الأرض الخراب .. رسالة من بريد الجمعة عام 1991

الأرض الخراب .. رسالة من بريد الجمعة عام 1991

الأرض الخراب .. رسالة من بريد الجمعة عام 1991 

كتبت إليك منذ فترة أحكي لك عن طفولتي التعيسة وذكرياتها المريرة فرددت عليَّ في باب الردود الخاصة تطالبني بأن أنسى ذكريات الماضي وأن أبتسم للحياة من جديد .. فكيف أنسى يا سيدي وكيف أبتسم وقد كنت طفلة منبوذة من أطفال العمارة لا لشيء إلا أنها "سوداء غطيس" ؟! لقد كان الأطفال يلعبون ويلهون ويقيمون أعياد الميلاد ويجتمعون فيها فأحاول أن أدخل إليهم فيطردونني من حفلاتهم وكانت الأفراح تقام على سطح العمارة فأرتدي ملابسي وأصعد إليه فيقف الأطفال سداً على باب السطح ويدفعونني بأيديهم بعيداً عن الفرح .. أما أمي فمازلت أذكر لها قسوتها عليَّ بلا مبرر ولا أنسى يوم عدت من المدرسة وجلست إلى السفرة لأتناول طعام الغداء من محشي الكرنب والبطاطس فجاءت من خلفي وفوجئت بعصا غليظة تنزل بها على رأسي فأحسست بالدوار .. وسقطت على الأرض .. ثم كبرت وأحببت شاباً فإذا به يقول لي أن أسرته لا توافق على زواجه مني .. لماذا ؟ لأني سمراء ! .. وأنا حالياً أعمل في إحدى الجهات وأذهب إلى عملي أحياناً وأوقع في دفتر الحضور ثم بعد قليل أجد توقيعي مشطوباً عليه كأني لم أعمل ولم أحضر ، لقد ضقت بمن دمروني وأنا طفلة وبمن يحاولون تدميري وأنا شابة فوجدت راحتي في الانتقام منهم وفي التلذذ بأي شر يصيب أي إنسان سواء أعرفه أو لا أعرفه ، وإذا كنت أعرفه كانت فرحتي أكبر فإذا سمعت مثلاً أن شخصاً قد انتحر فرحت وإذا قُتل إنسان سعدت وإذا سمعت عن فسخ خطبة تكون ليلة سعيدة في حياتي حتى سفاح المهندسين فرحت به وقرأت عن جريمته الوحشية بسعادة ! أما خراب بيوت من عذبوني وأنا طفلة .. ومن أتعامل معهم فلقد أصبح هوايتي ووسيلتي إلى ذلك هو التليفون اللعين وقد بدأت بكل الأطفال الذين عذبوني زمان فعاكست آباءهم وأمهاتهم وعاكست زوجاتهم وعاكستهم جميعاً وألفت قصصاً وحكايات عن الخيانة الزوجية ورويتها للزوجات والأزواج في التليفون .. ودمرت بيوتاً كثيرة ، وبعد قليل أسمع أصوات الشجار في شقة الجارة القديمة ثم أراها تغادر بيتها غضبى إلى بيت أهلها فألتقي بزوجها وأخرج معه على أساس أني أسعى للصلح بينه وبينها فأقول له في سياق الكلام وكأني أدافع عن زوجته : صحيح أن زوجتك أخطأت منذ فترة لكنها تابت عن خطئها وعرفت ربها الآن والحمد لله . فيجن جنون الرجل ويوقع الطلاق بزوجته ويرقص قلبي طرباً ، أما من ليس عندها تليفون من زميلات الطفولة اللاتي اشتركن في تعذيبي ففي الخطابات الكفاية لكي ألاحقها وألاحق زوجها بها إلى أن أقضي على راحتهم جميعاً وأنتقم لنفسي من عذاب الطفولة ، إنني لا أعرف لماذا أعيش .. ولا لماذا خلقنا الله كبنات لكي نعيش تعيسات ولا لماذا كانت معاملة أمي لي بهذه القسوة ولماذا يعاملني الناس بجفاء ويحاولون تدميري ؟

لقد كنت أعمل في إحدى الجهات الحكومية قبل عملي الحالي وكانت لي زميلة فدمرت حياتها عن طريق التليفون وعرفت أنني المسئولة فقاطعتني وقاطعني كل الزملاء واضطررت لترك العمل إلى مكان آخر فلماذا يعاملني الناس هكذا ؟ .. لقد فكرت في الانتحار لكني تراجعت حتى لا أموت كافرة ! ولا أعرف الآن ماذا أفعل وهل لوني الأسود هو الذي جعلني مجرمة أم طفولتي التعيسة .. أم شبابي الذي يموت كل يوم ؟! أرجو أن تدلني كيف أتوقف عن الانتقام لأني أصبحت كالقاتلة سواء بسواء .

 

ولكاتبة هذه الرسالة البشعة أقول :

ولماذا تخشين الكفر حين تفكرين في الانتحار ؟ هل يختلف ما تفعلينه الآن كثيراً عنه ؟ إنك تدمرين الأسر المطمئنة .. وتحاسبين وأنت في سن الرشد رجالاً ونساءً عن تصرفاتهم وهم في سن الطفولة غير الواعية وترمين المحصنات الغافلات المؤمنات في شرفهن وراميهن ملعون في الدنيا والآخرة كما ينبئنا القرآن الكريم .. وتسعدين بطلاقهن وتشتت أطفالهن . أليس هذا

هو الكفر بعينه ؟ وهل يختلف عقابه عن عقاب الكافر بربه وآلائه ؟ إنني لا أزين لك الانتحار وحاشاي أن أفعل وإنما أرد فقط على دعوى مخاوفك من الكفر بأنها دعوى غير مقنعة مع ما تمارسين من خطايا ترقى إلى مستواه . وأؤكد لك إنك لم تفكري جدياً في الانتحار ولن تفعلي لأن انحرافك النفسي ليس من الانحرافات التي تقود إليه .. فهو انحراف نفسي عدائي للمجتمع وللغير وليس موجهاً ضد النفس كبعض حالات الاكتئاب أو الإدمان وغيرهما وإنما هو من نوع انحراف مدمن السرقة والقاتل المحترف والسادي الذي يتلذذ بإيلام الآخرين وتعذيبهم . فإذا كان الأمر كذلك فأبشري بطول سلامة .. وطول سعادة إجرامية بخراب البيوت وتحطيم القلوب والنفوس .. وبطول وحدة وانعزال نفسي وعملي عن البشر حتى آخر العمر إن لم تسارعي بإنقاذ نفسك من هذا المصير بطلب العلاج النفسي من نوازعك الانتقامية هذه . وهي حالة معروفة لدى أطباء النفس وقابلة للعلاج وأستطيع مساعدتك في هذا الأمر إذا أردت فإذا رغبت في العلاج حقاً وبكل السرية المطلوبة فتفضلي بالاتصال بي ، وإلى أن يتم ذلك أرجو أن أوضح لك أن ذكريات طفولتك المريرة ليست مبرراً كافياً لإيذاء الآخرين والسعي لنسف حياتهم وسعادتهم .. فكثيرون هم من عاشوا طفولة غير سعيدة فلم تخلق ذكرياتها في نفوسهم كل هذه الرغبة الضارية في إيلام الآخرين .. كما أن لون بشرتك ليس أيضاً مبرراً مقبولاً لهذا السواد النفسي الذي يتكثف داخلك ضد البشر جميعاً . نأتي إذاً إلى النقطة الجوهرية .. وهي عدم زواجك وتجمع ذكريات الطفولة المريرة مع إحساسك المغالى فيه باليأس من الزواج لأسباب مختلفة ليس أهمها اللون ، ليثير مشاعرك ضد من نعموا بالزواج أو الارتباط قبلك فيدفعك ذلك وتحت ستار الانتقام ممن آذوك في طفولتك لإفساد زيجات من تعرفين .. بمنطق عليَّ وعلى الجميع ..

 

وهو منطق شرير ولا يقربك أبداً من أملك في الاستقرار والحياة الطبيعية ، لأن لكل إنسان نصيبه في الحياة وليس من العدل أن يحاسب من تأخر حظه فيها الآخرين بحظوظهم منها ما داموا لم يغتصبوا منه حقاً ولم يعترضوا طريق سعادته . 

أما حكاية اللون .. فهي قصة ثانوية لا يتوقف المرء أمامها طويلاً إذا اقتنع بشخصية الطرف الآخر وخلقه وروحه الطيبة وسجاياه .. ومشكلتك هي أنك قد لبست السواد تحت جلدك وكرهت البشر ونفرت منهم وآذيتهم فلا عجب إذاً أن يبادلوك نفوراً بنفور . 

 

فطهري قلبك وأعماقك أولاً من سوادهما تتفتح لك قلوب البشر المغلقة في وجهك . ولا تحاسبي الحياة بأسرها بما صنعه معك بضعة أطفال صغار أو شاب لم يحبك فاعتذر عن الارتباط بك بذلك العذر الواهي ، أو أمٍّ أخطأت الطريق القويم للتعامل معك في طفولتك ، تخففين بذلك عن نفسك ما حكمت به عليها من اغتراب وانفصال وتلتحمين بالحياة وتتبادلين مع الآخرين دفء المشاعر والصلات الإنسانية . فتنفرين تلقائياً من الخرائب التي  لا يسعد بها إلا البوم.

رابط رسالة الأرض الجديدة لكاتبة نفس الرسالة

رابط رسالة نهر السعادة والشقاء تعقيب أحد القراء على هذه الرسالة 

نشرت في جريدة الأهرام باب بريد الجمعة يونيو سنة 1991

راجعها وأعدها للنشر/ نيفـين علي 

Neveen Ali
Neveen Ali
كل ما تقدمه يعود إليك فاملأ كأسك اليوم بما تريد أن تشربه غداً
تعليقات