شق الثعبان .. رسالة من بريد الجمعة عام 1992

 

شق الثعبان .. رسالة من بريد الجمعة عام 1992


شق الثعبان .. رسالة من بريد الجمعة عام 1992 

أكتب إليك باحثا عن كلمة تبث الأمان في نفسي، فأنا شاب من البشر الذين يقال عنهم أن أفراحهم قليلة .. وأحلامهم صغيرة .. وقد نشأت في قرية صغيرة لأب موظف بسيط  في إحدى الإدارات الحكومية .. يكفي مرتبه بالكاد لإطعام أسرته خبزها وملحها , ويترك الباقي لتصاريف القدر أو المفاجآت السعيدة كمنحة عيد أو مدارس أو ما أشبه , وقد تربيت في أسرة تعتمد في حياتها على وجبة طعام واحدة تقدم بعد الظهر حوالي الرابعة مساء , أما ما قبلها وما بعدها فمتروك لإجتهاد كل فرد إن إستطاع أن يجد سبيلا لممارسة رفاهية الإفطار أو العشاء أو تناول الشاي , ورغم ذلك فلقد كانت حياتنا تمضي , ولم نشعر بأننا مختلفون كثيرا عن غيرنا من البشر , ولم نحقد على أحد ولم نحسد أحدا على حياته .

وتعلمنا في المدارس كما يتعلم الآخرون وتقبلنا بسماحة دعوات الأصدقاء للمذاكرة مع تناول طعام العشاء , ولم نتحرج في بعض الأحيان عن طلب الساندوتشات إذا تأخرت علينا خلال الاستذكار , ولم نكن بالطبع من المتفوقين في المدرسة ولا تصدق حكاية التفوق الدراسي التي يجعلها بعض المؤلفين ملازمة للطلبة المعوزين , فالتفوق يحتاج إلى تكاليف فإن كان بعض البسطاء قد تفوقوا فلأن قدراتهم العقلية كانت أقوى من ظروفهم .. وهم في النهاية حالات استثنائية، أما الأغلبية فيتعثرون أو يختصرون الطريق , وقد كدت أنا أتوقف عن التعليم في المرحلة الثانوية لكني قاومت وحصلت على الثانوية العامة بمعجزة في حين تعثر من إخوتي اثنان وخرجا للعمل اليدوي، وبعد حصولي على الثانوية جئت إلى القاهرة واستأجرت حجرة ضيقة كشق الثعبان تخنقها رائحة كريهة على الدوام , والتحقت بالجامعة , وكان أبي بمساعدة أخوي يقتطع من مرتبة بضعة جنيهات كل شهر ليرسلها إلي بالبريد , وفى بعض الأحيان كان يرسل لي حوالة بريدية بمبلغ وقدره جنيه واحد , فأذهب سعيدا إلى مكتب البريد وأصرفه وأحاول تدبير أموري إلى أن تنفرج الأحوال .. أما صاحبة البيت الطيبة فما أكثر ما صبرت علي حين كنت أتأخر فى سداد الإيجار، وفي عامي الثالث بالجامعة تعرفت إلى جارة لي تدرس بنفس الكلية وعرفت أنها جارتي حين بدأت أراها بانتظام على محطة الأتوبيس التي أركب منها عائدا إلى الحى , وتكررت المصادفة فتعارفنا وعرفت أنها طالبة بالسنة الاولى في الكلية وتقيم في شارع قريب من الحارة التي أسكن بها، وبعد شهور ارتبطنا وتعاهدنا على الزواج بعد التخرج ولمست منها تقديرا لظروفي واستعدادا للصبر علي , ولم يكن ذلك غريبا عليها فهي ابنة الحرمان مثلي وإن كانت ظروفها أفضل قليلا لقلة عدد إخوتها.

وتخرجت من كليتي وعملت مدرسا بعقد مؤقت في إحدى المدارس , وبعد عامين تخرجت فتاتي فتقدمت لخطبتها بدبلتين فقط وأحلام كثيرة سعيدة , ووافق أبي على الخطبة بالرغم من أنه نصحني بألا أتعجل الهموم وأعطي نفسي فرصة لالتقاط الأنفاس بعد عناء الرحلة , وبعد عامين من الخطبة تزوجنا في بيت أسرة زوجتي ثم تركتها بعد شهر العسل وسافرت للعمل في الخارج وقد أقدمت على تجربة مختلفة وشجعتني زوجتي عليها فلم أسافر إلى إحدى الدول العربية وإنما سافرت بتأشيرة سياحية إلى إحدى دول أوروبا ولجأت إلى صديق لي سبقني في السفر إليها , وبعد عذاب مرير بدأت ألتقط رزقي من فم الأسد يوما بيوم هناك وعملت في كل الأعمال التى تتخيلها ولا تتخيلها , وأقمت في غرفة بفندق رخيص قذر مع سبعة من الشبان المصريين من أمثالي نتقاسم جميعا أجر الغرفة ونتبادل النوم على سريرها وأرضها ومنا من يعمل في الليل وينام في النهار .. ومنا من يعمل في النهار وينام في الليل ويتغاضى صاحب الفندق عنا مقابل مضاعفة ثمن الغرفة , وبعد عام طويل استقررت في العمل كنقاش مع مصري يعمل مقاولا للنقاشة هناك وأصبح في مقدوري أن أستأجر غرفة ضيقة أكثر ضيقا من غرفتي في مصر .. فاستدعيت زوجتي على الفور , وجاءت بنفس التأشيرة السياحية وبدأنا عش الزوجية المستقل في هذه الغرفة , وبعد أسبوع واحد من وصولها بدأت تبحث عن عمل لتشاركني الكفاح وتدبير ثمن الشقة والجهاز في مصر، ومضى علينا عام طويل ونحن الاثنان نعمل عملا كالأشغال الشاقة المؤبدة من الفجر حتى السادسة مساء كل يوم , ونعود للفندق في الثامنة فننام كالقتلى , ولم نفكر طوال هذه الفترة في أن نقيم حياتنا فى هذا البلد أو نسعى للحصول على أوراق للإقامة وإنما كان كل تفكيرنا هو أن نجمع أي مبلغ نستطيع ادخاره ثم نعود لنقيم في شقة في مصر ونعمل ونبدأ حياتنا , وكلما تجمع لدينا مبلغ صغير أرسلناه إلى والد زوجتي , ولم أنس أبي خلال ذلك فكنت أرسل إليه من حين إلى آخر مبالغ محدودة كانت تسهم في تخفيف أعبائه ويكتب إلي شاكرا وطالبا عدم إرسال غيرها حتى أدخر مبلغ الشقة وأعود في أسرع وقت، وبالفعل فما أن عرفنا من صهري أنه قد حصل لنا على شقة مناسبة حتى أعدت زوجتي إلى مصر لتشتري الجهاز وتقوم بتأثيث الشقة وأنتظرت بعدها ثلاثة شهور حتى أنهيت كل ارتباطاتي وحصلت من صاحب العمل على مستحقاتي وعدت لبلدي "وتزوجت" من جديد في شقة صغيرة وبسيطة وجميلة وبدأت أبحث عن عمل بمؤهلي وفي تخصصي الأصلي وساعدتني الظروف على العمل بإحدى الهيئات المرموقة .. أما زوجتي فقد عملت مدرسة في نفس المدرسة التى بدأت بها وأصبحت ذكريات المعاناة في شق الثعبان وفي شوارع المدينة الأوروبية لمدة 3 سنوات ماضيا نتذكره بإعجاب بل بحنين أيضا ونرضى عن كفاحنا ويزداد احساسنا بقيمة ما أصبح بين أيدينا , ولأن كنت قد اعتدت العمل المتواصل فلم أكتف بعملي في الهيئة وعدت لاعطاء الدروس في أحد معاهد اللغات .. ولمن يريد من الطلبة وبعد 5 سنوات من زواجنا رأينا الوقت قد أصبح مناسبا لتكوين أسرتنا الصغيرة فحملت زوجتي وأنجبت طفلا جميلا وأصبحنا نقضي الأجازات في بيت أبي بالقرية الصغيرة ونسافر إليها محملين بالهدايا وعرفنا المصايف في الصيف بل وزرت مع زوجتي وطفلي مدينة الأقصر ذات شتاء وأمضينا عدة أيام سعيدة فيها , وزوجتي كما هي منذ عرفتها لأول مرة الحنان الدائم والحب والتشجيع المستمر .. والابتسامة العريضة الثابتة والاعجاب بكل ما أفعل كأني أصنع المعجزات كل يوم .. ثم فجأة مرض ابني وأصابه الهزال ولم ينجح علاج طبيب الأطفال فنصحنا بعرضه على طبيب أخصائي فأجرى له فحوصا عديدة كانت نتيجتها صدمة مذهلة .. فلقد تبين أنه مصاب بمرض لعين لا أريد أن أذكر لك أي تفاصيل عنه حتى لا أخيف أحدا وتقبلنا الحقيقة المرة بصبر وبدأنا العلاج وكلنا أمل في الله سبحانه وتعالى لكن المرض كان قد اكتشف متأخرا جدا وجاء القضاء في موعده وأختطف الملاك البرئ من بين ايدينا , وأمام أعيننا , وانهرت أمام الألم .. وعجزت عن مغادرة الفراش أياما عديدة ودموعي لا تنقطع فكانت زوجتي وهي الأم المكلومة التي انفطر قلبها على طفلها هي التي تخفف عني وتشد من أزري كما اعتادت أن تفعل منذ أن عرفتها .. بل كانت تفتعل الابتسام وتقول لي إن ما حدث لنا هو اختبار ولابد أن نصمد له كما صمدت أنا للحياة في شق الثعبان .. وفي غرفة الفندق الضيقة التي كنا ننحشر فيها ثمانية أفراد ونحن نرتجف من الصقيع .. وتقول لي أن الله أعطى .. والله أخذ وسأنجب لك طفلا آخر .. ثم طفلة لينشآ معا وأربيهما فى وقت واحد .. وأغدقت علي زوجتي من حبها وتشجعيها ما أعانني فعلا على التماسك وعلى استرداد نفسي بصعوبة , وأقسم لك أني لم أرها بعد صدمة الأيام الأولى تبكي طفلها أمامي , فقد راحت تتصرف معي وكأن شيئا لم يكن وكأننا عروسان جديدان وأنا أعلم علم اليقين أن قلبها يتمزق حزنا وألما .. وحين فقدت بعض وزنها أدركت حجم المعاناة التي تعانيها وتكتمها عني فنصحتها بالاهتمام بصحتها وأصطحبتها للطبيب ليعطيها بعض المقويات .. وحكيت له قصتنا فكتب لها بعض الأدوية .. لكنها استمرت تفقد وزنها وأصابها الاغماء فعدنا للطبيب وبعد الفحوص والتحليلات قال لي مشفقا أن الأم مريضة بنفس مرض ابني بل أنه في الغالب قد انتقل منها وراثيا إليه لكن آثاره ظهرت عليه أسرع مما ظهرت على الأم وأن علي أن أتشجع وأساعدها على المقاومة واحتمال العلاج .

 

ودارت الدنيا بي وأنا أسمع هذا الكلام القاسي ولم أدر ماذا أفعل وتحايلت على زوجتي بشتى الطرق لإخفاء حقيقة الأمر عليها وبدأنا ننتقل من عيادة إلى عيادة .

ثم لن أطيل عليك وعلى قرائك ولن أزيد من آلامكم .. فبعد أقل من عام ونصف فقط من رحيل طفلي .. غابت عن حياتى الزهرة الأم .. ورحلت في هدوء وهي ممسكة بيدي تروح في غيبوبة ثم تفتح عينيها وتبتسم لي ابتسامة حزينة كأنها تعتذر لي عن مرضها وعن أنها لن تستطيع تشجيعى هذه المرة على احتمال الكارثة , ثم تغمض عينيها وتغيب عن الدنيا إلى أن غابت الغياب الأخير عني وهى في الثانية والثلاثين من عمرها.

 إنني يا سيدي في أجازة مرضية منذ 3 شهور , وكلما انتهت الأجازة ذهبت إلى طبيب الهيئة وأبلغته أني عاجز عن كل شئ وعن دخول باب الهيئة التي أعمل بها .. فيجدد لي الأجازة ويكرر العلاج وهو أدوية مضادة للاكتئاب وفيتامينات وقد توقفت عن عملي بمعهد اللغات وعن اعطاء الدروس , وترددت على مجالس رجال الدين ونصحوني جميعا بالامتثال لمشيئة الله تعالى وإقامة الصلاة , وأنا أحافظ على صلاتي ولا أعترض على قضاء الله سبحانه وتعالى .. لكني فقط أبكي كثيرا .. وحين انخرط في البكاء أتذكر عذابات حياتي كلها , من حرمان الطفولة إلى عناء الصبا إلى كفاح شق الثعبان والتشرد في شوارع أوروبا وأجد الأحزان كثيرة .. والأفراح قليلة , وفترة الراحة في حياتي لم تطل أكثر من 5 أو 6 سنوات فقدت بعدها أسرتي الصغيرة كلها في أقل من عامين وفقدت نصيري الأول في الحياة وهي زوجتي الصابرة العطوف .. فلماذا تقصر السعادة فى حياة الإنسان كأنها لمح البصر .. ويطول الشقاء كأنه ليل الشتاء ؟

إن عمرى 36 عاما لكن من يراني يتصور أني فوق الخمسين بسبب التجاعيد التي تغطي وجهي وقد فقدت الرغبة في كل شئ .. فماذا أفعل كي أخرج  من حالتي هذه وأستعيد الرغبة في الحياة ؟

 

ولـــكـــاتـــب هـــذه الــرســالـة أقــول :

 

وماذا يملك الإنسان إزاء تصاريف القدر يا صديقي سوى التسليم والإمتثال ؟ وماذا يستطيع بعد التسليم سوى أن يعيش حياته كما أرادها له الله ثم يأمل أن تدخر له الحياة سعادة مؤجلة تعوضه بها ذات يوم عمن فقد وعانى وتطول فيها أفراحه .. وتقصر أحزانه ؟

هل نملك شيئا غير ذلك .. وهل نستطيع إلا الصبر على اختبارات الحياة والصمود لها .. وإنقاذ النفس من هاوية الاكتئاب حتى لانضاعف خسائرنا ؟

إن أفضل وسيلة لمقاومة الأحزان بعد التسليم والاعتصام بالصبر والصلاة , هي الاستغراق في العمل والمشاركة في النشاطات الاجتماعية والاهتمام المفتعل بشئون الحياة اليومية لنتشاغل بها عن همومنا وآلامنا .. فالطبيعة دائما ضد الفراغ .. وإذا خلا عقل الإنسان مما يشغله من شئون العمل والحياة اليومية سيطر عليه الهم والتفكير الحزين  واجترار الآلام , لهذا قال الشاعر الأمريكي تنيسون ذات يوم في بعض أشعاره "علي دائما أن أنشغل عن نفسي بعمل .. وإلا هلكت من الأسى" .. وعلى أساس هذه الحقيقة يقوم أحد أساليب العلاج النفسي الذي يعرف بإسم العلاج الوظيفي أو العلاج بالعمل .. فإنشغل عن أحزانك يا صديقي بالعمل في الهيئة .. وفي معهد اللغات .. وفي الدروس الخصوصية .. وابق مشغولا دائما لكي تنقذ نفسك من هاوية الاكتئاب التي تهددك , ثم أدر بعد ذلك مع نفسك حوارا منطقيا هادئا تتساءل خلاله : هل كنت بمستطيع أن أفعل شيئا لإنقاذ أسرتي الصغيرة .. ولم أفعله ؟ هل كنت أستطيع أن أؤجل القضاء المحتوم أو أؤخره ؟ هل يعيد لي الاستغراق في الأحزان والسقوط في هاوية الاكتئاب والسجن في عيادات الطب النفسي أو المصحة النفسية وفقدي للقدرة على العمل نهائيا .. بعض ما ضاع مني ؟ .. ثم هل يقلل من افتقادي للأعزاء الراحلين أن أصمد وأتجلد وأعمل وأتحرك وأشارك في مباراة الحياة التي لا مفر من المشاركة فيها؟

ثم أجب نفسك بصدق وموضوعية عما تساءلت عنه وسوف تجد الاجابات الصحيحة وتعرف أن من حقك أن تحزن .. لكن الاستغراق في الأحزان للنهاية لا يضاعف إلا من الخسائر .. ولا يحكم عليك إلا بالوقوع في أسر الاكتئاب، وستعرف أيضا أن من حقك أن تستسلم لبعض الوقت للتأملات الحزينة عن الأفراح القليلة .. والأحزان الكثيرة .. لكن معايشة هذه التأملات للنهاية لا يحقق شيئا سوى إطالة الأحزان .. التي نشكو منها .. وسد المنافذ على إحتمالات نسيان الشقاء .. والاستعداد في المستقبل للسعادة حين تعوضنا الحياة عن الأحزان , والحياة يا صديقي نهر سريع الجريان تتدفق مياهه السريعة باستمرار .. ولا نستطيع الوقوف عند بعض منحنياتها للنهاية وإلا غطتنا المياة وأغرقتنا ونحن مستغرقون بغير أن نشعر فى تأملاتنا .

فاحزن كما شئت .. لأن ما فقدت يستحق الحزن عليه .. وتأمل كما شئت فى مفارقات الحياة وآلامها .. لأن قصتك المؤلمة تجدد بالفعل هذه التأملات بل وأبك أيضا كما تريد حتى تستوفى البكاء على الراحلين , ثم توصل فى النهاية إلى النقطة المنطقية التى تستطيع عندها أن تقول لنفسك أنك لم تعد تملك للراحلين إلا ما قدمت .. أن عليك أن تعود للحياة  لتعمل وتتحرك وتشارك فى دورتها إلى أن يغير الله من أمرك .. ويعوضك عن السعادة المفقودة بسعادة دائمة قريبة إن شاء الله .. وربما يكون مفيدا لك أيضا أن تهجر موطن الأحزان إذا استطعت استبدال شقتك الحالية بشقة أخرى فى حى بعيد عن دلالات الأحداث والذكريات وتبدأ فية حياة جديدة كما ينبغى لشاب ما زال فى السادسة والثلاثين وما زالت الحياة ممتدة أمامه وسوف تحمل له الكثير والكثير إن شاء الله .

رابط رسالة ينابيع الشجن تعقيبا على هذه الرسالة

نشرت في جريدة الأهرام "باب بريد الجمعة" يونيو 1992

كتابة النص من مصدره / بسنت محمود

راجعها وأعدها للنشر / نيفين علي


Neveen Ali
Neveen Ali
كل ما تقدمه يعود إليك فاملأ كأسك اليوم بما تريد أن تشربه غداً
تعليقات