اللقاء الخاطف .. رسالة من بريد الجمعة عام 1994
لاحظت خلال متابعتي لبريد الجمعة الذي أقرأه بانتظام منذ سنوات , أنه قد نشر خلال الفترة الأخيرة رسائل كثيرة لسيدات ظلمهن الرجال وقسوا عليهن . فقررت أن أحكي لك قصتي لعل فيها ما يفيد بعض صاحبات هذه الرسايل أو غيرهن من القراء.
فأنا رجل في منتصف الأربعينات من العمر من أسرة طيبة .. تخرجت في احدى الجامعات المصرية وعملت في احدى دول الخليج وحققت نجاحا عمليا كبيرا فيها حتى عملت مديرا عاما بأكبر شركة للمعدات الهندسية في هذه الدولة .. وحقق لي عملي كثيرا مما تمنيته لنفسي, فسافرت في مهام عمل عديدة إلى دول أوروبا وأمريكا وزرت عددا كبيرا من المعارض الهندسية في أنحاء العالم .. ثم بعد سنوات من النجاح والعمل توقفت لأعيد تقييم حياتي فوجدت نفسي رغم نجاحي في عملي وأحوالي المادية الميسورة , أعيش وحيدا في هذه الدولة الخليجية وقد شغلني سفري إلى الخارج وكفاحي لإثبات ذاتي عن الاهتمام بالحب والزواج .. فلم أفعل كما فعل زملائي بالكلية ولم أرتبط باحدى زميلاتي في الدراسة , ثم أبدأ معها بعد التخرج رحلة الكفاح والتعاون لبناء بيت صغير ندفع معا أقساطه لسنوات بعد الزواج , بل وضعت نصب عيني السفر والنجاح في الخارج .. فلم أحافظ على صلاتي بزميلات الدفعة أو فتيات الأسرة اللاتي كن في سن الزواج وكرست جهدي للسفر والعمل والنجاح .. ووجدتني قد حققت كل ذلك لكن وطأة الوحدة ثقيلة علي في غربتي , والليل أشد قسوة منها , فتساءلت لماذا لم أفكر من قبل في الزواج ؟ .. وبعد أيام دخلت أحد المحلات التجارية فالتقيت فيها صدفة بفتاة من بنات بلدي جاءت إلى البلد الخليجي لزيارة أمها المقيمة فيها .. وتعارفنا سريعا وعرفت من حديثها أنها جاءت لهذا البلد لكي تطلب من أمها نقودا تعينها على السفر إلى أوروبا لدراسة الماجستير والدكتوراه هناك , وأدركت من ملاحظتي لها أنها شديدة الطموح , وفكرت في أنها ربما تكون الزوجة الصالحة التي تشاركني حياتي وترعى أطفالي منها .. فهي جميلة ومثقفة وواثقة من نفسها , وكل ذلك يناسبني ويرضيني . فعرضت عليها الزواج , وفوجئت بها ترفضه مؤكده لي أنها تتمني لو أصبحنا صديقين نتبادل الصداقة والاحترام، لأن الصداقة تدوم في حين أن الزواج قد لا يدوم .. وقد تناقشت معها كثيرا في أن هذا المفهوم لا يتناسب مع تعاليم ديننا وتقاليدنا الشرقية .. فوافقت أخيرا على قبول الزواج مني ولكن بشرط أن أساعدها في تحقيق أمنيتها الأساسية في الحياة وهي الحصول على الماجستير والدكتوراه من أوروبا .. وقبلت ذلك ورحبت به فكل ما يسعد شريكة الحياة ينبغي أن يسعدني وينعكس علي بالسعادة في حياتي .. وحزمت أمري وقررت الارتباط بها , ولم ألتق بأي فرد من أفراد أسرتها .. وإنما طلبت يدها من أمها المقيمة في هذا البلد الخليجي , وتم الزواج بعد فترة وسافرنا إلى أوروبا في رحلة شهر العسل ورجعنا منها إلى مقر عملي سعيدين .. وأفرغت في زوجتي الشابة كل حنيني القديم إلى الحب والحياة العائلية الهانئة التي حرمت منها طوال سنوات الغربة .. وعاملتها بالطريقة الوحيدة التي لا أعرف غيرها لمعاملة الآخرين , وهي الاحترام والرقة والحرص على المشاعر وخاصة من أحببتها وسكنت إليها وتفهمت ظروفها , وجعلت من نفسي الأب والزوج والشقيق لها .. ولم أرفض لها طلبا طلبته مني مهما عز علي تحقيقه .. ومضت الحياة بيننا على ما يرام ثم بدأت أتطلع بعد شهور إلى تحقيق حلمي الآخر وهو الأبوة .. وطلبت ذلك منها فأبته علي لأنها لم تحقق بعد حلمها في الماجستير والدكتوراه .. وبعد نقاش ورجاء أكثر من مرة وافقت ولكن بشروط محددة وغريبة .. هي أن تسافر قبل وضع الطفل الأول إلى احدى الدول الأوروبية لولادة طفلنا فيها ليحصل تلقائيا على جنسية هذه الدولة , وأن تسافر قبل وضع الطفل الثاني إلى أمريكا لولادته هناك ليحصل على الجنسية الأمريكية كذلك !
ولم أجد مفرا من قبول هذه الشروط الغريبة .. وحملت زوجتي بالفعل وفي شهرها الخامس منه كلفتني الشركة التي أعمل بها فجأة بالسفر مع بعض مديريها في مهمة عمل للخارج .. وأبلغت زوجتي بذلك فإذا بها تصرخ وتبكي وتخيرني بين طلاقها وبين اصطحابها معي في هذه الرحلة .. ولم أكن أقوى على هذا ولا ذاك .. ولم تشفع لي عندها محاولاتي لاقناعها باستحالة اصطحابي لها في هذه الرحلة على عكس ما أفعل في الرحلات الأخرى ولم تتنازل عن طلبها إلا بعد أن اتصلت بشركة سياحة صغيرة وكلفتها بترتيب رحلة لزوجتي إلى تونس والمغرب خلال فترة سفري .. فهدأت زوجتي أخيرا ورضيت بعض الشئ !
وسافرت في رحلتي وعدت من الرحلة فإذا بها تخبرني بأنها قد أجهضت نفسها عمدا خلال غيابي "عقابا لي" على سفري وحدى وتركها ورائي في ذلك البلد !
وامتقع وجهى بشدة وقبل أن أسألها كيف جرؤت على ذلك لاحقتني بقولها أنها قد أسفت كثيرا لما فعلت وندمت عليه وأحست بحزن شديد حين دفنت جنينها وكان كبير الحجم .. وذكرا !
وآلمني ما فعلته زوجتي كثيرا .. وراودتني فكرة أن أسعى لمعرفة اسم هذا الطبيب المجرم الذي قام بعملية الاجهاض وأبلغ الشرطة ضده وأنتقم منه .. ومنها .. لكن سرعان ما هدأت الأفكار والخواطر وسلمت بيني وبين نفسي أنني لا أقدر على إيلامها مهما فعلت .. فسلمتها الهدايا التي أحضرتها لها من أوروبا .. وسلمت أمري إلى الله.
ومضت الشهور وحملت زوجتي مرة أخرى .. وذكرتني قبل اقتراب موعد الولادة بشرطها الهام وهو أن تضع مولودها في الدول الأوروبية التي تريد جنسيتها لطفلها .. ونفذت وعدي وسافرت بها إلى هذه الدولة ووضعت مولودها بسلام هناك .. ورجعنا إلى حياتنا من جديد وبعد عام آخر حملت من جديد وذكرتني بشرطها الآخر فنفذته طائعا وسافرت بها إلى أمريكا لتضع مولودها هناك وبعد فترة قصيرة من رجوعنا إلى البلد الذي أعمل به .. بدأت تطالبني بتنفيذ شرطها القديم في مساعدتها على الحصول على الماجستير والدكتوراه من أوروبا .. ورغم وجود الطفلين الصغيرين فقد لبيت لها رغبتها وساعدتها في ذلك , وسافرت هي إلى لندن لاعداد الماجستير واستقدمت أنا مربية أسيوية لرعاية الطفلين خلال سفرها .. ومهما وصفت لك ما عاناه الطفلان من معاملة هذه المربية الوحشية لهما فلن أستطيع .. فقد كانت تطردهما أحيانا خارج البيت وتعضهما بوحشية لكي يناما .. وتحملت أنا رعاية الطفلين بصبر حتى حصلت زوجتي على الماجستير ورجعت إلى حياتنا وبدأت تستعد للدكتوراه فأحضرت لها سيدة مثقفة تجيد الكتابة بالانجليزية على الآلة الكاتبة لتكتب لها رسالتها ولاحظت أن زوجتي في هذه الفترة قد أعتراها نوع غريب من الغرور فأصبحت تتعامل مع الجميع بتعال كبير وترفض أن نزور أحدا من الأهل أو الأصدقاء .. وترى أنهم يجب أن يزورونا هم ولا نزورهم نحن , فكانت النتيجة أن أنقطع عنا الأهل والأصدقاء , ولم يعد يزورنا أحد منهم .
ثم حدث تطور هام في حياتنا هو حرب الخليج التي اضطرتنا للعودة إلى مصر بعد فقدي لعملي وامتيازاته الكثيرة , ولم تكن ظروفنا بعد العودة شديد القسوة فقد كانت لي في العاصمة شقة تمليك ممتازة وسيارة .. وبعض المدخرات لكن توقف نهر الايراد المنتظم كان لابد أن يفرض علينا نوعا من الاعتدال في انفاقنا حتى لا تنضب المدخرات ونواجه المجهول .. وكان هذا هو حال معظم العائدين لكن زوجتي بدأت تضيق بهذه الظروف المادية الجديدة ضيقا شديدا ولا تصبر على أية معاناة .. ثم طلبت مني أن أكتب لها شقتي التي نعيش فيها باسمها لكي تتخفف من قلقها بشأن المستقبل كما قالت لي , فلبيت لها طلبها ونقلت ملكية الشقة باسمها , ثم طلبت أيضا نقل ملكية السيارة إليها فلبيت لها طلبها .. ولم تتخفف بعد من قلقها ومخاوفها , ثم بدأت زوجتي بعد ذلك بفترة قصيرة تسئ معاملتي أنا والأطفال بشكل مستمر وغريب .. وبدأ الصراخ وتكسير الأشياء وضرب الأولاد إلى حد اصابتهم بجروح , والمطالبة باحضار نقود من أي مكان لأنها لا دخل لها بحرب الخليج ولا ما ترتب عليها من أضرار! ثم بدأت زوجتي أيضا تمتنع عني كزوج إلا إذا لبيت لها مطالبها المادية وتكدرت الحياة في بيتنا كدرا شديدا , ثم خرجت ذات يوم إلى بعض شئوني ورجعت إلى البيت فإذا بالبواب يقابلني عند مدخل العمارة التي نقيم بها ويقول لي في حياء وخجل واضحين أن لديه شيئا يخصني في غرفته ويريد أن يسلمه لي .. وأسأله عن هذا الشئ فإذا به حقيبة تحوي ملابسي وأشيائي الخاصة أودعتها زوجتي لديه ليسلمها لي عند الحضور وطالبة منه ابلاغي بأنها قد غيرت "كالون" الباب ولن تسمح لي بدخول"شقتها" مرة أخرى ! ولن أنسى ما حييت ما أحسست به من خجل ولا انكسار ومهانة تجاه هذا البواب وهو يبلغني بذلك .. ولولا حيائي منه لأفرجت عن دمعي الحبيس وأنا أرى هذه السيدة التي أحببتها بكل ما في أعماقي من مشاعر ورعيتها كما يرعى الأب طفله وساعدتها في حياتها .. ترضى لي بهذه المهانة العلنية وتحول بيني وبين دخول شقتي ورؤية أطفالي بهذا الشكل المزري .. وبعد لحظات من الجمود والانكسار تحركت وأنا لا أشعر بما حولي ولا بالبواب الذي يحاول التخفيف عني قائلا في ألم : معلش يا أستاذ بكره النفوس تهدأ ويعود كل شئ إلى مجراه .. وغادرت البيت إلى قسم الشرطة لأثبت واقعة منعي من دخول مسكني , ثم توجهت بحقيبتي إلى فندق صغير ونزلت به .. متجنبا الاقامة في بيوت الأهل والأقارب تكتما الفضيحة في بدايتها .. ثم أقمت دعوى عاجلة أمام القضاء لتمكيني من دخول مسكني فرفضت المحكمة الدعوى بعد عدة جلسات باعتبار أن الشقة ملكها الخاص وشكوت أمري إلى السيد المحامي العام فوافق على تمكيني من دخول الشقة ولكن عن طريق القوة الجبرية والشرطة إلى حين الفصل في الاستئناف ورفضت أنا هذا الحل اشفاقا على أبنائي من أن يروا أباهم يدخل بيته في حراسة الشرطة .. وفي الاستئناف تم الحكم أيضا لصالح زوجتي إعمالا لأحكام الشريعة التي تقضي بأنه إذا كان المسكن ملكا للزوجة فمن حقها أن تستضيف زوجها فيه أو لا تستضيفه .. والأوراق الرسمية تثبت أن المسكن ملكها وليس ملكي وقد رفضت زوجتي سامحها الله استضافتي في "مسكنها" بل وأقامت ضدي دعوى طلاق ونفقة .. وظللت أنا أتنقل بين الفنادق الصغيرة وأنفق على اقامتي فيها من عائد مدخراتي التي تناقصت إلى حد كبير .. أما زوجتي فقد عملت بالماجستير التي ساعدتها في الحصول عليه وأصبح لها كيان مستقل ولا تحتاج لي في شئ ..
ومضى حوالي عام وأنا أتنقل من فندق إلى فندق وقد رجعت بعد الزواج والحياة العائلية والانجاب إلى الوحدة القاتلة من جديد.
وتدخل بعض الأصدقاء والأقارب للصلح بيني وبينها حرصا على الأبناء الذين يمرون بمرحلة حرجة من أعمارهم .. وشجعت مسعاهم النبيل لأنه كانت لدي رغبة صادقة في انهاء كل المشاكل والقضايا والعودة لاستئناف الحياة بيننا .. وأبديت حسن نيتي تجاه زوجتي فدعوتها للاحتفال بعيد ميلادها واستضفتها مع الأبناء لمدة يوم كامل في أحد الفنادق الكبرى وأغدقت عليها بهدايا الملابس والعطور وغيرهما .. ومضى الوقت طيبا فإذا بها في نهاية اليوم تقول لي وهي تنصرف مع الأبناء لا تعتقد أن ما فعلت معي اليوم سيدفعني للتنازل عن القضايا !
فما أن سمعت منها هذه العبارة حتى أحسست بأنني قد كرهت الحياة معها كراهية شديدة ولم أعد راغبا بالمرة في استئنافها من جديد حتى ولو تنازلت عن كل القضايا ! وقلت فيما بيني وبين نفسي حسبي الله ونعم الوكيل فيما قدمت لها وفيما فعلت بي بعد كل هذه السنين .
ومنذ ذلك اليوم يا سيدي وأنا أفكر في حياتي ومستقبلي فأراني في حاجة إلى إنسانة أخرى تشاركني اهتماماتي الصغيرة ونخرج معا للنزهة من حين لآخر وكل منا يتعلق بالآخر ويحرص عليه , وأخرج أنا وحدى لأبحث لها عن هدية مناسبة تسعد بها حين تراها وتشكرني عليها بكلمات رقيقة .. وأصطحبها إلى المحلات التجارية لتشاركني اختيار ملابسي فتقول لي هذا يليق بك وهذا لا يليق .. إلخ .
وأجدني قبل كل ذلك وبعده أبحث عن الحب الذي حرمت منه رغم أن في قلبي منه الكثير , وسوف يتدفق من جديد على الفور حين يجد الانسانة الطيبة التي تحمل قلبا حنونا ونفسا عطوفة ..
ولقد فكرت طويلا في أمرى فوجدت أن أكثر من تناسبني من النساء , هي سيدة مطلقة من زوج قاس كان يعاملها بقسوة وجفاء , فأعوضها أنا بمعاملتي الطيبة لها عما لاقت من حياتها من انكار وسوء معاملة .. وتعوضني هي عما لاقيت من حياتي من تنكر وجحود لمشاعري وعطائي النفسي والمادي .. فما رأيك في كل ذلك يا سيدي .. وهل توافقني عليه ؟
جميع الحقوق محفوظة لمدونة "من الأدب الإنساني لعبد الوهاب مطاوع"
abdelwahabmetawe.blogspot.com
ولـكــاتــب هـــذه الـــرســـالـــة أقــــول:
أصدق يا سيدي أنك رغم سعيك السابق للعودة لزوجتك بعد كل ما صنعت بك واستعدادك حتى وقت قريب لأن تنسى لها كل الاساءات حتى مهانة حقيبة الملابس المودعة لدى البواب .. ورفضها استضافتك في "مسكنها" أصدق أنك قد كرهت فجأة الحياة معها كراهية شديدة ولم تعد راغبا الآن في استئنافها معها حتى ولو تنازلت لك عن كل قضايا ضدك !
نعم أصدق ذلك رغم أنه قد جاء متأخرا جدا .. وعقب تصرف صغير لا تقاس به الاساءات والأهوال السابقة الكبرى السابقة .. فنحن كبشر قد نتحمل الجفاء والاساءة المتكررة ممن نحب لفترة طويلة نكون خلالها على استعداد دائما للصفح عنهم والعودة إلى الصفاء معهم إذا تغيرت معاملتهم لنا .. حتى ليظن هؤلاء أنهم مهما فعلوا بنا فلن يجدوا لدينا إلا الصفح والنسيان وترقب لحظة الصفاء ويجهلون وقد نجهل نحن أيضا معهم في بعض الأحيان أنه تجري في أعماقنا تحت السطح تفاعلات وتغيرات شعورية تتراكم شيئا فشيئا مع كل اساءة جديدة منهم لنا فتنقص بغير أن نشعر أحيانا من رصيدهم لدينا .. ومن ضعفنا المؤلم معهم حتى ليفاجأوا ذات يوم وهم يتعاملون معنا بنفس الثقة في تسلطهم علينا ونفس الاطمئنان الغافل إلى استعدادنا للتجاوز عن كل اساءاتهم بأن تصرفهم الصغير الأخير قد هتك فجأة آخر خيوط الحب في نفوسنا فانقطعت .. فاذا بنا وقد تحررنا من انكسارنا السابق أمامهم .. وإذا بإرادتنا "الوضعية" على حد تعبير الأديب الفرنسي مارسيل بروست التي كانت تراغمنا دائما على العودة إليهم ضد نداء العقل ونداء كرامتنا الشخصية .. إذا بهذه الإرادة الوضعية قد تحررت من "وضاعتها" ومن قيودها فجأة فاتاحت لنا أن نرى هؤلاء الذين قد تحملنا منهم الاساءة طويلا على حقيقتهم فإذا بهم قساة .. أنانيون .. ظالمون .. لا يستحقون منا ما حملناه لهم صادقين من حب عظيم ولا ما قدمناه لهم بنفس راضية من عطاء وتضحيات فنتعامل معهم ربما لأول مرة من موقف الكرامة .. والمساواة .. والنظرة المتجردة من الضعف وليس من موقف الحاجة إليهم .. والخنوع بين أيديهم والاستعداد اللانهائي للصفح عنهم !
أصدق لحظة "العتق" هذه التي تتحرر فيها الإرادة الوضيعة من وضاعتها حتى ولو بقيت في القلب آثاره من الحب القديم قد تظل كامنة لفترة تهتف بنا من حين إلى آخر لنتنازل من جديد لكنها قد وهنت فلم تعد تملك القدرة على استرقاق إرادتنا مع من نحب كما كانت تفعل قبل حين , ولا على مراغمتنا للسعي إليهم من جديد.
ودعني أحدثك بصراحة يا صديقي وبلا أدنى حرج لأن مصارحة النفس بالحقائق المجردة مهما كانت مؤلمة هي الطريق الأوحد لعلاج الأخطاء .. لقد كان اختيارك لهذه السيدة إذ صح كل ما رويته لي عنها بلا أي تحامل عليها خطأ كبيرا منذ البداية .. فلقد عرضت عليها الزواج ولم تلتق بها إلا منذ قليل , ولم تتوافر لك أية فرصة لدراسة شخصيتها وأفكارها وخلفيتها الأسرية والاجتماعية والقيم السائدة في وسطها العائلي لتحكم عليها حكما صادقا قبل اختيارك النهائي لها .. وتعجلت الارتباط بها وزواجها لأنك قد وقعت في غرامها من الوهلة الأولى كما قد يتصور البعض .. وإنما لأنها أساسا قد صادفتك وأنت أشد ما تكون في حاجة إلى الزواج والارتباط بإنسانة تشاركك حياتك ووحدتك .
ومن مفارقات الحياة العجيبة التي كثيرا ما تنجم عنها مآس عديدة هو أن الإنسان قد لا يتزوج أحيانا من أحبها حبا حقيقيا ليس لأنه لا يرغبها وإنما فقط لأنه قد التقى بها في مرحلة من العمر لم يكن مؤهلا فيها نفسيا ولا ماديا للزواج فيشيح بوجهه عنها وقد تكون أفضل الفتيات بالنسبة إليه وقد يتزوج بأخرى لم يحبها حبا حقيقيا أو لم يحبها نهائيا لا لشئ إلا لأنه قد التقى بها وهو قادر على الزواج ماديا ونفسيا ويحتاج إليه بشدة .. فيرتبط بها وقد تكون أسوأ الاختيارات التي اتيحت له من قبل .. وهذا في تقديري ما حدث معك في قصتك مع هذه السيدة , فلقد التقيت بها وأنت في حاجة ملحة للزواج .. فتعجلت الارتباط بها وتجاهلت اشارات تحذيرية خطيرة كانت كفيلة بأنها تنبهك بقوة إلى الخطر الوشيك .. لولا أنك كنت في أضعف حالاتك النفسية وأكثرها طلبا للزواج.
فإشارة تفضيل الصداقة الدائمة على الزواج الذي قد لا يدوم كانت كفيلة وحدها بالحكم على أشياء كثيرة في تفكيرها وشخصيتها وشروطها للزواج على أساس المساعدة المادية والمعنوية في الحصول على الماجستير والدكتوراه ثم شروطها العجيبة والتي لم أسمع بمثلها من قبل للانجاب بشرط ولادة أبنائها في أنحاء متفرقة من الكرة الأرضية , هذه الشروط وحدها كانت كفيلة بأن تنبهك إلى أنك إنما تتعامل يا صديقي مع عقل حاسب وليس مع قلب امرأة أو مشاعرها .. والعقول الحاسبة لا تفهم لغة المشاعر والتضحيات وإنما لغة الأرقام والحسابات والعلامات الجبرية وحدها .. لهذا فقد توالت المطالب عليك بنقل ملكية الشقة والسيارة باسمها .. وأيضا بالسفر معك في كل رحلة حتى لتقتل جنينها عقابا لك على عجزك عن اصطحابها معك في رحلة لأوروبا وليس على رفضك لذلك .. وأنت في كل الظروف والأحوال في ظروف جريمة الاجهاض البشعة هذه لا تقوى على ايلامها ولا على رفض أي مطلب لها , ولا بأس برقة المشاعر وبكراهية إيلام الآخرين لكن الكارثة هي أن من لا نقوى نحن على ايلامهم بالحق والعدل لا يتورعون لحظة عن إيلامنا بالغدر والباطل .. فكيف نستطيع أن نتعامل مع أمثال هؤلاء ولا نهاية لطريق التفريط إلا الخسارة الشاملة المفجعة التي تنتظرنا قرب علامة النهاية ؟!
إن من المؤسف حقا هو أن نجد أنفسنا مضطرين للحديث مع هذه السيدة ومثيلاتها لا عن المعاني السامية كالوفاء .. والعرفان .. والتضحية من أجل الأبناء كما ينبغي أن نفعل في مثل هذه الظروف , وإنما فقط عن "أدب الخلاف" كحد أدنى في التعامل مع شركاء الحياة كانت تفرضة العشرة الطيبة والعطاء السابق لهن وحق الأبناء عليهن .. ويبدو أننا نحتاج في كثيرمن الأحيان لأن نتعلم الدرس الذي يلقيه علينا الأديب الروسي العظيم أنطون تشيكوف في قصته الجميلة "الأعداء" على لسان احدى شخصياتها حين يقول :
* دربوا أنفسكم على الخلافات النبيلة !
نعم والله على الخلافات النبيلة .. إذا كنا عاجزين حقا عن أن نتدرب على العدل والرحمة والانصاف والتضحية من أجل الأبناء .. إذ ماذا لو كانت زوجتك هذه قد أنكرت عليك شيئا لا تقبله أو كانت حتى لم تحبك "وهي على أية حال لم تفعل للأسف" ولم تعد تطيق عشرتك .. فقررت الانفصال عنك بشرف وصارحتك برغبتها في عدم مواصلة الحياة معك أكثر من ذلك , ثم تفاهمت معك على الانفصال برفق وبما لا يجردك نهائيا من ثمرة شقاء السنين في الغربة .. وبحثت معك ولو كصديقين وهي التي كانت تفضل الصداقة على الزواج , كيفية تدبير مكان لاقامتك بعد مغادرة "شقتها" .. وأعادت إليك سيارتك وشجعتك على دفع مقدم شقة أخرى صغيرة بثمنها .. نعم ماذا لو كانت قد فعلت ذلك على نحو أو آخر ثم انفصل كل منكما عن الآخر بهدوء وبقى الأبناء تحت رعايتها مع استمرار صلتك بهم وفي اطار من الاحترام المتبادل بينكما ؟
أكنت ستقاوم رغبتها في الطلاق وتتمسك بها رغما عن ارادتها حتى النهاية؟
إنك لو فعلت ذلك لاستحققت "عفوا" كل ما ينالك منها ومن جحودها وانكارها .. لكنك لم تكن لتفعل ذلك غالبا ولم تكن لتتمسك بمن تنكرت لك بغير تغير أحوالك المادية أو حتى لأية أسباب أخرى تراها فيك .. وهذا هو جوهر ما أعنيه "بالخلافات النبيلة" .. فنحن لا نرغم أحدا على استمرار معاشرته لمن لا يطيق عشرته أو على التضحية من أجل أبنائه وتفضيل مصلحتهم على سعادته الشخصية واعتباراته الخاصة .. لكننا نطالب فقط من لا يريد التضحية من أجل أبنائه بأن يختلف مع شريك حياته بشرف ويترفع عن الغدر به والاساءة إليه واغتصاب حقوقه .. ثم فليفعل بحياته الخاصة ما يشاء بعد ذلك .. فهل هذا كثير؟
إنني أنصحك بأن تحاول التفاهم معها وديا على حل النزاعات والقضايا المثارة بينكما , وأن تتفاهم معها بهدوء على الطلاق والنفقة ورد حقوقك إليك أو بعضها إذا كانت غير قادرة على ردها كلها , فإذا لم ترد لك شيئا منها وهذا ما أتوقعه غالبا فسلم أمرك فيها إلى خالقك لأنك أنت في النهاية من منحها كل شئ بإرادتك وبغير احتراس لتقلبات الزمن .. وتعفف عن منازعتها في ساحات القضاء لا حرصا عليها بل حرصا على أبنائك منها .. ثم اجلس على حافة نهر الحياة وأرقبها عن بعد وهي تعيش في شقتك وتركب سيارتك المغتصبتين ولا تبتئس .. بل انتظر فقط وسوف ترى فيها "ثأرك" طال الزمن أو قصر .. فالله سبحانه وتعالى قد حرم الظلم على نفسه وجعله بين عباده محرما .. فمن أجترأ على ظلم الآخرين واغتصب حقوقهم لابد من يوم قريب يرى فيه ضحيته ثأره فيه ويهتف مع الحق سبحانه وتعالى قائلا : "فانظر كيف كان عاقبة الظالمين" صدق الله العظيم .
أما ما تسألني عنه بعد ذلك من هل أوافقك على احتياجك الآن للزواج من انسانة أخرى عطوف تشاركك اهتماماتك الصغيرة .. فموافقتي لك على ذلك بلا حدود , وأما تفكيرك في الارتباط بمطلقة قاست من سوء معاملة زوجها السابق وظلمه لها لكي تعوضها عما لاقت بمعاملتك الطيبة لها وتعوضك هي عما لاقيت أنت من جحود وانكار .. فرأيي دائما أن أفضل الزواج هو الذي يقدم حلا عادلا لمشكلة الطرفين معا وليس لمشكلة أحدهما على حساب الطرف الآخر .. لهذا فتأييدي لك في ذلك بلا حدود أيضا إذ ليس هناك من هو أقدر على تقدير المعاملة العادلة والطيبة حق قدرها ممن عانى سوء العشرة وقاسى ظلم العشير ..
ومن حق الإنسان بعد أن يبحر طويلا في بحر الشقاء والجحود والانكار أن ترسو سفينته في النهاية ولو لبضع سنين قبل ختام الرحلة في مرفأ الراحة والحنان والرحمة والعدل .. والكرامة الانسانية ..
نعم من حقه ذلك بكل تأكيد .. فلا تتردد.
نشرت في جريدة الأهرام "باب بريد الجمعة" ديسمبر 1994
كتابة النص من مصدره / بسنت محمود
راجعها وأعدها للنشر / نيفين علي

برجاء عدم النسخ احتراما لمجهود فريق العمل في المدونة وكل من ينسخ يعرض صفحته للحذف بموجب حقوق النشر