قبل الرحيل .. رسالة من بريد الجمعة عام 1992

 

قبل الرحيل .. رسالة من بريد الجمعة عام 1992

 قبل الرحيل .. رسالة من بريد الجمعة عام 1992


تأثرت كثيرا برسالة "ينابيع الشجن" الخاصة بالأخت الفاضلة التي فقدت زوجها ثم ابنها وأعجبت بشجاعتها وصبرها .. "إنما يوفى الصابرون أجرهم بغير حساب"، وكذلك بحرصها على عدم إظهار الحزن أمام أبنائها وعلى أن تعيش حياتها بشكل عادي وبرغبتها في أن تكون من أصدقاء بريد الأهرام .. فأنا أيضا أريد أن أكون من أصدقائه وأصدقائها. فأنا سيدة في أواخر الأربعينات من عمري وقد ابتلاني الله والحمد لله على كل حال بمرض يصيب أنسجة الجسم ويؤثر على الجهاز الحركي ولا أعرف إن كان من الأمراض الخبيثة أم لا لأنه لا أحد يريد ان يقول لي شيئا عن هذا المرض الغريب, كما أنه لا علاج له إلا بدواء له آثار وخيمة على بقية أجزاء الجسم , وعندما هاجمني المرض منذ 4 سنوات كان زوجي بجانبي ولم يتخل عني لحظة واحدة بالرغم من مرضه هو نفسه بمرض عضال , وللعجب يا سيدي فأننا لم نكن طوال حياتنا الزوجية على وفاق أو استقرار بسبب تغيبه المستمر عن البيت وعن ولديه سعيا وراء الرزق فقد كان كل هدفه من سعيه هو توفير شقة وسيارة لولديه ليوفر عليهما ما عاناه هو في حياته , فضاعت أحلى أيام عمري وأنا في وحدة دائمة ولم يشغلني عملي "حيث كنت أعمل" عن احتياجي لزوجي بجانبي وعشت في قلق وتوتر مستمرين وأنا شبه وحيدة لبعدي عن أهلي الذين يقيمون في مدينة أخرى ورغم أن حياتي الزوجية قد استمرت ثلاثين عاما فإني لم أعرف فيها الاستقرار إلا وأنا وزوجي مريضين للأسف .. كأنما جاء المرض ليكون أمرا إلهيا لنا بالتوقف عن السفر المستمر, ولكي نعيش ما بقي من عمرنا معا في هدوء وسكينة , وكان زوجي شهما معي في مرضي وعطوفا وحنونا وشعرت معه في الفترة الأخيرة بمعنى الآية الكريمة "ومن آياته أن خلق لكم من أنفسكم أزواجا لتسكنوا إليها وجعل بينكم مودة ورحمة" صدق الله العظيم .

ثم فجأة مات زوجي منذ حوالي سنة ونصف السنة "يرحمه الله" ولم استمتع بصحبته الحنون بعد الاستقرار سوى لعامين ونصف العام فقط للأسف , ورغم قصر الفترة إلا إنها محت من قلبي كل آثار الماضي لكني أصبحت أرملة .. وما أقسى الترمل يا سيدي وما أقسى الوحدة وبالرغم من أن لي صديقات كثيرات فإنهن مشغولات كل منهن في شأنها وهذه هي طبيعة الحياة , لهذا فإنني أريد الانضمام إلى رابطة المبتلين من أصدقاء بريد الأهرام خاصة الأرامل منهن وأرجو أن تضمني لها ولك خالص شكري ودعائي.

جميع الحقوق محفوظة لمدونة "من الأدب الإنساني لعبد الوهاب مطاوع"

abdelwahabmetawe.blogspot.com

 

ولــكــاتــبة هــذه الــرسـالـة أقــول:

 

عمر السعادة قصير دائما يا سيدتي مهما طال للأسف .. ومن المحزن أن أحداث الحياة تجري من حولنا بسرعة فائقة لا ننتبه لها وتستغرقنا صغائرها فنبدد معها أجمل سنوات العمر في المعاناة بغير آلام حقيقية ولا اختبارات قاسية، فإذا توقفنا عن اللهاث أخيرا وأردنا أن نبدأ الحياة كما كان ينبغي لنا أن نعيشها في مستهل العمر فوجئنا بأن الصفحة قد انطوت وأذنت القافلة بالرحيل ولم نرتو بعد من نبع السعادة الذي ضللنا إليه الطريق معظم سنوات الرحلة أو حالت بيننا وبينه الحوائل , وهذا هو أشد أحزان الحياة إثارة للشجن.

 فمرحبا بك يا سيدتي صديقة لبريد الأهرام وصديقة لأصدقائه الصابرين من أمثالك ودعاء لك من القلب بالشفاء من مرضك وبالسلوى عمن فقدت وبحياة مديدة هادئة خالية من الآلام بإذن الله ولسوف أكتب لك بأسماء بعض الصديقات ممن سيسعدن بصداقتك ويؤنسن وحدتك.

رابط رسالة ينابيع الشجن

نشرت في جريدة الأهرام "باب بريد الجمعة" أغسطس 1992

كتابة النص من مصدره / بسنت محمود

راجعها وأعدها للنشر / نيفين علي


Neveen Ali
Neveen Ali
كل ما تقدمه يعود إليك فاملأ كأسك اليوم بما تريد أن تشربه غداً
تعليقات