اللوحة الناقصة .. رسالة من بريد الجمعة عام 1987
أنا يا سيدي شاب في التاسعة والعشرين من عمري اعمل محاسبا بإحدى شركات القطاع العام بالقاهرة .. عشت حياتي كلها مستقيما فلم أدخن ولم اعرف العبث ولا طيش الشباب، فقد رحلت عنا أمنا ونحن ثلاثة من الإخوة وكان أكبرنا في سن السادسة عشرة ثم رحل أبي بعدها بعامين .. فنظمنا حياتنا على أن نتقاسم أداء متطلبات الأسرة فهذا يذهب إلى السوق ليشتري احتياجات البيت وذلك يقوم بتنظيفه وترتيبه والثالث يقوم بطهي الطعام .. فلم يشعر أحد منا .. ولم تواجهنا مشكلة اللهم إلا مشكلة غسل البياضات والأشياء الكبيرة التي عجزنا عن غسلها في الغسالة الكهربائية .. وبعد فترة حللنا هذه المشكلة باستئجار سيدة مرة كل شهر لتقوم بغسلها في الغسالة، ومضت حياتنا جادة متقشفة ووضعنا لأنفسنا هدفا هو أن نحقق آمال أبينا وأمنا فينا فواصلنا الدراسة بجد ونجحنا جميعا فلم يرسب احد منا في أية سنة .
وتخرج أخي الأكبر وعمل بإحدى المصالح وتزوج وتخرج أخي الأوسط وعمل بمصنع من المصانع وتزوج أيضا وتخرجت أنا وأديت الخدمة العسكرية وجاءني التعيين بعد فترة انتظار في إحدى الشركات.
وابتسمت لنا الحياة بعد طول صبر وطول معاناة ، وبعد تعييني بشهور نظرت حولى فوجدت زميلة جذابة جميلة شدتني إليها بأدبها ورقتها في معاملة الجميع فاقتربت منها واقتربت مني وتبادلنا الاهتمام والمشاعر الصامتة لفترة طويلة ثم فاتحتها فوجدتها تنتظر مني هذه الخطوة .. وصارحتها بكل ظروف وبأني لا املك شيئا سوى مرتبي وأن رحلة الزواج بالنسبة لي تعني عدة سنوات ادخر
خلالها المهر وتكاليف الزواج .. فلم تبد اهتماما بذلك وقالت لي أن لديها بعض المدخرات التي ستساهم بها في تأثيث عش الزوجية وأنه لا يعنيها إلا التفاهم والحب وحسن المعاشرة .. وتفاهمنا على أن أتقدم لخطبتها من أبيها حين يعود بعد شهرين في أجازته الصيفية من الخارج وعشت خلال هذين الشهرين حلما جميلا .. التقي بها كل صباح في العمل ونبدأ يومنا بشرب القهوة وتبادل الأحاديث الجميلة وقد أصبح الزملاء يعاملوننا كخطيبين ويداعبوننا ويتمنون لنا السعادة .. وهي في كل يوم تزداد جمالا على جمال ورقة على رقة، وكل يوم لها معي لمسة رقيقة أو لفتة جميلة فهذه كرافت تليق مع بدلني .. وهذا قلم جميل يجدر بي ان اكتب به، وأحاول أن أرد إليها هذه المجاملات فترفض وتذكرني بما ينتظرني من التزامات وتطالبني بتوفير كل قرش لمشروع حياتنا .
ومضت الأيام سريعة في لمح البصر .. واقترب موعد عودة أبيها فبدأت ألاحظ شيئا من القلق يساورها .. وبدأت أراها من مكتبي تنظر إلي أحيانا وهي صامتة فإذا التقت عيني بعينها ابتسمت ابتسامة حزينة ثم انشغلت بعملها إلى أن وصل أبوها من الخارج .. وطلبت منها تحديد موعد معه لمقابلته فقالت لي إنها تريد أن تصارحني بشيء قبل أن أقابله واطلب يدها لكيلا تكون قد خدعتني أو اخفت علي شيئا .. ثم قالت لي والدموع في عينيها إنها مريضة بالسكر وأنها اكتشفت ذلك بعد تخرجها بعام .. وبعد أن صدمت بوفاة أمها ، وأنها تفاتحني في ذلك قبل أن أتقدم لها رسميا لكي انسحب إذا كنت لا أريد أن اربط حياتي بها .. ولكي استعد للمستقبل إذا قبلت الارتباط بها .. وارتب نفسي فيما يتعلق بالإنجاب وعدد مرات الولادة .. الخ .
ووجدت نفسی استمع إليها في صمت .. وقد أكبرتها في نفسي لأمانتها ولحرصها على عدم خداعي .. ثم وجدت نفسي بعد لحظة أقول لها ضاحكا : الآن عرفت سر حلاوتك وحلاوة كل شيء فيك، ورغم محاولتي التخفيف عنها فلقد انسابت دموعها وهي تقول لي إنها لم ترد ذلك لنفسها لكنها إرادة الله .. ووجدتني على وشك البكاء فنهضت بانفعال وقلت لها سأوصلك إلى بيتك لأول مرة لكي اعرف الطريق إليه .. وخرجنا من العمل نمشي وهي تجفف دموعها .. وأنا سعيد وحزين في نفس الوقت .. وبعد يومين كنت التقي بأبيها وأخطبها وتمت الخطوبة وسعدت هي سعادة لا توصف وسعدت أسرتها كما سعد إخوتي.
ومرت الشهور وتعمقت معرفتي بها فوجدتها إنسانة رقيقة بكل معنى الكلمة .. تغمرني بحبها وحنانها وتريد أن تفعل المستحيل لإرضائي .. وأن تعيش معي في أي مكان ولو على البلاط وقد ازدادت جمالا بعد أن اطمأنت إلى أني لم أتخل عنها .. لكني من ناحية أخرى يا سيدي عرفت أشياء أخرى عن مرضها .. فعرفت أنه من النوع الثقيل وأنها تحتاج إلى فحص شامل كل سنة والى متابعة مستمرة لحالتها الصحية فبدأت أفكر في أمري وتتنازعني الأفكار .
أقول لنفسي أحيانا أنها خير إنسانة يمكن أن ارتبط بها وأن حنانها يغمرني من رأسي إلى قلبي لكني أقول لنفسي أحيانا أخرى .. لكن لماذا اربط حياتي بإنسانة مهددة فى صحتها في أي وقت وأية متاعب تنتظرني معها .
وأقول لنفسي كل مرة لماذا اربط مصير أبنائي بحياة مهددة بالمرض ثم أفيق إلى نفسي وأقول ومن يدريني أني سوف أنجب وأن من أنجبهم سوف يتعرضون للخطر ؟!! والأفكار تدور في رأسي لكنها تتبخر إذا نظرت إلي بابتسامتها الرقيقة التي تقول لي بها بغير كلام لا حياة لي إلا معك فلا تتخل عني .
لقد انقضى عام الآن على الخطبة لم أر منها خلاله سوى كل جميل .. ولم اغضب منها لحظة واحدة .. ولم تضايقني فيها ذات مرة ولم تجرح شعوري بكلمة .. لكن الأفكار السوداء تلح علي أحيانا فتفسد سعادتي .. فأرجو أن تقول لي كلمة تعيد إلي صوابي وتهدأ بها نفسي فماذا تقول لي يا سيدي ؟؟
ولكاتب هذه الرسالة أقول :
يا صديقي اقرأ كلمات رسالتك هذه من جديد وسوف تجد فيها الرد الذي تطيب به نفسك وتهدأ خواطرك.
فأنت تقول أنك أحببتها وأحبتك ، وقبل أن تتقدم لخطبتها رفضت هي بأمانة وبخلقها المستقيم أن تخفي عنك شيئا من أمرها فصارحتك بكل شيء والدموع في عينيها .. ورضيت منها ذلك وأكبرته منها .. وكان بمقدورها - لو أرادت - أن تخفيه عنك في فترة الخطوبة على الأقل لكنها رفضت الخداع، وكان بمقدورك أنت أيضا التراجع بلا خسائر كبيرة وقتها .. لكنك أبيت ذلك ، فلماذا التردد والأفكار السوداء الآن .. لقد وهبتك الحياة يا صديقي فتاة جميلة رقيقة عطوفا تغمرك بحبها وتريد أن تصنع المستحيل لإرضائك وتقبل كل ظروفك وترغب في الحياة معك ولو على البلاط .. فماذا تريد من الدنيا أكثر من ذلك ؟؟
إن الصحة والمرض من أمر الله وحده ولا فضل لأحد في صحته ولا ذنب لأحد في اعتلالها .. ومع ذلك فالسكر ليس شبحا يستحق كل هذه المخاوف وهو مرض رفيق يعيش به الكثيرون حتى الثمانين والتسعين ، والمستقبل عموما بيد الله وحده ولا أحد يملك من أمره شيئا .. فمن يدريك أن أية "صحيحة" سوف تتزوجها لن ترزق بمرض اخطر بعد الزواج، ومن يدريك أنها لو لم تمرض سوف تسقيك من نبع الحنان الذي تسقيك منه فتاتك الآن بسجاياها الجميلة العديدة التي قد يغبطك عليها كثيرون أعطتهم الدنيا زوجات صحيحات البدن وسقيمات النفوس .. وتجرعوا من التعاسة ما تهون معه متاعب أي مرض أو أي مشكلة صحية.
فاطرح عنك هذه الأفكار
السوداء يا صديقي واستمتع بما أنعمت به عليك الحياة ، وعش أيامك سعيدا معها في
اليوم وغدا بإذن الله وسلم الأمر لصاحب الأمر .. ولا تحطم قلب فتاتك الرقيقة هذه ،
فلو خسرتها فلن تجد الطمأنينة مع غيرها .. وسوف تندم حين لا ينفع الندم لأن الحب
والحنان والسعادة كانت طوع بنانك فركلتها جميعا طلبا للكمال في اللوحة الجميلة ..
وأين هي يا سيدي اللوحة الجميلة الكاملة الملامح والتفاصيل .. وأين هي الحياة التي
اكتملت لها كل أسباب السعادة والصفاء والهناء .. أين ؟؟
نشرت في جريدة الأهرام "باب بريد الجمعة" عام 1987

برجاء عدم النسخ احتراما لمجهود فريق العمل في المدونة وكل من ينسخ يعرض صفحته للحذف بموجب حقوق النشر