العلامات المخيفة .. رسالة من بريد الجمعة عام 1995

 

العلامات المخيفة .. رسالة من بريد الجمعة عام 1995

العلامات المخيفة .. رسالة من بريد الجمعة عام 1995

 

أكتب إليك أملا أن تستطيع مساعدتي على أمري بما تراه ملائما .. ولك الأجر العظيم حتى ولو لم تملك لي سوى الكلمة الطيبة التي تحنو بها على المهمومين من قرائك .. فأنا رجل في الأربعين من عمري أعمل محاسبا نشأت في احدى قرى الجنوب وتلقيت تعليمي في مدارس محافظتي .. وتخرجت منذ عشرين عاما في كلية التجارة وعينت بوظيفة حكومية في عاصمة المحافظة التي أنتمي إليها . وكعادة بعض أهل الجنوب فقد كنت أعرف منذ صباي أنني سأتزوج ابنة عمي الذي يعمل ويقيم في القاهرة , وكانت هي أيضا تعرف ذلك منذ طفولتها , وأراها حين يعود العم إلى بلدتنا لزيارة أهله , وبعد أن تخرجت وعملت كانت ابنة عمي مازالت طفلة , فلم أشغل نفسي بأمر الزواج ولم أتطلع إلى أرتباط عاطفي بأخرى , وقررت أن ابني حياتي أولا لأكون قادرا على الزواج في الوقت المناسب .. وحصلت على فرصة عمل في إحدى الدول العربية .. فتقدمت بطلب إجازة بدون مرتب وسافرت للعمل وأمضيت 4 سنوات هناك , ثم عدت إلى عملي الأصلي واستقررت في القاهرة وحصلت على مسكن مناسب .. وتزوجت ابنة عمي وأنا في الثلاثين من عمري وهي في التاسعة عشرة من عمرها .. وسعدت معها ولم أشكو شيئا من حياتي معها .. فهي ابنة عمي وتعرفني جيدا وأعرفها .. وبعد عام من الزواج انجبت زوجتي طفلنا الأول .. لكن فرحتنا به لم تدم أكثر من ساعتين فقط توفاه الله إلى جواره بعدها .. فبكيت زوجتي حزنا عليه وتصبرت أنا ودعوت الله في صلاتي "اللهم أجرني في مصيبتي وأخلفني خيرا منها" ومضت حياتنا بعد ذلك عادية وبلا مشاكل .. وبعد عامين من الزواج تراءت لي فرصة أخرى للعمل في الخارج فلم أتردد في السعي إليها وحصلت على إجازة بدون مرتب وسافرت إلى نفس الدولة التي عملت فيها من قبل وبعد شهور لحقت بي زوجتي .. وفي غربتنا هناك أنجبت زوجتي طفلا آخرجميلا سعدنا به سعادة لا توصف .. ورأينا فيه تعويض السماء لنا عن الطفل الأول.

 وتقدم الطفل الرضيع في طفولته وهو في صحة جيدة فبدأ يحبو ثم يمشي .. ويتحرك ويملأ الدنيا ضجيجا ومرحا حولنا .. وذات يوم لاحظت هزة طفيفة في انسان عينه اليمنى .. مجرد هزة بسيطة لا يكاد يلاحظها أحد لكنها مستمرة فاستلفتت نظري وخشيت أن تكون عرضا لمرض من أمراض العيون وكان قد بلغ شهره العشرين فعرضته على طبيب كبير للعيون في المدينة التي أعمل بها فأجرى له الفحوص اللازمة وجاءت النتيجة سليمة ومطمئنة والحمد لله .. لكن اهتزاز انسان العين الطفيف استمر رغم ذلك وبصفة دائمة فأشار علي أساتذة العيون بعرضه على اساتذه المخ والاعصاب واستشارتهم في أمره , واسرعت به إليهم .. فتم اجراء كل الفحوص والاشعات اللازمة للمخ وجاءت النتيجة سليمة أيضا لكنه في خلال ذلك ومع طول فترة الفحوص والعلاج بدأت ألاحظ على ابني أنه يفقد قدرته على المشي شيئا فشيئا حتى عجز نهائيا وأصبح يحبو كالرضع .. ومع الأيام فقد أيضا قدرته على الحبو ثم فقد أيضا قدرته على الكلام .. وبدأت قدرته على الابصار تتراجع شيئا فشيئا حتى فقدها نهائيا .. ولم يعد يرى أو يتكلم أو يتحرك , والأطباء عاجزون عن علاجه أو تفسير ما يجري له وأنا وأمه يعتصرنا الألم له والعجز أمامه .. وفي شدة الضيق يتعلق الإنسان بأي أمل فلم أدع بابا لم أطرقه إلى جانب الطب والعلاج والفحوص العلمية فلم أسمع عن رجل من أهل الدين والفضل يعالج بالقرآن ولم أحمل إليه طفلي وطلبت منه أن يضع يده عليه ويقرأ عليه من آيات ربه ما قد يفرج عنه وعنا الكرب حتى ختمنا على رأسه القرآن أربع مرات ونحن مستمرون في العلاج مع الأطباء .

وخلال ذلك كنت قد أنهيت عملي وعدت إلى مصر وكانت زوجتي قد وضعت طفلنا الثاني ونشأ طبيعيا والحمد لله فأصبحنا نحمله معنا ونحن نطوف بشقيقه الموعود بالعذاب على الأطباء والشيوخ ومعامل التحاليل وبعد ثمانية شهور من ملاحظتي لحركة الاهتزاز اللعينة هذه في انسان عينه , اسلم طفلي "روحه البريئة إلى خالقها وعمره عامان وثلاثة شهور" وعمر شقيقه الرضيع أربعة شهور وبغير أن نعرف تشخيصا سليما لحالته أو أسباب وفاته.

وتصبرنا يا سيدي مرة أخرى وتحاملنا على أنفسنا وحاولنا أن ننسى فراق فلذة كبدنا .. وتشاغلنا عن الأحزان برعاية طفلنا الأخير .. وحمدنا الله أن قد جاء إلى الحياة قبل رحيل أخيه لكي يكون البلاء أخف وطأة , وضاعفت من رعايتي لطفلي الثالث .. وأكثرت من عرضه على الأطباء في مواعيد دورية للتأكد من سلامته وفي كل مرة يطمئنا الأطباء إلى أنه سليم من كل الوجوه والحمد لله .. ومضى طفلنا الأخير في أطوار طفولته الطبيعية .. فمشى في الوقت المناسب .. وتكلم في الموعد الطبيعي وتورد وجهه بدماء الصحة والعافية دائما ولفت جماله المبهر الأنظار, إلى أن كنت أداعبه بعد عودتي من عملي ذات يوم .. فإذا بي ألحظ عليه فجأة نفس تلك الهزة الطفيفة المخيفة في انسان عينه التي كانت بداية رحلة العذاب مع شقيقه الراحل فتملكني الرعب وتضاعف قلقي حين تنبهت إلى أني قد لاحظتها فيه وهو في شهره العشرين من عمره أي في نفس السن بالضبط التي لاحظتها فيه على أخيه فانتفض قلبي من الألم , وهرولت بابني إلى الأطباء .. وبدأنا الرحلة القاسية الجديدة من نفس البداية بأساتذة العيون وفحص قاع العين أربع مرات متتالية والنتيجة دائما لا شئ به , ومن أساتذة العيون انتقلنا إلى أساتذة المخ والأعصاب وأجرينا الفحوصات والأشعة المقطعية على المخ والشبكية وأعصاب العين الواصلة إلى المخ وتحاليل العوامل الوراثية والكبد ومختلف أنواع التحاليل الأخرى والنتائج كلها سليمة ولا شئ بها .. ومع ذلك فالهزة اللعينة التي لا يكاد يلاحظها أحد مستمرة تنبهنئ إلى سوء المصير.

وواصلنا السعي بين الأطباء بلا كلل وأصبح لا هم لي ولزوجتي سوى مراقبة طفلنا تحسبا لظهور العلامات المخيفة .. ولم يطل انتظارنا كثيرا للأسف فبعد قليل بدأت قدرته على المشئ تقل حتى فقدها نهائيا بعد أسابيع ثم بدأت قدرته على الحبو تختفي حتى اختفت نهائيا ثم فقد قدرته على الجلوس  والكلام والأكل والنوم إلخ فإذا كان قد اختلف في مصيره عن أخيه في شئ ففي أن العمر قد "طال" به أكثر قليلا حتى بلغ الرابعة وشهرين من عمره وأصبح الآن طفلا جميلا متخشب الأطراف لا يرى لكنه يسمع ويتعرف علي من صوتي حين أرجع من عملي فترتسم على وجهه شبه ابتسامة صغيرة حزينة ويصرخ لكي أحمله فأحمله عن أمه التي لا يفارق ذراعيها لحظة طوال صحوه .. وتتحرك به في كل مكان وهي تؤدي واجباتها المنزلية .. وهي تصلي وهي في الحمام لأنه لا يجلس ولا ينام ولا يكف عن الصراخ إذا تركته أما إذا أردنا أن ينام فلابد أن أضعه على حجري واهزه برفق ساعتين كاملتين حتى يأتيه النوم ويروح في سبات عميق .

لقد طفنا به على كبار الأطباء ورجال الدين مسلمين ومسيحين ممن يعالجون بالروحانيات .. وكثيرا ما انطلق مدفع الافطار وأنا وأمه نجوب به الشوارع ذاهبين إلى شيخ أو قسيس أو عائدين من عند أحدهما نفطر على بلحات في الطريق وندعو الله سبحانه وتعالى أن يتقبل صيامنا .. ويخفف عن طفلنا ويحفظه لنا ويشفيه من مرضه الذي لم نعرف له حتى الآن سرا ولا تفسيرا .. ولا علاجا.

 ولست أعترض على قضاء الله وقدره .. وحاشا لله أن أفعل لكني أتساءل فقط : أين الطب يا سيدي .. وأين التشخيص ؟ وأين النجدة ؟ إنني لو استطعت أن أدخل بنفسي داخل جسم طفلي لأعرف سبب مرضه وانزعه بيدي لفعلت .. لكن ماذا أفعل وأنا أرى ابني يتدهور يوما بعد يوم إلى مصيره المحتوم ولا أستطيع أن أقدم له شيئا ؟ لقد انفقت مدخرات غربتي لمدة تسع سنوات على علاج ابني الثاني .. وابني الثالث والأخير .. ولست أشكو من ذلك ولا أضيق به لكني أتساءل فقط ألا من ثغره جديدة للأمل عن طريق بابك الإنساني الذي يعالج هموم المهمومين وهل تستطيع أن تعينني على أمري في هذا الشأن ؟

جميع الحقوق محفوظة لمدونة "من الأدب الإنساني لعبد الوهاب مطاوع"

abdelwahabmetawe.blogspot.com

 

ولكــــاتــــب هــــذه الـرســــالــــة أقـــــول:

 

من الآلام ما تستحي الكلمات أحيانا من أن تحاول تخفيفها عمن يقاسيها فيصبح صمت التأثر العاجز أمامها أبلغ تعبير عن التعاطف والمشاركة من كل كلام ولاشك أن محنتك أنت وزوجتك من هذا النوع من الآلام التي تتضاءل أمامها كل معاناة ولا يملك من يقاسيها إلا لن يعتصم دائما بالأمل في رحمة ربه ويبتهل إليه كل حين بدعاء سيدنا أيوب في محنته.

"ربي أني مسني الضر وأنت أرحم الراحمين" فإذا كنت قد عجزت عن أن أخفف عنك بعض آلامك يا سيدي فاعذرني فلقد تستحي الكلمات أحيانا أمام بعض أنواع الشقاء وأذن لي بأن أستدير بكلماتي العاجزة هذه عنك لأتوجه بها إلى من قد يملكون حقا تخفيف بعض معاناتك فأناشد كبار الأطباء المختصين وكل من له سابق خبرة إنسانية بحالة مشابهة لحالة طفلك هذا , أن يتصل بي ويهديني بعلمه وخبرته إلى بداية خيط جديد من خيوط الأمل لانقاذه وشفائه مما يقاسيه .. وأؤكد لهم وللجميع أن بريد الأهرام سوف يتكفل بنفقات العلاج في مصر مهما طال , فإذا تطلب الأمر التماس أمل في مكان آخر فلعل السيد الدكتور على عبد الفتاح المخزنجي وزير الصحة وهو أب قبل أن يكون وزيرا , لعله لا يحرم طفلك من هذا الأمل ذات يوم إذا اقتضته الضرورة والشكر له مقدما .. والشكر لمن يسهم معه بعلمه ومشورته أيضا في علاج طفلك ويبقى الأمل دائما في عالم الأسرار علم اليقين .. أن يكشف الضر عن البائسين ويعيد إليهم بسمة الأمل في النجاة ذات يوم قريب .. أنه على كل شئ قدير.

 

نشرت في جريدة الأهرام "باب بريد الجمعة" فبراير 1995

كتابة النص من مصدره / بسنت محمود

راجعها وأعدها للنشر / نيفين علي

 

 

Neveen Ali
Neveen Ali
كل ما تقدمه يعود إليك فاملأ كأسك اليوم بما تريد أن تشربه غداً
تعليقات