المنشور الأسود .. رسالة من بريد الجمعة عام 1995

 

المنشور الأسود .. رسالة من بريد الجمعة عام 1995

المنشور الأسود .. رسالة من بريد الجمعة عام 1995

 

الحمد لله على السراء والضراء وبعد .. سيدي الفاضل لقد تزوجت منذ خمس سنوات .. وليتني ما تزوجت .. ولكن أقول مرة أخرى الحمد لله على السراء والضراء كما ذكرت في بداية هذا الخطاب أو هذا "المنشور الأسود" الذي أشكو إليك فيه همي !

إنني أتذكر الآن بحسرة يوم أن جاءت إلي أختي تزف لي البشرى عن عثورها على الإنسانة التي طلبتها لكي تشاركني حياتي .. وكيف أنها "جاهزة" من كله .. فتلقفت الخبر بانتهاج وفهمت من والدتي أن العروس "الجاهزة" هي تلك التي تمتلك أدوات الجهاز كله ولا تنتظر إلا العريس .. لكني لم أعرف حقيقة "كله" هذه عمليا إلا بعد الزواج .. فقد توكلت على الله وتزوجت بلا مشاكل من ناحية القائمة أو الفرح أو أي شئ آخر .. فلم يمض أسبوع واحد والله يا أستاذ عبد الوهاب أسبوع واحد على الزفاف حتى تبين لي أن العروس جاهزة فعلا ولكن باللسان الطويل والعصبية الشديدة والاندفاع الأهوج كأنها بركان يتفجر دوما وبعد الزواج بعشرة أيام طلبت منها كوب ماء .. كوب ماء وليس شيئا مرهقا فأجابتني على الفور .. قم أنت هاته.

فقلت حاضر ونهضت لأشرب وامتثلت لأقداري .. وحاولت بقدر جهدي إرشادها إلى تعاليم ربها ورسولها صلى الله عليه وسلم عن حقوق الزوج على زوجته واحترامها له ولكن بلا جدوى .. لجأت إلى أبيها وأمها فلم يقدرا عليها واكتشفت مرضها بالربو الشعبي فطفت بها على الأطباء .. وقلة الأدب كما هي واللسان الطويل على حاله أضيف إليهما أيضا حركات الأصابع التي تنم عن البيئة القذرة وحركات الذراع التي تدل على وضاعة الأصل !

جن جنوني من هذه الفضائح وأنا الرجل هادئ الطبع وخافت الصوت الذي لا يراه الجيران إلا ذاهبا إلى المسجد أو عائدا منه .. فقلت لها ذات مرة : عيب .. لا يصح ماذا يقول عنا الجيران فإذا بالجواب الحكيم من زوجتي هو : ملعون أبو الجيران , ماذا لديهم ضدي ؟ هل ضبطوني مع رجل آخر ؟ وألجمني الرد فلم أستطع أن أنطق بكلمة "واستعذت بالله من الشيطان الرجيم" وجمعت الأهل مرة أخرى وعرضت عليهم المسألة وسألتهم : هل يرضيكم هذا فأجابوني "معلهش" آخر مرة .. سماح من أجل الجنين الذي في بطنها.

 وبطيبة قلبي سامحت وقلت عفا الله عما سلف وبعدها بيوم واحد عاتبتها على ارتفاع الصوت وسألتها لماذا تتيح للجيران أن يعرفوا أسرارنا فكان جوابها كلمة نابية جرحتني بها وجرحت كرامتي كرجل بل وجذبتني أيضا من عنق الجلباب الذي كنت أرتديه وهي تتحدث معي ففقدت أعصابي لأول مرة وصفعتها على وجهها .. ومع ذلك فقد صالحتها في نفس الليلة وأمضيناها على خير .. ثم خرجت إلى عملي في اليوم التالي ورجعت منه فوجدت الشقة خالية تماما من الأثاث وسألت الجيران عما حدث فأفادوني بأن زوجتي قد زعمت لهم أننا سننتقل إلى شقة أخرى وحملت أثاثها على سيارة نقل وأنصرفت !

ولم تمض لحظات حتى جاءني من يستدعيني إلى قسم الشرطة حيث زوجتي قد حررت ضدي محضرا بالإعتداء عليها , ووجدت تقريرا طبيا  وس وج لي أنا الذي لم يدخل قسم الشرطة في حياته .. وواجهتها أمام الضابط وقلت لها متألما: شعرك مازال مبتلا من أثر لقائنا ليلة أمس ثم تستدعين زوجك إلى قسم الشرطة في اليوم التالي لا حول ولا قوة إلا بالله , ونزف قلبي دما بعد أن أصبحت فضيحتي على كل لسان ورغم كل ذلك .. فقد رجعت إلي بيتها .. بعد تدخل أهل الخير .. ورجعنا إلى حياتنا وأصبح لدينا طفلتان صغيرتان لكن المرارة ترسخت في أعماقي إلى الأبد منذ ذلك اليوم الذي استدعتني فيه إلى قسم الشرطة والوضع بيننا الآن في سطور قليلة هو كالآتي :

** أكره هذه السيدة كرها كبيرا لكن لي منها طفلتان الأولى عمرها 5 سنوات والثانية عمرها ثلاث سنوات .. وطبعا سيكون سؤالك عن الأطفال لهذا أجيبك عنه قبل أن تسألني !

** حبي للطفلتين لو وزع على قلوب الأباء جميعا لكفاها .. وهذه هي نقطة ضعفي التي تعرفها عني وتشهرها كالسلاح ضدي

**هي موظفة وأنا موظف .. لكن كفانا الله شر نفوذها .. ومن قبله شر لسانها .

** لا تريحني حتي في حقوقي الزوجية .. وعقدت مجلسا عائليا بهذا الشأن .. فاعترفت هي بذلك بلا حياء .. وجربت معها الهجرة في الفراش أكثر من مرة كوسيلة للاصلاح .. ولا نتيجة ولو هجرتها عامين لما شكت .. منتهى البرود والأمر لله  من قبل ومن بعد .

** أمي تدعو لي بالصبر .. لكن فكرة الزواج قد اختمرت في رأسي تماما الآن لأني على ثقة تامة أنني إذا استمررت مع هذه الزوجة فسوف تراني ذات يوم قريب في برنامج "مواجهة" بالتليفزيون الذي يتحدث فيه القتلة والمجرمون عن جرائمهم ويبدون ندمهم عليها .. ولن أبدي أي ندم!

** أحب أولادي ويحبونني جدا لكن لا تنصحني بالصبر والاحتمال من أجل أولادي ومستقبلهم فكفاني ألما وذلا ومرضا.

والسؤال هو أين هذه الزوجة الصالحة ؟.. إنني لو عرفت بوجودها حتى في حلايب لذهبت إليها زحفا . فأنا مهندس زراعي وعمري 39سنة ولست أطلب من الله سوى زوجة مهذبة وعطوف ولا تسد نفسي عن الطعام ولا عنها كما أني أريد أن أموت حين يأذن الله على صدر حنون وليس على فراش من الشكوك والألم والذكريات السوداء .. فهل هذا كثير علي يا سيدي .. وهل توافقني عليه أم ستنصحني رغم كل ما قلت لك بأن أصبر وأتحمل من أجل أبنائي !

جميع الحقوق محفوظة لمدونة "من الأدب الإنساني لعبد الوهاب مطاوع"

abdelwahabmetawe.blogspot.com

 

ولكاتـــــب هــذه الرســــالة أقـــــول:

 

لا يا صديقي لن أنصحك بمواصلة الصبر والاحتمال إذا كانت النتيجة المحتمة لذلك هي أن أراك ذات يوم لا قدر الله له في برنامج يتحدث فيه القتلة عن جرائمهم !

ذلك أن دفع الضرر الأكبر بالضرر الأصغر مطلوب ومرغوب دائما وإذا كان ديننا الحنيف يكره الطلاق في غير حاجة ملحة إليه باعتباره كفرا بالنعمة ولما يترتب عليه من نقض ميثاق الزواج المتين وفوات مصالح الزوجين والأبناء فيه .. فلقد أحله الله سبحانه وتعالى للضرورة .. وكرهه لغيرها.

وتقدير هذه الضرورة معروف لدى الفقهاء .. ومنها استحالة العشرة وتنافر الطباع وعدم وفاء أحد الزوجين بحقوق الآخر .. ناهيك عن إهانته واستخدام الألفاظ النابية وحركات الأصابع الخارجة .. مما يخل تماما بعلاقة الاحترام الواجب بين الزوجين ويتناقض نهائيا مع أهداف الحياة الزوجية .

ومع أن لكل عملة وجهين دائما إلا أني استشعر الصدق في كلمات منشورك الأسود هذا ضد زوجتك واشعر أيضا بأنه ليس من العدل أن تجود الحياة على مثلها بالاستقرار العائلي فتبدو للآخرين زوجة ناجحة وما استمرت عشرتها لزوجها يوما إلا بصبره عليها واحتماله لأذاها واشفاقه على أطفاله . في حين تتجرع زوجات أخريات كؤوس المرارة والهوان رغم كل ما يقدمن لأزواجهن من عطاء ويبذلن من حيل لاستمرار الحياة حرصا على استقرار أطفالهن وسعادتهم .. فحرمان من لا تحرص على زوجها وأطفالها من نعمة الزواج والاستقرار عدل أيضا من عدل السماء يقيم الميزان ويعيد للحياة ضوابطها ويشعر الزوجات المضحيات بأن تضحياتهن لم تذهب سدى.

ولا يكلف الله نفسا في النهاية إلا وسعها يا صديقي فإذا كنت قد طرقت كل الأبواب واستنفذت كل الحيل وعجزت عن مزيد من الاحتمال فلا معنى لأن يفقد الأطفال آباهم بالمرض العضوي أو النفسي أو بالانهيار العصبي .. أو بالسجن في أسوأ الاحتمالات ومن أهون الضررين أن يفقدوا حضوره بينهم ويكسبوا وجوده في الحياة بالقرب منهم وتحمله لمسئوليته الأدبية والمادية والاجتماعية عليهم إلى أن يقضي الله أمرا كان مفعولا أو يجمع الله بينه وبين أمهم مرة أخرى على أسس جديدة من التراحم والمودة .

أما حلمك بأن تموت بعد عمر طويل بإذن الله على صدر حنون وليس على فراش الشوك فحلم إنساني وعادل ويشاركك فيه الكثيرون لكنه لا يتاح غالبا إلا لمن "يقدرون" على ترجيح سعادتهم الشخصية على سعادة أبنائهم وهؤلاء قلة أيضا يا صديقي ويخيل إلي أنك لست واحدا من هؤلاء لطيبة قلبك ورقة مشاعرك وشدة حبك لطفلتيك وعطفك عليهما .. فإذا كان الأمر كذلك فلماذا لا نجرب محاولتك الأخيرة مع زوجتك هذه حتى ولو استدعى الأمر أن نهوي فوق رأسها بمطرقة الانفصال المؤقت عسى أن تفيق من غيها حين تحمل لقب المطلقة البغيض وتواجه حياتها فيعود إليها بعض رشدها.

إنني أعرف أن النتائج ليست مؤكدة مع من كانت لها مثل طباع زوجتك هذه ومع ذلك فإن طفلتيك تستحقان منك تجربة هذا الدواء المر معها وترقب النتائج فإذا كانت طيبة أو محتملة فيها ونعمت وإن لم تحقق أي تقدم فلا تترد في البحث عن الزوجة الصالحة ولو كانت في حلايب وليرع الله طفلتيك ويعوضهما عما جنت عليهما به أمهما خيرا إن شاء الله .

نشرت في جريدة الأهرام "باب بريد الجمعة" مارس 1995

كتابة النص من مصدره / بسنت محمود

راجعها وأعدها للنشر / نيفين علي

 

Neveen Ali
Neveen Ali
كل ما تقدمه يعود إليك فاملأ كأسك اليوم بما تريد أن تشربه غداً
تعليقات