البقع الزرقاء .. رسالة من بريد الجمعة عام 1991
قرأت رسالة " خارج الدائرة " للشقيق الذي يحكي عن أنانيته وتسلطه على أسرته حتى تسبب في انتحار شقيقته البريئة بحرق نفسها .. فانفجرت الدموع من عيني حزناً عليها .. وعلى كل ضحايا الأنانية والقهر والتجبر في الحياة وأنا منهم .. فلقد نشأت فتاة وحيدة بين أخوين يكبرانني وأبوين طيبين مغلوبين على أمرهما وكان لي إخوة غير أشقاء من أمي تزوجوا وأقاموا في القاهرة .. في حين نقيم نحن في إحدى المحافظات .
ولأن أبي كان قد تزوج قبل أمي ولم ينجب فقد كان شديد اللهفة على الإنجاب وحين أنجبت له أمي طفلين غمرهما بحبه وحنانه وكرمه بالرغم من أنه عامل بسيط بإحدى الهيئات الحكومية ثم جئت أنا إلى الحياة فوجدت لي شقيقين مختلفين في الطباع أحدهما وهو الأكبر مثال للطيبة والحنان والعطف والآخر وهو الأوسط نبات بروي متمرد على أي سيطرة وشديد الأنانية والشراسة مع الجميع وحين وصلت إلى السنة الخامسة الابتدائية أحيل أبي للمعاش وخاب أمله في أن يواصل ابنه الأكبر تعليمه في الثانوي العام لعدم حصوله على المجموع اللازم فالتحق أخي الأكبر بالتعليم التجاري وكذلك الشقيق الثاني أيضا .. في حين واصلت أنا تعليمي بتفوق وكان ترتيبي دائماً في المدرسة الابتدائية والإعدادية الأولى وبدا للأهل أني سأكون أول من تحقق أمل أبيها في الوصول للتعليم العالي , وكان من الممكن أن أسعد بذلك لولا شقيقي الأوسط الذي يتفنن في إيذائي وضربي بلا سبب أو لأتفه الأسباب حتى يتورم جسمي وتنتشر البقع الزرقاء فيه , ويتعمد إهانتي وإذلالي أمام صديقاتي وزميلاتي في المدرسة حين يزرنني وأبي عاجز عن كبح جماح ابنه الشرس ولا يملك له إلا الرجاء والدعاء بعد أن تطاول عليه عندما حاول حمايتي منه وأمي أكثر عجزاً .. وأنا أبكي وأستجدي منه الرحمة كلما بدأ ضربي بقسوة وأستحلفه أن يكف عن ضربي وأقول له وأنا أتلقى الضربات باكية : يا رب يخليك أنا أختك حرام عليك كفاية .. فيتمادى ولا يتركني إلا جثة هامدة ويحدث ذلك كل مرة وشقيقي الكبير خارج البيت فلا أُضرب إلا في غيابه حيث أنه الوحيد الذي يتصدى له ويحميني .
وتصبح المشكلة هي كيف نخفي عنه ما حدث .. وكيف نبرر له البقع الزرقاء والسوداء في وجهي وجسمي تجنباً لتجدد المشاجرات بينهما بعد أن كثر بينه وبين شقيقي المتجبر العراك بسببي وظلت حياتي هكذا طوال طفولتي وصباي حتى استقر الرعب والجبن في قلبي من هذا الشقيق إلى درجة أني كنت إذا دخلت غرفة ووجدت فيها بعض ملابسه تملكني الخوف وفزعت كأنه سيخرج من بينها ويضربني مع تأكدي أنه غير موجود في البيت .
ورغم هذا العذاب فقد كان ترتيبي الأول في الشهادة الابتدائية كما أشرت والتحقت بالمدرسة الإعدادية وخفف حنان أخي الأكبر وعطفه علي من جراحي وآلامي ومضت الأيام بخيرها وشرها إلى أن بلغت السنة الثالثة الابتدائية وكان شقيقي الأكبر وسندي الوحيد في الحياة قد أنهى دراسته التجارية واستُدعي لأداء الخدمة العسكرية ..
وانفرد شقيقي الآخر بالسيطرة على مقاديرنا وفي يوم لا أنساه لأنه كان عيد الأم منذ تسع سنوات وكانت المدارس تحتفل به , خرجت مع زميلاتي فمررنا في طريقنا للبيت بالمدرسة الابتدائية للبنين المجاورة لمدرستنا وسمعنا الأصوات الصادرة من الحفل الذي تقيمه المدرسة في فنائها بهذه المناسبة فوقفنا على البوابة نتفرج لحظات ورفضت دعوة زميلاتي لدخول معهن رغم وجود تلميذات كثيرات في الحفل لأن هاتفاً حذرني من الدخول خوفاً من أن يكون أخي "المتوحش" في الداخل ...ولم أدخل ..لكن لسوء حظي لمحني شقيقي الذي كان موجوداً بالفعل ورأيت عينيه تطلقان الشرر وهو ينظر إلي فهرولت إلى البيت وأنا لا أرى الطريق من هول ما ينتظرني .. ورفضت تناول طعام الغداء مع أني اخرج للمدرسة بدون إفطار وسألني أمي وأبي عن السبب فصارحتهما " بالكارثة " وناشدت أبي أن يحميني لكن ماذا يستطيع الأب الشيخ الضعيف أن يفعل مع هذا الوحش الكاسر بعد أن ناله من أذى لسانه في حالات كثيرة مماثلة الكثير ؟!
لقد آثر الانسحاب متألماً وغادر البيت حتى لا يراني وأنا أجلد وأُضرب وحانت ساعة العقاب وعاد شقيقي سامحه الله وانهال علي ضرباً وركلاً وجلداً حتى تورم جسدي كله وانغلقت عيناي من الورم والهالات السوداء والزرقاء ..وأعلن الحاكم بأمره الخطير بأني لن اذهب للمدرسة مرة أخرى وصعقني الخبر أكثر مما صعقني الضرب والإيذاء لأن المدرسة هي متنفسي الوحيد الذي أجد فيه نفسي مع زميلاتي اللاتي يحببنني ومع المدرسات والمدرسين والناظر الذين يحبونني يشجعونني فقد كنت أكتب الشعر والزجل وألقيهما في الإذاعة الصباحية وأشيع حولي جواً من البهجة والمرح رغم ما ألاقيه من عذاب وهوان فتوسلت إليه ألا يحرمني من المدرسة فلم يتزحزح عن موقفه ونمت كالقتيلة ولا اعرف كيف استغرقت في النوم فصحوت في الصباح الباكر فَزِعةً على ركلات عنيفة وفتحت عيني مرتعبة لأجد شقيقي يركلني بعنف ويبصق علي سامحه الله ويتوعدني بأنه .. ورائي ورائي والزمن طويل , كأن بيننا ثأراً قديماً ثم غادرني فإذا بيأس الدنيا كله يهبط علي ونهضت وجسمي كله يرتعش وكانت الساعة السابعة صباحاً فوجدت نفسي أتجه إلى المطبخ ثم تناولت " جركن " الكيروسين وسكبته كله على نفسي حتى بلل جسمي وملابسي .. وأمسكت بعلبة الكبريت وأشعلت عوداً ثم قربته من طرف ملابسي ورأيت النار تمسك بها وأنا لا اصرخ لكن آه .. يا سيدي وآه .. حين اشتدت النار وامتدت لجسمي .. مهما قلت لك فلن أستطيع أن اصف لك الألم الذي أحسست به , فلقد رحت أصرخ وأصرخ وأصرخ وزلزلت صرخاتي الجدران وأنا اجري كالمجنونة فإذا بأمي المريضة تحتضنني وأنا مشتعلة فتحرق يداها وهي تبكي وتصرخ وأنا أبكي واصرخ وإذا بأخي الظالم يختطفني منها ويلفني ببطانية ....ونقلوني بسرعة بسيارة أحد الجيران للمستشفى .. وكان أبي في ذلك الوقت خارج البيت يتسوق بعض مستلزمات البيت فأبلغوه بالخبر فجاء إلى المستشفى وهو يبكي بكاءً مراً وكانت المرة الأولى التي أراه فيها يبكي بالرغم من إهانات أخي له المتكررة .
واحتُجزت في المستشفى تحت العلاج ورقد أبي في البيت مريضاً .. وجاءتني زميلاتي والمدرسات والمدرسون والناظر الفاضل .. ورأيت الدموع في عيونهم جميعاً وهم يواسونني ويهونون علي ويعرضون علي مساعدتي في مراجعة دروسي بالمستشفى استعداداً للامتحان القريب .
وجاء أخي الطيب في إجازته وهو لا يعرف شيئاً عما جرى لي وفي المحطة قابله بعض الأشخاص وأبلغوه بالخبر فلم ينتظر سيارة تحمله إلى المستشفى وإنما انطلق يجري بكل سرعته لمسافة أربعة كيلومترات حتى دخل علي وهو يبكي .. وعلم الجاني بعودته فلم يجرؤ على دخول البيت وهو فيه واختفى حتى انتهت إجازة أخي , وعاد لوحدته العسكرية وظل يتفادى لقاءه والإقامة في البيت كلما عاد لفترة طويلة .
أما أنا فقد بدأت أتماثل للشفاء وأكرمني ربي بأن لم تكن حروقي عميقة أو ظاهرة إلا القليل منها وجاءتني مدرساتي أكرمهن الله يراجعن معي دروسي .. وزارني الناظر الفاضل وعرض علي أن يعقد لي لجنة خاصة لامتحاني في المستشفى فاعتذرت بمشورة مدرساتي الفاضلات حتى لا يقال إني نجحت بالمجاملة ولأني كنت واثقة من نفسي وبعد أربعين يوماً غادرت المستشفى .. وتقدمت للامتحان بعد عشرين يوماً ووفقني الله في النجاح بمجموع معقول والتحقت بالمدرسة الثانوية لكن شيئاً جوهرياً كان قد تغير في روحي فأصبحت منطوية وعازفة عن الاختلاط بالزميلات وبالصديقات , ما عدا صديقتين وساهمت آثار حروقي في هذا التغيير , وكف شقيقي الظالم أذاه عني خلال هذه الفترة ثم توفي أبي رحمه الله , وأنهى أخي الطيب تجنيده وسافر للعمل في العراق وخلا الجو تماماً لشقيقي الأوسط فإذا به يعود إلى ضربي وإيذائي من جديد وأنا بالسنة الثانية الثانوية ولم يجد شقيقي الطيب حلاً لمأساتي معه سوى أن يرسل له من العراق نقوداً لكي يلحق به ويعمل معه بعد أن أنهى تجنيده .. وسافر شقيقي المتمرد إلى هناك .. والتقطت أنفاسي لأول مرة منذ وعيت نفسي .. وعرفت لأول مرة الحياة بلا رعب أو خوف لكني فقدت الكثير من حماسي للحياة .. فلم أبذل جهداً كبيراً في الاستذكار في الثانوية العامة ودخلت الامتحان معتمدةً على ما استوعبته من شروح الدروس في الحصص ونجحت بمجموع ضئيل جدا لم يؤهلني إلا للالتحاق بمعهد فوق المتوسط وحصلت على الشهادة وسافرت إلى أخي من أمي في القاهرة للعمل , فعملت شهرين في محل للملابس الحريمي ثم تم الاستغناء عني لأني لا اعرف كيف " ألاغي الزبائن " وتجمع لدي مبلغ من اجري فأرسلت لأمي بعضه وبقي معي خمسون جنيهاً فجاء شقيقي إياه وأخذها مني لأنه كان قد خطب ثم سافر للعراق مرة أخرى تاركاً وراءه لأمه ديوناً كثيرة , ثم عملت بعد ذلك في الشركة التي يعمل بها أخي لأمي وبعد عملي بأسابيع تقدم لي مهندس مطلق له طفلان وعمره تسعة وأربعون عاماً وتقدم لي شاب من زملائي .. ففكرت في أن الشباب لن يطيق رؤية ما لا يحب من آثار الحروق بالرغم من أن حروقي سطحية وليست ظاهرة أو مفزعة وفضلت قبول المهندس المطلق بالرغم من أن عمري 24 سنة ...وصارحته بوضعي وحروقي فأبدى تمسكه بي لأخلاقي وتديني واتفقنا على أن ننتظر عودة شقيقي الأكبر من الخارج ليبارك الزواج فعاد بعد خمسة شهور .. وعرضت عليه الموضوع ..فرفضه قائلاً إن حروقي ليست ظاهرة ولا مفزعة ولا تبرر أن أتزوج مطلقاً له أولاد ويكبرني بــ خمس وعشرين سنة .. ورأى أن أترك العمل بالشركة وأن أعود معه للإقامة في بيتنا بالقرية الصغيرة .. ولم أعارضه وعدت معه سعيدة بحبه واهتمامه بمصلحتي وعدنا للحياة مرة أخرى تحت سقف بيت واحد أنا وأمي الحبيبة وشقيقي الحنون وعاد الأخ القاسي بعد قليل من العراق ورفض أن يقيم معنا في معيشة واحدة وأخذ كل ما يستحقه في ثمن البيت المتواضع الذي بناه أخي الكبير بما كان يحوله من مال على قطعة ارض مشتركة وعاش في مدينة مجاورة منفصلاً عنا .
وبالرغم من أني فشلت في الحصول على فرصة عمل كمدرسة بالحصة لكي أشغل نفسي وأوفر بعض النقود لشراء احتياجاتي وذلك لانعدام الواسطة .. وبالرغم من أن أخي قد فقد الأمل في صرف حوالاته المتأخرة عن ثمرة كفاحه وغربته في العراق في ظل أسوء الظروف إلا أن الحياة تمضي .. ولقمة العيش الجافة في جو من الحب الأسري والعطف والأمان أشهى من أي طعام في ظل الخوف والكراهية والشقاق والمشاكل والحمد لله على كل حال وأنا متأكدة أن الله سوف يعوضني عما عانيت وسوف يعطيني خيراً كثيراً عندما يأتي الأوان لأني أرعاه في كل شيء وأملي فيه كبير دائماً .. والسلام عليكم ورحمة الله .
ولكاتبة هذه الرسالة أقول :
"الإنسان ما يفعل " كما جاء عرضاً على لسان أحد شخصيات الأديب والمفكر الفرنسي اندريه مالرو , فإن اختار أن يكون كائناً مجرداً من الرحمة والعطف والعدل والمشاعر فليؤهل نفسه لحصد كراهية الآخرين وازدرائهم ونفورهم ومعاملتهم له كمنبوذ قد يسلمون أحياناً اضطرارا بوجوده بينهم , لكنهم أبداً لا يتواصلون معه ولا يتسلل إلى قلوبهم ولا يسعدون باقترابه منهم . وليعتبر نفسه كما قال هنري ثورو عمن يخلو قلبه من كل المشاعر الإنسانية الطبيعية " ابن عم أشجار الصنوبر وأحجار الصخور " وليس شقيق أحد من البشر أو ابن عمه ..مع أنه حتى الأشجار والنبات قد أثبت العلم أنها تحس وتشعر ...فكيف إذا ببني البشر ؟؟ أما من شاء أن يكون بشراً كالبشر وكما أراد خالقه أن يكون وأودع روحه وقلبه قبساً من رحمته وعدله ..فليهنأ بحب المحبين .. وعطف المتعاطفين واحترام الحياة وراحة القلب والضمير .
ولا بد أن هذا هو حصاد شقيقك الأكبر العطوف الآن منك ومن أمه ومن الأهل والأصدقاء والمعارف عدا ما ينتظره من جوائز ربه الأخرى بعد حين فأيهما الخاسر الحقيقي وأيهما الفائز ! ؟
لقد كان شقيقك الأكبر عادلاً معك في كل مراحل حياتك .. وبلغ قمة عطفه ورحمته بك حين أصر على ألا يوافقك على الاقتران بمن يكبرك بـ خمس وعشرين سنة , ليس فقط لأنه لم يكن مناسباً لك من ناحية السن أو أعباء الأبناء وإنما وهو الأهم لأن دافعك إليه كان الإحساس الخاطئ بأنك لا تستحقين من هو أكثر شباباً منه وأقل أعباء عائلية ..
لهذا لم يكن غريباً أن تتقبلي حكمه راضية لأنك على ثقة من انه حكم صادر من موقع الحب والتقدير لك وليس من موقع الأنانية والإرغام .
أما شقيقك الآخر فليهنأ بما فعل وليحصد ما غرس ما لم يكفر عنه تكفيراً كافياً ...فلقد كان سوء فهمه لطبيعتك التي تميل للمرح والابتهاج في تقديري وتفسيره لها بأنها " تحرر " يتطلب التشدد معك هو السبب الظاهري لهذه القسوة الإجرامية التي عاملك بها .. لكن المؤكد أن أسبابه الخفية التي ربما لم يكن هو نفسه يعيها وعياً كاملاً , كانت تكمن في إحساسه بالنقص إزاء تفوقك الدراسي وغيرته الذميمة منه بالإضافة إلى ما أشرت إليه أنت نفسك من تدليل الأب وضعفه معه وعجزه عن كبح جماحه وشراسته الطبيعية أو المكتسبة إذ بالرغم من أن هذه الظروف نفسها كانت قائمة تقريباً بالنسبة للأخ الكبير إلا أنها لم تثمر ثمارها الفاسدة في نفسه لميل غريزي فيه للإنصاف والتراحم .
على أية حال فلقد انقضت " تلك السنون وأهلها " كما يقول الشاعر ولم تبق إلا حفائر الذكريات الأليمة في النفس وبعض آثار لحظة اليأس المريرة التي أقدمت عليها في محاولة لتخلص من حياتك فأنقذك ربك مما لم يقدّر عليك وأعاد تلك الثقة في نفسك وفي الحياة وفي الفضلاء من عباده اللذين أحاطوك بعطفهم ومشاعرهم بعد الحارث .
ومع يقيني دائماً بأنه لا يقدم على الانتحار إنسان لديه بقية أمل في رحمة ربه ومع ما يمثله ذلك من تناقض مع الإيمان بالله سبحانه وتعالى فلقد تأثرت بوصفك المؤلم للمشهد الذي دفعك للإقدام عليه وبتفاصيل المحاولة ومشاعرها الرهيبة .. جنبك الله وجنب الجميع الآلام وعجل لك بحسن الجزاء إن شاء الله .
راجعها وأعدها للنشر / نيفين علي

برجاء عدم النسخ احتراما لمجهود فريق العمل في المدونة وكل من ينسخ يعرض صفحته للحذف بموجب حقوق النشر