الشبح القديم .. رسالة من بريد الجمعة سنة 1987
اكتب إليك يا سيدي وأنا في
حيرة من أمري .. وأرجو أن تشير علي بما تراه الحق والعدل والصواب .. فانا شاب في
الرابعة والعشرين واجهت الحياة منذ طفولتي إذا صح أن أقول أنه كانت لي طفولة ..
فلقد تنبه وعيي وأنا طفل صغير على المشاجرات الدائمة بين أبي وأمي بسبب ترك أبي
للعمل كل فترة وعدم الإنفاق علينا ، وذات مرة امتنع أبي عن دفع إيجار الشقة التي
كنا نقيم فيها لأكثر من ستة شهور فاقترضت أمي قيمة الإيجار المتأخر من إخوتها
وذهبت لتدفعه لصاحب البيت لكنه سامحه الله كان يدبر لطردنا من المسكن فحصل على حكم
من المحكمة بطردنا، ووجدنا أنفسنا ذات صباح ونحن 6 من الأطفال نقف في الشارع مع
أثاثنا ونحن نبكي وأمي تتركنا بجوار العفش لتبحث عن غرفة نقيم فيها .. وبمعجزة من
السماء عثرت أمي في نفس اليوم على غرفة خالية نقلنا إليها العفش وتكدسنا داخلها ..
وبدأنا نواجه الحياة وحدنا بعد أن تركنا أبي وابتعد.
كنت في ذلك الحين تلميذا في الصف الثالث
الابتدائي .. وكانت أختي في الرابعة عشرة فعملت بالخياطة لقاء عدة قروش كل يوم في
مشغل قريب، أما أنا فلقد عملت في جراج للسيارات اذهب إليه في السادسة صباحا واعمل
فيه حتى الثامنة مساء، وفى نهاية اليوم يعطيني صاحب الجراج سبعين قرشا آخذها شاكرا
لأعطيها لأمي لتساهم مع أجر أختي في تدبير حياتنا، وأرادت أمي أن تعمل فمنعناها
لأنها مريضة وتذهب للمستشفى كل يومين وصبرنا على حياتنا الجافة التي لا استطيع أن
اصف مدى جفافها .. لكن يكفي أن أقول لك إننا كنا نعيش خلالها على الخبز "الرجوع"
والملح فقط لا غير ، وفى الصباح وفى الظهر وفى المساء وأن أياما طويلة كانت تمر لا
يدخل جوفنا سوى العيش "الرجوع" والملح والماء.. والحمد لله الذي لا يحمد
على مكروه سواه.
فهل تعرف ما هو الخبر
"الرجوع" ؟ إنه يا سيدي الخبز البائت الذي يجف ويتكرمش فتعيده محلات
البقالة إلى المخبز لعدم بيعه، فيقوم المخبز ببيعه بربع الثمن لربات البيوت
الفقيرات فيستخدمه كطعام للطيور أو لمحلات الطعمية التي تفرمه على عجينة الطعمية،
وكانت أمي تواظب على شرائه من المخبز بحجة إطعام الطيور خجلا من صاحب المخبز
وعماله ولم يكن لدينا طيور ولا نسور إنما كان لدينا الستر والصبر على ظروف
الحياة.. لكن رائحة الفقر نفاذة يا سيدي ولا يمكن إخفاؤها طويلا لهذا شك صاحب
المخبز بعد شهرين أو ثلاثة في حكاية الطيور هذه لأن ربات البيوت لا تشترين هذا
الخبز بانتظام 30 رغيفا كل يوم .. وإنما يشترينه مرة كل أسبوع أو كل عدة أيام لهذا
ناداها حين جاءت لتشترى هذا الخبز ذات صباح وسألها عن قصتها .. وألح عليها لتتكلم
فروت له القصة كلها فاستعاذ الرجل بالله من الشيطان وسب ولعن وصب جام غضبه على أبي
الذي تركنا لهذا العذاب ثم أمر عماله بأن يعطوا أمي ثلاثين رغيفا طازجا كل صباح
بغير مطالبتها بثمنها .. لأن الحساب معه !! وهكذا حفظ لها كرامتها أمام عماله ..
وواظب على ذلك عدة سنوات بل كان يرسل هذه المقطوعية مع احد صبيانه إلى البيت إذا
لم يذهب أحد لتسلمها.. ولم يقبل ثمنا لهذا الخبز إلا بعد أن تخرجت أختي الكبرى من
المدرسة التجارية بعد ذلك بسنوات وعملت بإحدى الشركات الحكومية وقبضت أول مرتب
لها.. وذهبت إليه أمي لشكره ومعها المصحف لتقسم عليه أمامه إنها تستطيع الآن أن
تدفع ثمن ما تشتريه.
وكنت أنا في ذلك الحين قد
عملت في محل تجارى ببضعة قروش كل يوم.. كنت اخرج من المدرسة فأذهب إليه حتى
التاسعة مساء ثم أعود إلى مسكني فأجد إخوتي الصغار يذاكرون أو يتسامرون مع أمي لأن
أمي رغم قسوة حياتنا أصرت على تعليمنا .. ولم يكن ذلك طموحا ولا ترفا وإنما فقط
وسيلة للنجاة من ظروفنا.. فقد كانت تقول لنا أنه لا أب لكم .. ولا مال .. فليس
أمامكم سوى التعليم لتجدوا لقمة عيشكم ، وكان ذلك أكبر حافز لنا على النجاح
والتقدم فلم يرسب أحد منا جمعيا سنة واحدة.. ولم نعرف بالطبع الدروس الخصوصية ولا
حتى مجموعات التقوية بالمدارس .. بل كان إخوتي الصغار يعملون في الصيف ويدخرون ما
يكسبون لإنفاقه خلال السنة الدراسية.. أما أنا فكنت أعمل صيفا وشتاء، وهكذا مضت
بنا الحياة فتزوجت أختي الكبرى وجهزت نفسها بنفسها من مرتبها وتخرجت أختي التي
تليها من المدرسة التجارية وتزوجت وعملت وجهزت نفسها بنفسها .. واخترت أنا التعليم
المتوسط لأختصر المشوار ولأتيح لشقيقي الذي يليني دخول الجامعة لأنه كان متفوقا
باستمرار في دراسته وحصلت على شهادتي .. وجاء دوري في التجنيد فحاولت قدر الإمكان
تأجيله بسبب ظروفي فلم انجح فاستسلمت للمصير والتحقت بالخدمة فتوقف دخلي من عملي
وأصبحت اعمل لمدة 4 أيام كل أربعين يوما فلا يكفى أجرى خلالها لمتلطباتنا .
وطوال هذه السنوات الطويلة
لم أفكر في اللجوء إلى أهل أبي أو اطلب مساعدة من عمي لكنى ضعفت ذات يوم حين جاء
موعد ذهابي للوحدة ولم يكن في جيبي قرش واحد .. ولم يكن مع أمي مليم .. وخجلت أن
اقترض من شقيقتي المتزوجتين لكيلا يطلع زوجاهما وهما "غريبان" على
أحوالنا .. ففكرت لأول مرة في الذهاب إلى عمي لأقترض منه جنيها أو جنيهين وذهبت
مشيا على الأقدام إلى بيته ووصلت مجهدا إلى مسكنه وطرقت الباب ففتحته لي زوجته ..
وقبل أن أتكلم قطبت في وجهي وقالت لى: ماذا تريد .. إننا لا نعرف شيئا عن أبيك ..
! فجمد لساني .. ولم أتكلم ووجدت نفسي أستدير وأنزل السلم وأنا أكاد أتعثر فيه..
ونويت أن أسير المسافة على قدمي إلى الكيلو 22 في طريق السويس .. أو أتنطط بين
الأتوبيسات كلما وجدت فرصة .. ومشيت على قدمي حزينا .. مطأطأ الرأس، فرأيت بطاقة
شخصية في غلافها البلاستيك ملقاة على الأرض فالتقطتها وقدرت أنها فقدت من صاحبها
.. وأنه لابد مهموم بالبحث عنها فأمسكتها في يدي وانتويت حين أصل إلى الوحدة أن
اقترض من زملائي بضعة قروش لأضعها في خطاب وأرسلها إلى صاحبها .. وقلبت البطاقة
بين يدي فإذا بى أجد داخلها أربعين قرشا!!
فأسرعت اركب الأتوبيس إلى
وحدتي .. وأروي لزملائي ما حدث .. وأقترض منهم ما أنفقته في الوصول للوحدة ثم وضعت
البطاقة والمبلغ في ظرف وأسقطته في صندوق البريد .. وأنا احمد الله وأتعجب من حكمته .
وانتهت فترة الخدمة
العسكرية بخيرهما وشرهما وخرجت وقد آليت على نفسي أن أكرس جهدي لإسعاد إخوتي
الصغار الذين يدرسون في الجامعة وفى المدرسة .. ولإسعاد أمي المكافحة الصابرة
ولعلاجها أيضا من أمراضها .. وتسلمت عملي الحكومي وبدأت حياتنا تعرف لأول مرة نسيم
الراحة ..
فرغم ضآلة مرتبي فهو يكفى
بالكاد لمتطلبات حياتنا .. وقد مضت سنواتنا الصعبة وتحملناها .. ولن يكون المستقبل
مهما حدث أشد قسوة من الماضي .. ونحن رغم بساطتنا والحمد لله أغنياء بأشياء كثيرة
.. فنحن أسرة متحابة متعاونة نساعد بعضنا البعض ويقدر كل فرد منا للآخر صلابته
وكفاحه.. وشقيقتاي موفقتان والحمد لله في حياتهما مع زوجين على خلق كريم وهما
يزوراننا يوم الجمعة فيتحول مسكننا إلى واحة من الحب والسعادة ولا ينقطعان عن
زيارة أمي وإخوتي في كل فرصة ونحن نزورهما في المناسبات ونؤدي الواجب معهما حسب
قدرتنا.
وبدا لنا أن الحياة قد بدأت
ترضى عنا أخيرا .. وفى هذه الظروف فوجئت بعمى الذي طردنا سامحه الله ونحن أطفال
صغار ذات يوم حين لجأنا إليه، يأتي إلى مسكننا ويطلب محادثتي فخرجت معه وجلسنا في
المقهى فإذا به يطلب مني أن يعود أبىي ليعيش معنا بعد أن أصبح شيخا عجوزا لا حول
له ولا قوة لأنه "كما قال" أبي ومن حقه أن يطلب مني نفقة له .. لأنه
أصبح غير قادر على العمل وتوقف عن العمل منذ فترة طويلة فعقدت الدهشة لساني وكدت
أسأله .. وأين كان أبي وهو يكسب الكثير وينفق الكثير بعيدا عنا وأين كان ونحن
أطفال صغار نأكل خبز الرجوع .. ونبتلعه بالملح وأين .. وأين .. لكني استحييت أن
أسئ إليه بكلمة هو وأبي ووعدته بالتفكير والرد عليه وتركته وقد تجددت همومي وهاجت
أحزانى .. صحيح هو أبي رغم كل ما فعل بنا .. وسوف "يتكلم" الناس عنا لو
لم نقبله .. لكن كيف أنسى ما فعله هو وأهله معنا.. وأين لي أن انفق عليه ومرتبي
يكفى مطالبنا بالكاد .. وأنا لا أفكر في زواج ولا مستقبل ولا أفكر سوى أن ينهى
إخوتي تعليمهم وأن يجد كل واحد منهم طريقه في الحياة .. وحين يحدث ذلك قد أفكر ذات
يوم في نفسي وفى مستقبلي.
إنني في حيرة من أمري
وأسألك ماذا افعل بغير أن اغضب ربي الذي سيحاسبني عن أبي إن لم احمه وآوه من برد
الشتاء وحر الصيف وسأفعل ما تشير على به وسأرضى بحكمك لكنى فقط سأطالبك بأن توجه
كلمة للآباء تحثهم فيها على أن يرحموا أبناءهم .. وأن يتحملوا مسئولياتهم عنهم ..
وألا يتركوهم للحياة تصارعهم كما صارعتنا..
و لكاتب هذه الرسالة المريرة أقول:
إنني لو تركت نفسي لانفعالها
برسالتك لطالبتك بأن توصد بابك في وجه هذا الأب الظالم وأن تقبض يدك عنه وأنت غير
ملوم.. لكننا لا نستطيع يا صديقي أن نتبع أهواءنا وننقاد لانفعالاتنا لأننا
مطالبون بأن نستجيب لما تمليه علينا قيمنا الدينية والخلقية والإنسانية .. حتى مع
من ظلمونا وتخلوا عن واجبهم تجاهنا.
وفى ضوء هذه المعايير أقول
لك أنك لا تستطيع أن تتنصل من بنوتك لمن تنصل من أبوته لك.. وما أخالك ستفعل ذلك
وأنت الشاب المكافح الأمين الذي يظلل الحب الأسرى حياتك رغم قسوتها.. وإنما أنت
فقط تتأمل مفارقات الحياة وتتعجب ممن ترككم فى اليم غرقى .. فلما لاطمتم الأمواج
ولاطمتكم وسحبتم إلى الشاطئ بعد كفاح مجيد.. جاء إليكم يطالبكم بنصيبه من صيد
الرحلة الشاقة .. وهو صيد زهيد شحيح لا يكاد يقيم أودكم.
أنت تتأمل يا صديقي وتعجب
ومن حقك أن تفعل وأنا أعجب معك من أبيك ومن أمثاله من الآباء والأمهات الذين
يتصورون أن الله يحاسب الأبناء وحدهم عن عقوقهم .. ولا يعرفون أن حسابه اشد وأقسى
لمن استودعهم الله ودائعه فتخلوا عنها أو أساءوا إليها .. ولم يؤدوا حقوقها
إليها.. وودائع السماء هذه هى الأبناء الذين يسأل المرء عما فعل بهم وعما قدم
لهم.. وعنهم قال الرسول الكريم "رحم الله امرأ أعان ابنه على بره" أي
رحم الله من أعان ابنه بعدله معه ورحمته وأدائه لواجبه له على أن يكون نعم الابن
البار به في ضعفه وشيخوخته لأن الأبوة ليست مجرد علاقة عضوية .. ولآن الأب الغائب
بلا ضرورة عن أبنائه ولا يرعاهم ولا يكفلهم ولا يحميهم من أعاصير الحياة ليس أبا
بالمعنى الإنساني الصحيح وأي إنسان يؤدى هذه الواجبات تجاه الأبناء الصغار قد يكون
أحق بصفة الأبوة منه.. لذلك فقد أعجبت كثيرا بشهامة صاحب المخبز الذي لم ينجبكم
ولكنه استشعر بحسه الإنساني الصادق مدى مأساتكم .. ولم يتردد فى أن يقدم لكم ما
تسمح له به قدرته من مساعدة بذوق وكياسة تستحقان الإعجاب..
هذا هو الوجه الآخر لنموذج
أبيكم الذي ترككم في مهب الريح لا يدرى عنكم شيئا كل هذه السنين.
ومع كل ذلك فان خلقك
المستقيم لن يسمح لك بالتخلي عمن تخلى عنكم لأنه أبوك في النهاية كما قلت أنت في
رسالتك صادقا ومعبرا عن قيمك الدينية الصحيحة.. لكنك لا تملك هذا القرار وحدك يا
صديقي وإنما تملكه قبلك هذه الأم الصابرة المكافحة وعودته إلى حياتكم يجب أن تلقى
قبولها أولا وقبل كل شىء .. فإذا كانت على استعداد لأن تصفح عنه وان تجمع معه شمل
الأسرة الذي انفرط منذ سنين .. كان خيرا وأتقى . أما إذا كان العكس فلا احد يستطيع
أن يرغمها على معاشرة مثل هذا الزوج بعد كل ما عانت في حياتها من آلام .. وفى هذه
الحالة لا تملك آنت إلا أن تؤدى واجبك الإنساني معه بأن تبره بقطرة من مائك الشحيح
وبأن تصله أنت وإخوتك كل حين.. وليغفر الله له ولأمثاله .. ولتعوضكم الحياة عما
لقيتم فيها من عناء ومعاناة .. خيرا عميما..
راجعها وأعدها للنشر / نيفين علي



برجاء عدم النسخ احتراما لمجهود فريق العمل في المدونة وكل من ينسخ يعرض صفحته للحذف بموجب حقوق النشر