نهر السعادة .. والشقاء ! .. رسالة من بريد الجمعة سنة 1991

نهر السعادة .. والشقاء ! .. رسالة من بريد الجمعة عام 1991

نهر السعادة .. والشقاء ! .. رسالة من بريد الجمعة عام 1991


 البهجة والجمال والسعادة إنما تنبع كلها من داخل الإنسان وليس من خارجه  .. " وكن جميلاً ترى الوجود جمــيلاً " كما يقول الشاعر وكن كارهاً متسخطاً ترى كل ما حولك يبعث على الشكوى والضجر والسأم.

عبد الوهاب مطاوع


لست أستطيع للأسف أن أتذكر تفاصيل كثيرة عن طفولتي .. فكل ما بقي منها هو أني كنت الأخت الصغرى لشقيقين يكبرانني بسنوات قليلة وأن والدي كان يعمل بوظيفة صغيرة بالسكة الحديد وكنا نعيش في أحد الأحياء الشعبية حياة صعبة, إذ أنه إلى جانب ضآلة مرتب أبي فقد كان مبتلى بشرب الخمر ولا يعود للبيت إلا ونحن نيام فنصحوا كل ليلة على صوت الشجار بينه وبين أمي ويختتمه غالباً بضربها أمامنا وأحياناً بضربنا نحن معها, والتنكيد علينا قبل أن نعود للنوم ثم نصحوا في الصباح فلا نجده .

 

وبطبيعة الأطفال ننسى الأسى سريعاً فقد كنا ننسى ما حدث خلال الليل ونشارك أطفال الجيران البسطاء لعبهم ولهوهم .. ومضت الأيام هكذا إلى أن جاءت ليلة انتظرنا عودة أبي فلم يعد فسهرنا طويلاً ننتظر عودته كأنما تعذر علينا النوم بدون جرعة النكد الليلية, ثم غلبنا الإجهاد ونمنا ..وصحونا فوجدنا أمي ترتدي ملابسها وتستعد للخروج للبحث عن أبي, وغابت عنا طوال النهار ثم عادت وحيدة مجهدة في المساء .

وظلت أياماً عديدة تخرج في الصباح للبحث عن أبي والسؤال عنه في عمله وفي كل الأماكن التي يتردد عليها ثم تعود منهوكة القوى يائسة .

 

ولست اذكر كم من الزمن ظلت أمي تبحث عن أبي ولا كم كان عمري وقتها لكن فترة البحث لم تكن على أية حال طويلة .. فلقد وجدت أمي نفسها مسئولة عن إطعامنا فيئست سريعاً, وخرجت تبحث عن قوتنا الضروري .

وانتهى بها المطاف إلى العمل في تنظيف شقق الأجانب بحي الزمالك, واستمرت في هذا العمل سنوات, وكنا نحن الأبناء الثلاثة تلاميذ بالمدرسة الابتدائية بالحي الشعبي, وكان شقيقي الأكبر دائم الشجار والهروب من المدرسة وكثير المشاكل مع الجيران .. بينما كان أخي الأصغر منه هادئاً وميالاً للصمت والشرود ومتخلفاً دراسياً, وذات يوم عاد شقيقي الأكبر من المدرسة وحيداً بغير شقيقه فتصورنا أنه مشغول باللعب مع أطفال الجيران أو أنه اختفى لفترة لكي يستدر عطفنا واهتمامنا لكن غيابه طال .. ثم استمر .. ثم لم نره بعدها أبداً ولم نعرف ماذا صنعت به الدنيا بعد ذلك .

 

وكما خرجت أمي ذات صباح للبحث عن أبي خرجت مرة أخرى للبحث عن أخي وطافت بأقسام الشرطة والمستشفيات وعادت بنفس الخيبة والحسرة .

ومرضت أمي حزناً على هذا الابن الهادئ الذي لم نكن نحس بوجوده وهو بيننا, ولم يعنها على مقاومة مرضها إلا اضطرارها للخروج مرة أخرى لكسب قوتها وقوت ما بقي بين أيديها من أبنائها .. ثم سحبت مشاكل الحياة ذيول النسيان تدريجياً على ذكرى هذا الأخ الطيب الذي لم أعد أعي جيداً ملامح وجهه كما سحبتها من قبل على ذكرى أبي .. وعلى ملامحه أيضاً !  ولا اعرف كم مضى من الزمن بعدها حين انتظرنا عودة أمي نفسها ذات مساء فلم تعد وإنما جاء إلينا احد الجيران وأبلغنا بأن أمي لن تعود هذه الليلة .. لأنها ستبيت ليلتها في قسم الشرطة .. فقد هاجمت شرطة الآداب الشقة التي تعمل بها كخادمة وأخذتها مع من أخذت من الشقة .

 

وأصبحت أنا وشقيقي المشاكس وحيدين تماماً وتكفل الجيران الطيبون بإطعامنا لعدة أسابيع ثم اصطحبنا احد الجيران إلى إحدى دور الرعاية ليودعنا فيها فرفضت الدار قبولنا وعاد بنا مرة أخرى .. وعرفنا بعد ذلك أن أمي قد حكم عليها ظلماً وعدواناً بالسجن لمدة سنة .. وعشنا شهوراً بعدها لا أعرف كيف مضت ولا كيف كان قوتنا يأتينا .. فقد ترك أخي المدرسة وأصبح يغيب طوال النهار ومعظم الليل في رفقة صبية فاسدين ثم يعود أحيانا ومعه بعض النقود, لكن الحال لم يستمر طويلاً وأودعته الشرطة إحدى دور الأحداث وبقيت أنا بمفردي لدى جارة طيبة وكنت تلميذة في السنة الرابعة الابتدائية فعشت معها حتى نجح جارنا الذي اصطحبنا قبل في إدخالي دار الرعاية .. وانتقلت إلى هذه الدار وداوم الجار الطيب على زيارتي والاطمئنان علي لفترة ثم شغلته شواغل الحياة فانقطعت زياراته .

 

وواصلت تعليمي في الدار حتى حصلت على الإعدادية ثم توقفت عن الدراسة وبدأت أساعد في أعمال التفصيل والطهي بالدار حتى قاربت الثامنة عشرة .. أين كان أخي المشاكس خلال هذه الفترة ؟ لا أعرف .. ماذا فعلت أمي بعد خروجها من السجن ولماذا لم تبحث عني أو تزرني أو تحاول إخراجي لأعيش معها ؟ لا أعرف .. لقد تكيفت مع الحياة في الدار ووجدت لي فيها أخوات وصديقات وحيدات مثلي فنشأت هادئة راضية أتقبل كل شيء بلا سخط ولا لوم لأحد فهذا هو قدري ولابد أن أقبل به وأشكر ربي عليه .. وأعرف لكل إنسان ساعدني حقه وأحمل له الحب والعرفان .فخفف ذلك عني الكثير .. فعشت لا أكره أحداً وأحس بالوفاء لمن تعهدتني بالتربية والرعاية من مشرفات الدار بل وأحس باطمئنان عجيب للحياة .. والمستقبل .. لا أعرف له تفسيراً حتى الآن وبثقة في أن الله لن يتخلى عني كأني قد نشأت في أحضان القصور وتحصنت للمستقبل بكل وسائل الأمان .

 

وكان الشائع هو أن تبقى الفتيات في الدار حتى يعملن ويجدن لأنفسهن حياة خارجها .. أو حتى يتزوجن, وكان بعض الأشخاص الذين يبحثون عن زوجات وراءهن قصة شقاء تجعلهن أكثر صبراً على مشاكل الحياة يتقدمون من حين لآخر لخطبة إحدى فتيات الدار, فإذا بتاجر أرمل في الأربعين من عمره وله ابن يدرس بالمرحلة الثانوية يتقدم لخطبتي بعد أن رآني, فتزوجته وأنا في الثامنة عشرة من عمري وسعدت به كثيراً ووجدت فيه زوجاً طيباً عطوفاً عوضني بحبه وعطفه عما حرمتني منه الحياة في طفولتي وصباي, ولم أنجب منه فرجوته أن أستكمل تعليمي ورحب بذلك وشجعني عليه  .. وبدأت أدرس للحصول على الثانوية العامة من منازلهم, ووفقني الله في الحصول عليها بمجموع يعد معجزة بالنسبة لطلبة المنازل .. وقبلتني بمجموعي الكبير إحدى كليات الطب, فكدت أطير فرحاً وسعد زوجي بذلك سعادة كبرى ووفر لي كل ما احتجت إليه من مراجع وأدوات خلال دراستي, وراح يشد من أزري ويكافئني على النجاح كل سنة وهو فخور بي, ووفق الله ابنه الوحيد في دراسته فتخرج في كلية الهندسة وتزوج, وتقدمت أنا في دراستي حتى بلغت سنة الامتياز فإذا زوجي يمرض مرضاً أقعده الفراش ولم يطل به الرقاد ولبت روحه الخيرة نداء ربها وأنا في التاسعة والعشرين من عمري بعد أحد عشر عاماً من زواجي منه, وحزنت عليه كثيراً وافتقدت طيبته وعطفه ووجدت بعض سلواي في ابنه وزوجته الشابة التي أصبحت أختاً وصديقة لي, وبميراثي عن زوجي الراحل افتتحت عيادة صغيرة لي في حي شعبي وأصبحت أعمل في المستشفى في الصباح وفي العيادة في المساء .

 

ومضت حياتي مطمئنة .. وكلما اقترب مني أحد الزملاء وفاتحني برغبته في الارتباط بي ووجدت من نفسي استعداداً لقبوله صارحته بكل ظروف حياتي السابقة بصراحة فيكون رد فعله هو تركي والاعتذار لي عن عدم استكمال المشوار بأي عذر واهٍ, وتكررت القصة معي أكثر من مرة وكنت أعرف بالطبع السبب الحقيقي وراء فرار الجميع مني, فصرفت نفسي عن فكرة الارتباط واكتفيت بذكرياتي الجميلة عن زوجي الراحل وبصداقة ابنه وزوجته لي وصداقة بعض زميلات الكلية .. ثم سمعتهم يتحدثون في المستشفى ذات يوم عن طبيب أخصائي حاصل على الدكتوراه من الخارج التحق بالعمل حديثاً, ثم رأيته في المستشفى بعد فترة فوجدتني اعرفه فقد كان زميلاً لي بالكلية ويسبقني في الدارسة بأربع سنوات وكان دائماً يحاول أن " يتحدث " معي ثم توقف عن محاولاته حين عرف أني متزوجة فتعجبت لهذه المصادفة الغريبة , وكان طبيعياً أن أرحب به وأن يبدو هو سعيداً بالالتقاء بي مرة أخرى في عمل واحد بعد كل هذه السنوات .. ثم .. لا أطيل عليك فلقد تقاربنا وفاتحني برغبته في الارتباط بي فبادرته بسرد كل ظروفي عليه بكل تفاصيلها المؤلمة .. فكان رد فعله المختلف هو أن ازداد تمسكاً بي واحتراماً لي .

 

وحقــاً يا سيدي فإذا جاء نصيب الإنسان من السعادة فإنه لا يحول دون وصوله إليه حائل, فلقد تزوجنا وعوضني الله بزوجي سنوات الترمل والوحدة وذكريات الماضي البعيد وأنجبنا طفلاً عمره الآن خمس سنوات, وحياتنا تمضي والحمد لله في حب وسعادة وتفاهم.

ولقد قررت أن اكتب لك قصتي لتشد بها أزر أصدقائك المهمومين وأنا جالسة بين أسرتي الصغيرة في مكان يطل على النيل خلال توقفنا ونحن في الطريق لإحدى المدن الساحلية لقضاء إجازة الصيف, فلقد وجدت نفسي أنظر إلى وجه زوجي الحبيب المبتهج بإحساس الإجازة بعد عناء العمل ووجه طفلي المحبوب المبتهج بالسفر والرحلة .. وصحبة أبويه ثم إلى منظر النهر الخلاب الذي يسبح فوقه ورد النيل وأحسست بسعادة لا توصف .. ولهج قلبي ولساني بحمد الله وشكره وبالدعاء له أن يحفظ عليّ سعادتي .. وأن يفرج كروب كل المهمومين كما فرج كربي وعوضني عن حرماني ووحدتي وشقائي .. وما أن استقر بنا المقام في المدينة الساحلية حتى كتبت لك لأقول بقصتي للمهمومين الذين تضيق بهم الحياة إن فرج الله ليس ببعيد وإن دوام الحال من المحال ولا بد أن يأتي يوم يفرج الله فيه كروب القانطين إن شاء الله.

 

ولكاتبة هذه الرسالة أقول :

 

" إنما يتقبل الله من المتقين " فليتقبل منك إذن دعاءك لنفسك ولأسرتك , ورغبتك النبيلة في مواساة المهمومين بقصتك الفريدة هذه بالرغم مما تحمله من تفاصيل قد يتعمد آخرون نسيانها وكتمانها .

 

لكن هذا يا سيدتي هو الفارق بين من تسكن المرارة قلبه فتفسد عليه استمتاعه بالحياة حتى ولو أتته ثمارها , وبين من يخلو قلبه منها وتصفوا نفسه للحياة ولا يرى في ظروفه التي فرضت عليه في الماضي ما يعيبه أو يسيء إليه .

 

إنك تقولين : إنك كنت وأنت تواجهين الحياة وحيدة منقطعة الجذور تحسين اطمئناناً عجيباً للحياة والمستقبل كأنما قد نشأت في أحضان القصور, ولا تجدين في ظروفك السابقة ما يبرر لك هذا الاطمئنان الغريب ولا تعرفين سره , لكني أجد سره في خلو قلبك من الأحقاد والسخط وفي رضائك بكل ما حملته إليك المقادير .. وفي تطلعك الدائم إلى رحمة ربك وعدله , وفي عرفانك لكل من قدم إليك يداً , واستشعارك لقيمة أتفه الأشياء في حياتك واعتبارها خطوة كبيرة للأمام قياساً على ماضيك التعس , وهذه هي القصور الحقيقية التي يجد الإنسان سعادته فيها إذا أراد أن يعفي نفسه من المعاناة والشرور واتهام الآخرين .

إن هناك مثلاً تشيكياً يقول : إذا كانت المرارة في القلب فليس يجدي السكر في الفم !

 

ولقد أنعم الله عليك باستشعار مذاق السكر في القلب والفم والعينين ...فنظرت حولك فوجدت كل شيء جميل يدعو للسعادة والابتهاج , كأنما تشاركين بذلك الشاعر الفيلسوف طاغور رأيه في " أن الكائنات جميعاُ إنما خلقها ابتهاج الله وسروره اللذان لا حد لهما " , " وفي أن مهمة الحياة هي الإصلاح وتفادي الأخطاء وعلاج الشرور وعلينا أن نتقبل الحياة بنواقصها بنفس راضية حتى نصل إلى الخير " .

 

لهذا فوجه زوجك مبتهج وسعيد ووجه طفلك يدعو للابتهاج والسعادة ومنظر النيل بالقرب منك لوحة من لوحات الجمال ...حتى ورد النيل الذي يتأذى منه آخرون من رؤيته عندك رائع وجميل , لأن البهجة والجمال والسعادة إنما تنبع كلها من داخل الإنسان وليس من خارجه ..." وكن جميلاً ترى الوجود جمــيلاً " كما يقول الشاعر وكن كارهاً متسخطاً ترى كل ما حولك يبعث على الشكوى والضجر والسأم .

 

أما كلماتك عن زوجك الأول فإنما تعكس قيم الوفاء والأخلاق والدين ...وأقولها عامداً لأن كتمان الشكر لمن قدم لنا الفضل كفر كما جاء في مضمون الحديث الشريف المعروف , ولأن " من لم يشكر الناس لم يشكر الله " كما جاء في الحديث أيضاً .

 

فإذا كنت قد توقفت طويلاً عند شيء آخر في قصتك ...فهو أمام هذه السهولة المؤلمة التي ينفرط بها عقد بعض الأسر في قاع المجتمع فيختفي بعض أفرادها في المجهول ويسقط البعض الآخر في هاوية الضياع ويواجه البعض الثالث الدنيا كما يواجهها غيرهم من يتامى الحياة الذين لا يغني وجود الآباء والأمهات حتى _ لو وجدوا _ عنهم شيئاً .

 

وبالرغم من أنك قد واجهت كل هذه الظروف المؤلمة فلقد حمتك العناية الإلهية من غوائل الحياة وهيأت لك نجاحاً واستقراراً وسعادة وكان فضل الله عليك عظيماً فحق لك أن يلهج قلبك ولسانك بالشكر والدعاء وحق لنا أن نشكرك على أن رويت لنا قصتك ليجد فيها بعض المهمومين عزاءهم وسلواهم ...فعسى أن تحمل لهم هذه الرسالة ...وعسى أن تقرأها صاحبة قصة " الأرض الخراب " لتعرف مرة أخرى أن ذكريات الطفولة المريرة ليست مبرراً لإيذاء الآخرين والحقد عليهم وأن تحاول أن تكفر جرائمها في تخريب النفوس والبيوت واتهام الزوجات المحصنات بإصلاح ما أفسدت ...وإبراء ذمتها وضميرها مما فعلت بالاعتراف للأزواج الذين خدعتهم بما ظلمت به زوجاتهم ..لعل الله يغفر لها ويهيئ لها من أمرها رشداً وشكراً .

 رابط رسالة الأرض الخراب

 

نشرت في جريدة الأهرام باب بريد الجمعة يوليو سنة 1991

راجعها وأعدها للنشر/ نيفـين علي

 

Neveen Ali
Neveen Ali
كل ما تقدمه يعود إليك فاملأ كأسك اليوم بما تريد أن تشربه غداً
تعليقات