقة شقيقتي .. وسألها عن رأيها فقالت إنها تفضل أن تكمل دراستها .. فاتفقنا على تأجيل بحث الموضوع إلى وقت آخر .. وما أن انصرف الضيفان حتى هجت كالبركان هياجاً شديداً متهماً أختي والجميع بأنهم يريدون إحراجي مع صديقي وأعلنت أن أختي لابد أن توافق عليه شاءت أم أبت حرصاً على كرامتي وكلمتي , فأرادت أختي تهدئتي فطلبت مهلة للتفكير , وتكررت زيارة صديقي للبيت دون أن نعطيه كلمة قاطعة , وكلما انتهت زيارته عدت للهياج والثورة على كل من في البيت وأبي صامت لا يملك لي شيئاً , وأمي صامتة عاجزة وشقيقي يحاول التفاهم معي بهدوء فأكاد أبطش به حتى يتدخل بيننا أبي وينقذ الموقف .
وفي وسط هذه الزوابع فاجأتنا أختي بإعلان موافقتها على الخطبة حسماً للنزاع وطلباً لعودة الهدوء للأسرة ورغم إدراكي أنها توافق كارهة فقد سعدت بموافقتها وتم تحديد موعد الخطبة , وجاء صديقي ومعه أهله وتمت الخطبة وهنأنا جميعاً شقيقتي رغم الحزن الواضح في وجهها ورغم الدموع التي تفلت من عينها وانصرف الخطيب وأهله .. وعاد كل منا إلى غرفته ومضت ساعة ثم فجأة سمعت صرخة عالية , فجرينا إلى مصدر الصوت فإذا بأختي والنيران تمسك بملابسها وهي تصرخ صرخات رهيبة وبكل ما استطعنا من قوة رحنا نحتضنها بالبطاطين لنطفئ النار .. وهي تصرخ صرخات تدمي القلب وتبكي ونقلناها للمستشفى على عجل فبقيت فيه أسبوعين لم تكف خلالهما عن الصراخ والعويل ثم .. ثم .. فاضت روحها إلى بارئها .. وتركت ورائها الكآبة والحزن وعذاب الضمير , ومنذ ذلك اليوم الأسود وأمي لا تكف عن البكاء , وأبي يواسيها أحياناً ويشاركها البكاء في أحيان أخرى .. وشقيقي في حالة قاتلة من الحزن والوجوم واليأس لا يبكي ولا يتكلم ولا يخرج ولا ينظر إلي ...وإذا نظر فبكل كراهية الدنيا وكل الاحتقار .
أما أنا ..فمن أنا .. وماذا فعلت .. وماذا جنيت على أسرتي وعلى أختي البريئة التي لم تغضب أحداً ولم ترد علي ذات مرة رداً جافاً ولم تقابل إساءاتي لها إلا بالدموع الصامتة . أنا آسفة . وهي غير مخطئة .
لو كان البكاء يفيد لما توقفت عنه لحظة , ولو كان الندم يعيد ما راح فأنا نادم حتى آخر العمر .. فلقد استيقظ ضميري .. ولكن متى ؟ إنني انتظر كلماتك الحانية لعل أبي وأمي يجدان فيها ما يخفف عنهما نكبتهما .. أما أنا فإن شئت أن تسبني بأقذع الألفاظ فافعل , فإني استحق كل ما سوف تقوله ...وأريد أن أعاقب نفسي وأتطهر من ذنبي واخفف عن أبي وأمي وشقيقي ...فماذا أفعل ...وماذا تقول لي ؟
ولكاتب هذه الرسالة الأليمة أقول :
ليس لك عندي سباب مقذع ولا شتائم , لكن لك عندي تحليل مؤلم لأسباب نكبة أسرتك بك التي بلغت قمتها الدرامية بهذا الحادث المفجع , فأنت يا سيدي نموذج " مثالي " لما تثمره التربية الخاطئة من كائنات بشرية تخصم من الحياة ولا تضيف إليها أبداً
وظروفك التي نشأت فيها هي الظروف " النموذجية " لإفراز هذا النوع من البشر ابتداء من التدليل الزائد عن كل حد للابن الوحيد إلى الاستجابة لكل طلباته ورغباته ونزواته بلا أدنى مراجعة أو ترشيد , إلى الفزع الطفولي من تهديداته الجوفاء التي لا يستطيع عملياً أن ينفذها وإنما يستخدمها فقط للضغط على الأبوين المتهافتين لإملاء رغباته ..إلى غياب الأب الطويل عن الإشراف على تربية الابن في سنوات التكوين الأولى ومرحلة المراهقة بغير حزم بديل من جانب الأم يعوض هذا الغياب .. إلى الصوت " الحاني " الذي كان يأتي عبر الأثير لينصح في رفق ولين ويكاد يتوسل بدلاً من أن يأخذ بالحزم الرشيد , إلى تكريس الأنانية في نفسك بسبب هذه الأخطاء كلها ...إلى تفاعل أنانيتك واعتيادك بالإحساس بأنك مركز الكون مع تغير المعاملة الفجائي من جانب أبويك وانصراف اهتمامهما عنك بدون تدرج إلى شقيقيك ونفض يديهما منك يأساً وقنوطاً بدون مقدمات وبدون محاولة جدية للعلاج .. إلى فشلك الدراسي وتناقضه مع إحساسك غير المبرر بتفردك وامتيازك .. إلى عجزك عن التواصل مع أبويك وشقيقيك وزملاء العمل وافتقادك للأصدقاء الحقيقيين وما تعترف به أنت نفسك من عصبيتك وعدوانيتك .. إلى عزلتك المتكبرة وعجزك عن ممارسة الحب الإنساني لأي إنسان من أبويك إلى شقيقيك إلى الأصدقاء إلى المرأة لأن قلب الأناني غالباً لا يتسع لأكثر من حب .
فتضافرت كل هذه العوامل السلبية لتثمر هذا " الأنا المتضخم " العاجز عن التواصل مع الآخرين والذي لا يقترب من أحد إلا أذاه أو جرح مشاعره ربما بغير قصد أحياناً
ولقد كان من الممكن أن تظل كما أنت محدود الأثر والخطر على الآخرين لو لم تستجب لنوازع كبريائك الممقوتة وتقحم نفسك على حياة شقيقتك البريئة وتعتبر خطبتها لمن تعتبره صديقك وما أظن أنك تعرف نعمة الصداقة الحقيقية , مسألة كرامة شخصية لك فتتجاهل أبسط الاعتبارات التي يحرص عليها الإخوة الحقيقيون وهي سعادة الأخت ورغبتها فيمن تتزوجه ....فكانت الكارثة أن استجابت لك المسكينة كارهة لترحم أسرتها من الجحيم الذي صنعته لها , ثم حين تحول الأمر إلى واقع لم تحتمل مجاراتك فيه إلى النهاية فاستجارت بلهيب النار من لهب أنانيتك وقسوتك
وليتها ما فعلت ولا استجابت لك من البداية ولا أرضت غرورك بقبولها وموافقتها وهي كارهة , وليتها واجهتك بالرفض بشجاعة حتى النهاية وليكن من أمرك ما يكون , وليت أبويك كانا أكثر صلابة معك وأكثر قدرة على فرض إرادة الأسرة عليك أو إبعادك عن التدخل في حياة شقيقتك ..إذن لنجت الفتاة الوديعة من هذا المصير المؤلم ...ولنجت الأسرة كلها من هذا السعير .
يا إلهي ...كيف تقف نصوص القانون عاجزة عن القصاص من أمثالك ؟
أليست القسوة العقلية التي تدفع فتاة وديعة للتخلص من حياتها جريمة بشعة تستحق العقاب الذي يعاقب به القانون على جريمة القسوة المادية ؟
أليس الإكراه النفسي جريمة تستحق عقاباً كعقاب جريمة الإكراه البدني ؟
أليس هذا قتلاً بغير سلاح إلا سلاح القسوة والأنانية وضيق الأفق والتكبر الأجوف ؟
إنك تنتظر مني كلمات حانية .. ولقد حاولت جاهداً أن أنسج بعضها فعجزت رغم صدق رغبتي في مواساة أبويك والتخفيف عنهما إذ ماذا تستطيع الكلمات أن تقدم لهما و نكبتهما قديمة ولم تبدأ بهذا الحادث الأليم وحده ؟ عسى الله إذن أن يخفف من أحزانهما على هذه الزهرة البريئة ...وعسى الله أن يخفف من آلام شقيقك الذي فقد توءم روحه ورفيقة ملاعبه وصباه .
وعساك أنت أن تكفر عن جرائمك في حق أسرتك وفي حق الحياة بالتخلص من كل آثامك وأنانيتك وعدوانيتك وبصدق الندم والتوبة والاستغفار وبانتهاج النهج القويم في معاملة أبويك وشقيقك مدى الحياة وبالبكاء ندماً على آثام لا يغسلها إلا موج الدمع الصادق ولا يطهرها إلا صدق التوبة .
وإني لأعتبر رسالتك هذه واعترافك بكل ما فعلت وإدراكك له ومراجعتك لحياتك على هذا النحو ...أول خطوة على هذا الطريق فعسى أن تواصله للنهاية
وقديماً قال احد الفلاسفة : حين تبدأ معركة المرء مع نفسه وحسابه لها يصبح في تلك اللحظة فقط جديراً بحمل لقب إنســــان !
راجعها وأعدها للنشر / نيفين علي

برجاء عدم النسخ احتراما لمجهود فريق العمل في المدونة وكل من ينسخ يعرض صفحته للحذف بموجب حقوق النشر