عدو العقل .. رسالة من بريد الجمعة عام 1992
أنا أم مصرية لا هم لها إلا
سعادة أولادها، وقد تخرج ابني في كليته وعمل محاسبا بإحدى الشركات المرموقة ثم
جمعته علاقة حب طويلة بفتاة تكبره بعامين .. وفاتحنا في أمرها فرحبنا بها وتمت
الخطبة منذ عام ونصف العام وسعدنا بذلك كثيراَ لأنها أول فرحة لأسرتنا الصغيرة.
لكن ابني بدأ يعاني الكثير من شقيقة خطيبته التي تحب السيطرة على من حولها ولها
جبروت يعمل أفراد أسرتها له ألف حساب .. وفي كل يوم تختلق له مشكلة جديدة ويمتص
ابني غضبها وتسير الأمور بسلام وبعد أيام تختلق له مشكلة أخرى وهكذا .. وتحمل ابني
كل ذلك رغم اعتزازه بكرامته وعزة نفسه وشجعناه على الصبر لأنه يحب خطيبته وخطيبته
تحبه وهي فتاة طيبة لكنها للأسف سلبية ولا تدافع عن حقها.
واستمر الحال هكذا بين شد وجذب
حتى انتهى الاستعداد للزفاف وتم تأثيث الشقة والاتفاق على عقد القران يوم الزفاف ,
واستأجر زوجي إحدى الصالات الراقية للفرح وتم تزيينها بالورود وفي اليوم السابق
للزفاف، وهو "يوم الحنة" كنت أنا وزوجي في قمة الفرح والسعادة وكل من في
بيتنا يرقص ويغني ويضحك لأنها كما قلت لك أول فرحة لنا , فإذا بشقيقة خطيبة ابني
تأتي إلى بيتنا وتختلق مشكلة جديدة من لا شئ مع ابني وتستفزه ثم جلست في كبرياء
وجبروت وأقسمت أن الزفاف لن يتم غدا إلا إذا اعتذر لها ابني علنا وقبل يدها معتذرا
أمام الجميع , ورفض ابني ذلك وأيدناه في ذلك وجاء الأهل وحاولوا التوسط بينه
وبينها فأصرت على موقفها وأصر ابني على ألا يعتذر , وفي اليوم التالي ظننا أن النفوس
ستهدأ وسيمضي كل شئ في طريقه فإذا بنا نتلقى الخبر بأن الزفاف لن يتم , ولن يعقد
القران فعلا واتصلت العروس بابني تطلب منه أن يقبل رأس شقيقتها لينتهي الموقف، لكن
كرامة ابني أبت عليه ذلك .. فقامت أسرة العروس بإخلاء شقة الزواج من الأثاث يوم
الزفاف وانفض الفرح قبل أن يبدأ وتم إلقاء باقات الورود في صندوق القمامة.
لقد جمع الحب لفترة طويلة بين ابني وخطيبته ,
لكن شقيقتها "سامحها الله" هدمت قصة حبهما بتسلطها وبرغبتها في أن تفرض
إرادتها على ابني , وهذا الشرط العجيب ليس غريبا عليها , إذ أنها بعد زواجها بشهر
غضبت من زوجها وهجرته إلى بيت أسرتها وبقيت به 6 شهور والجميع يحاولون إعادتها
والصلح بينها وبين زوجها وهي ترفض إلا بشرط محدد هو أن يقبل زوجها يدها معتذرا
أمام الحاضرين .. وقبل زوجها الشرط واستعادها به , لكنه زوجها ومن حقها أن تفعل
معه ما تريد , فلماذا تريد أن تفرض إراتها على ابني وهو خطيب أختها ؟
إن ابني يعمل بشركة سياحية وعمله يتيح له أن يرى
جميلات كثيرات لكني أجده حزينا ويتمزق قلبي اشفاقا عليه .. فماذا أفعل .. هل كنت
أوافقه على أن يتنازل عن كرامته ويستجيب لما طلبته شقيقة خطيبته, أم أدعه كما حدث
يتنازل عن فرحه وشقته التي أمضى سنوات في اعدادها للزواج والتي أمضيت أسابيع أنا
وأبوه نرتبها له ونجهزها استعدادا للفرح الذي لم يتم. فهل من المعقول أن يعود إلى
فتاته السابقة بعد كل ذلك ؟
إنني أرجو أن توجه النصيحة لابني لكي يخرج من هذا الموقف الصعب خاصة بعد أن ذهب أصدقاؤه إلى صالة الفرح ومعهم
باقات الورود ففوجئوا بإلغاء الفرح .. إنني أتضرع إلى الله أن يعوض ابني خيرا لأنه
إنسان على خلق ومؤمن ومهذب وأخشى عليه من هذه الصدمة التي أحزنتنا جميعا .. فماذا
أفعل لأخفف عنه ؟
جميع الحقوق محفوظة لمدونة "من الأدب الإنساني
لعبد الوهاب مطاوع"
ولــكــاتــبة هــذه الـرسـالـة أقــول :
إذا كان ابنك قد أخطأ في حق
شقيقة خطيبته وأساء إليها فلقد كان من واجبه أن يعتذر عن أساءته .. وكان من واجبكم
حثه على ذلك , أما شرط تقبيل اليد إعلانا للاعتذار فهو تزيد غريب وغير مقبول وغير
جائز شرعا لأنه ليس زوجها , أما إذا كان لم يخطئ وأصرت هي على الاعتذار العلني
بغير مبرر حقيقي سوى الاذلال وقهر الإرادة ففي هذه الحالة يكون قد نجا من حياة
زوجية كانت تعده بكل أنواع المتاعب في المستقبل .. لكن هذا التصور يصعب تخيله
وأغلب الظن أنه قد وقع خطأ ما فعلا .. وغضب كل طرف منكما لنفسه وأصر على موقفه بلا
مرونة ولا رغبة في التنازل "وأول الغضب جنون وآخره ندم" كما كان العرب
يقولون، والعناد الأعمى هو أولى ثمار جنون هذا الغضب .. لهذا قال الشاعر :
ولم أر في الأعداء حين
اختبرتهم
عدوا لعقل المرء أعدى من الغضب
وهكذا تمكن"عدو
العقل" من الطرفين وأبى عليه أن يتزحزح عن موقفه ولو أدى الأمر إلى إلغاء
الزفاف واخلاء شقة الزوجية من أثاثها وذهاب المدعوين إلى قاعة الفرح ليجدوها خاوية
على عروشها يوم الفرح !
ومن رأيي دائما أن التسليم
بالخطأ والاعتذار عنه من طبائع الكرام المعتزين حقا بأنفسهم , لأن الاعتزاز
الحقيقي بالنفس يدفع المرء لأن يكره لها أن تقف موقف المكابرة والاصرار على الخطأ
وما أكثر الزيجات التي انفضت لأسباب عابرة كهذا السبب الذي يذكرنا بالحكمة القديمة
التي تقول : "إن معظم النار من مستصغر الشرر" .. لكن إذا كان ابنك يرغب
في استئناف المشروع الذي أجهضه تصلب الرأي والعناد من الطرفين .. وكانت هناك
علامات مؤكدة من الجانب الآخر على الاستفادة من التجربة ورغبة مخلصة في وصل ما
انقطع , فلا تقفي في طريقه لأن قصة الحب الطويلة التي جمعته مع خطيبته ليس من
السهل نسيانها أو تعويضها , ولعل فيما حدث درس مفيد للطرفين , وبالذات للعروس التي
ينبغي أن تكون أكثر إيجابية في موقفها من خطيبها وأن تؤدي دورا مؤثرا في التوفيق
بين المتنازعين أو على الأقل في الفصل بينهما مؤقتا مع الاحتفاظ بالعلاقة الحميمة
مع كل طرف على حدة إلى أن يذيب الزمن الخلافات ويجرفها في تياره الهادر الذي يجرف
أمامه كل شئ.
وفي الحقيقة فإني أتصور أن هناك الآن فعلا
محاولات من الطرفين لتجاوز ما حدث وإن هذا هو ما يزعجك في واقع الأمر ما تتصورينه
في ذلك من إهدار لكرامة ابنك أو من خضوع لتسلط شقيقة خطيبته عليها في المستقبل ..
وليس الأمر كذلك بالضرورة فقد يكون الحب قد انتصر على التفاهات كما ينبغي له دائما
أن يفعل أو قد يكون العقل أيضا قد انتصر على عدوه، فبدأ يحاول إصلاح ما أفسده
العناد .. أما إذا لم تكن هناك محاولات لاستئناف القصة فالزمن كفيل بأن يتخلص ابنك
من آثارها وأن يفتح مسامه مرة أخرى لاستقبال مؤثرات الحياة الجديدة خلال وقت لن
يطول بإذن الله.
نشرت في جريدة الأهرام "باب بريد الجمعة" يونيو
1992
كتابة النص من مصدره / بسنت
محمود
راجعها وأعدها للنشر / نيفين علي

برجاء عدم النسخ احتراما لمجهود فريق العمل في المدونة وكل من ينسخ يعرض صفحته للحذف بموجب حقوق النشر