الزيارة المفاجئة .. رسالة من بريد الجمعة سنة 2000
أبشع من ارتكاب الخطأ ألا يشعر مقترفه بأنه قد أتى أمرا
يستوجب الحساب والعتاب ، فضلا عن الرجوع عنه ، ذلك أن الإقرار بالخطأ هو الخطوة
الأولى على طريق الرجوع عنه وتقويمه ...أما التعامل معه وكأنه من طبائع الأمور
وبدهيات الحياة...فلا يكشف إلا عن خلل خطير في القيم والمفاهيم لدى مرتكبه لا يبشر
بأي أمل قريب في إمكان رجوعه عنه.
أكتب إليك لأستشيرك فيما يشغل بالي الآن ويؤرق
مضجعي .. فأنا سيدة في الخمسين من عمري ، عشت حياتي الزوجية في سلام مع زوجي إلى
أن رحل إلى جوار ربه قبل سنوات قليلة ، وقد تجاوزت صدمة رحيله عن الحياة بالصبر
والإيمان ، وشكرت ربي على ما وهبني من نعمة الأبناء والحياة الهادئة ، وسعدت بزواج
ابنتي الكبرى وسفرها مع زوجها إلى الخارج ، وبتخرج ابني الآخر وعمله بوظيفة جيدة
وشعرت بأن رسالتي في الحياة قد أوشكت على التمام ، حيث لم تبقى أمامي سوى الابنة
الصغرى التي تدرس بالثانوية العامة ، فوجهت لها كل اهتمامي وحرصت على توفير الجو
الملائم لها ، وأدت امتحانها وظهرت نتيجته ، فكان مجموعها أقل من أن يسمح لها
بالالتحاق بالكلية التي ترغبها في مدينتنا .. ورشحها مجموعها للالتحاق بكلية
مناظرة ولكن في إحدى جامعات الجنوب .. فواجهت الخيار الصعب بين أن أحرمها من
الالتحاق بكليتها المرغوبة مع ما في ذلك من متاعب اغترابها بعيدة عنى وقلقي عليها
من الغربة .. وبعد تفكير طويل شاركني فيه الأبناء ، أستقر الرأي على ألا أحرمها من
رغبتها في الدراسة التي تفضلها وأن تسافر للإقامة في عاصمة المحافظة التي تقع فيها
الجامعة على أن تقيم مع بعض زميلاتها كما تفعل أخريات من مثل ظروفها ، وسعدت ابنتي
بهذا القرار ، وبدأت تستعد للمرحلة الجديدة في حياتها .. فأعددت لها كل ما تحتاج
إليه في غربتها وزودتها بنصائح الأمهات في مثل هذه الظروف وأوصيتها بالأخلاق
الحميدة والملابس المحتشمة ومصادقة الفاضلات من زميلاتها دون غيرهن .
وسافرت ابنتي مودعة منى بالدموع حيث إنه أول
فراق بيني وبينها منذ ولادتها ، وسافر معها أخوها إلى عاصمة المحافظة .. وبحث لها
عن سكن مشترك مع بعض زميلاتها وترك أخته بين زميلات السكن وفى رعاية صاحب البيت
الذي يؤجر شققه للطالبات المغتربات في مدينته ، ورجع ابني فطمأن قلبي الملهوف وأكد
لي أن إقامة طالبات هذه الجامعات المغتربات في شقق سكنية مع زميلاتهن أمر منتشر في
هذه العاصمة ، وأن أصحاب المنازل التي تؤجر للطالبات يتعهدونهن بالرعاية ويحرصون
على سمعة منازلهم .. واطمأن قلبي بعض الشئ ومضت شهور الفصل الدراسي الأول ثقيلة و بطيئة
، ورجعت ابنتي في أول أجازة لها فاستقبلتها بالأحضان والقبلات والدموع .. ووجدتها
كما عهدتها من قبل هادئة ومحتشمة في مظهرها وإن كانت اكتسبت من غربتها بعض الجدية
والاعتماد على النفس ، وانقضت فترة الإجازة سريعا ورجعت لاستكمال الفصل الدراسي
الثاني .. وتكرر مشهد الوداع والبكاء ، ودعوت لها الله سبحانه وتعالى أن يحميها من
كل سوء ، ثم انتهى الامتحان ورجعت ابنتي في إجازة الصيف ، فلمست هذه المرة اختلافا
كبيرا في شخصيتها .. فلقد وجدتها ترتدي البنطلونات و"البدي" وغير ذلك من
الملابس الشبابية .. وناقشتها في ذلك وطالبتها بالعودة للملابس المحتشمة التي كانت
ترتديها من قبل ، فأجابتني بأن هذا هو الشائع الآن في الجامعة وأنها لن تكون
"متخلفة" عن زميلاتها ! وكررت معها المحاولة ونصحتها كثيرا وتشاجرت معها
دون جدوى ، فاستعنت عليها بشقيقها الذي تحدث معها طويلا ثم رجع إلي يطمئنني على
أخته ويؤكد لي أنه لا خوف عليها لأنها جادة وملتزمة .
وعادت ابنتي إلى كليتها .. ومن
هناك أرسلت إلي تطلب نقودا إضافية لحاجتها إلى دورات دراسية ، وأرسلت إليها ما
طلبته ، ثم تصادف أن زارتني صديقة لها تدرس معها بالكلية نفسها ، وكانت ابنتي قد
أبلغتني أنها تتلقى معها الدورات ، فسألتها عن نظامها وجدولها .. واكتشفت من خلال
حديثها أنها خالية الذهن تماما عن هذا الموضوع نهائيا وأنها لا تتلقى مع ابنتي أية
دورات دراسية !
وكتمت دهشتي عن هذه الصديقة ..
وافترسني القلق والشك في ابنتي ، فقررت أن أريح نفسي من هذا العذاب بالسفر إلى
المدينة التي تقيم بها والاطمئنان على أحوالها هناك في سكنها وكليتها ، وركبت
القطار بغير أن أبلغ ابنتي مسبقا بزيارتي لها .. ووصلت إلى عاصمة المحافظة في
الظهر واهتديت إلى المسكن الذي تقيم فيه مع زميلاتها .. وطرقت الباب ، فاستقبلتني
صديقاتها ورحبن بى ولم أجد ابنتي معهن ، فجلست أنتظر عودتها ، ودخلت إلى غرفتها
ورتبت ملابسها وأشياءها .. وقلبت في بعض أوراقها .. فإذا بى أجد خطابا بخط يدها
إلى شخص لا أعرفه تدعوه فيه ب "زوجي العزيز" وتحدد له موعدا للقاء في
المسكن عقب سفر زميلاتهن إلى أسرهن ! .. وصعقت لما قرأته وشعرت بما يشبه الدوخة ،
فتمددت على الفراش لبعض الوقت لكي أحاول تمالك نفسي وانفجرت في البكاء وحدي في
الغرفة المغلقة .. وأخفيت دموعي عن زميلات السكن إلى أن رجعت ابنتي في المساء
وفوجئت بوجودي فى غرفتها .. وفوجئت أكثر من ذلك بسؤالي لها من هذا الشخص الذي
تدعوه "زوجها العزيز".
وتوقعت أن تنكر كل شئ .. وتكذب ظنوني ومخاوفي ..
ففوجئت بها تقول لي في هدوء إنها "متزوجة" بالفعل من هذا الشخص عرفيا ..
وأنه يكبرها بعامين وأنها لم ترتكب حراما .. بل إن هذا هو "السائد" الآن
.. وأنهما متفقان على أن كل منهما يستطيع
أن يتخلص من الآخر في أي وقت يشاء فيه ذلك!!
ثم تركتني واتجهت للمطبخ لتحضير
العشاء وكأن شيئا لم يكن !
وتجمدت أنا في موقفي كأنما قد أصابني الشلل في
جسمي وفى عقلي ، وحين رجعت بعد قليل كنت قد تمالكت نفسي ، فانفجرت فيها وأنهلت
عليها ضربا وركلا وصراخا ، فأسرعت بالفرار إلى الحمام وأغلقته على نفسها من الداخل
واعتصمت به رافضة الخروج منه حتى الصباح .
أما ما حدث بعد ذلك ، فأنا
لا اذكر منه سوى أنني أغمى علي أكثر من مرة .
والآن يا سيدي ، فإنني
حائرة في أمري وأمر ابنتي ولا أدري ماذا أفعل معها وبها ، فلقد تكتمت قصتها حتى
الآن عن أختها وأخيها وكل أهلي ، ولا أدرى ماذا سيفعلون معها إذا عرفوا بما حدث ..
فهل أقوم بإبلاغهم بما كان من أمرها أم أواصل تكتمه ومعاناته وحدي .. وهل أرغمها
على ترك هذا الشاب وترك كليتها كلها والعودة لمدينتي والالتحاق بأي كلية فيها أم
ماذا أفعل ؟
وأين الخلل يا سيدي الذي أدى بنا
إلى هذا الوضع الخطير .. هل هو تربيتي وتربية زوجي الراحل لها ؟
لقد أخذناها في تربيتنا لها
بالحزم والحنان معا .. فكيف تسفر مثل هذه التربية عن هذه الكارثة يا سيدي !
ولكاتبة هذه الرسالة أقول :
أبشع من ارتكاب الخطأ ألا يشعر
مقترفه بأنه قد أتى أمرا يستوجب الحساب والعتاب ، فضلا عن الرجوع عنه ، ذلك أن
الإقرار بالخطأ هو الخطوة الأولى على طريق الرجوع عنه وتقويمه ...أما التعامل معه
وكأنه من طبائع الأمور وبدهيات الحياة...فلا يكشف إلا عن خلل خطير في القيم
والمفاهيم لدى مرتكبه لا يبشر بأي أمل قريب في إمكان رجوعه عنه.
والإنسان السوي قد يضل الطريق في بعض
الأحيان لكنه يظل واعيا دائما بما اقترف ولا يجادل في خطأ ما فعل ، حتى لو حاول
تبريره والتماس العذر لنفسه فيه بضعفه أمامه ، أو بغير ذلك من المبررات ..
أما من يرتكب أفدح الأخطاء ولا
يراوده في الوقت نفسه أي إحساس بخطأ ما فعل ، فإنه يضيف إلى أخطاء السلوك ، انحراف
التفكير واهتزاز القيم .. وفساد المنطق وضعف الأمل في إصلاحه ورجوعه عن خطئه ،
فضلا عن فجر المجاهرين بالخطأ الذين أرشدنا الرسول الكريم صلوات الله وسلامه عليه
إلى أن الله سبحانه وتعالى لا يحبهم وقد يترفق بالمخطئ على استحياء .. ويضاعف
العقاب لمن لا حياء له.
وإحساس ابنتك بأنها لم تقترف"حراما"
بمثل هذا الزواج العرفي الذي ارتبطت به بغير إذن أوليائها .. يكشف في الحقيقة عن
انحراف في القيم أفدح من الخطأ الذي ارتكبته نفسه.
فالزواج العرفي الذي يستوفى كل شروطه
وأركانه إذا كان صحيحا شرعا ، فإن إقدام فتاة صغيرة على الارتباط بشاب تحت مسمى
الزواج العرفي بعيدا عن نطاق الأهل .. وبغير علمهم .. وموافقتهم هو خطأ أخلاقي فادح يتنافى مع كل
القيم والأعراف العائلية والأخلاقية .. ولا يمكن الدفاع عنه أبدا بأن مرتكبه لم
يقترف "حراما" أو بأن هذا هو "السائد" في الجامعة كما تزعم
ابنتك.
بل ولا يمكن تبريره أو تفسيره إلا
بالطيش والاندفاع والاستسلام للأهواء والرغبات .. وخيانة ثقة الأهل .. وافتقاد
التقدير الصحيح للمسئولية الأخلاقية للإنسان تجاه نفسه وأعزائه ومن يهتمون بأمره ،
فنحن لا نعرف كيف تم هذا "الزواج" العرفي المزعوم بين ابنتك وهذا الشاب
، وهل أتوفى شروطه وأركانه وتم الإشهاد عليه أم لا؟ وهل تم بنية الاستمرار وتحويله
إلى زواج رسمي فى المستقبل القريب .. أم بنية التمتع المؤقت خلال مرحلة الدراسة
والاغتراب كما يوحى بذلك "اتفاق" طرفيه على أن يتخلصا منه إذا شاء
أحدهما في أي وقت !
لكننا نعرف بكل تأكيد أن الزواج
العرفي الذي يفتقد الإشهار ونية الاستمرار باطل باتفاق مذاهب أهل السنة .. وأن
الظروف المحيطة بالقصة كلها لا توحي بفهم طرفيه لقدسية الزواج واستمراريته وتكفى
سرية هذا الزواج وإتمامه بعيدا عن نطاق الأهل لكي تحيط به الشبهات وتخرجه من نطاق
الزواج المشروع إلى نطاق آخر لا يختلف كثيرا عن نطاق العلاقة السرية المتشحة برداء
زائف من المشروعية !
وإني أرى لك يا سيدتي ألا تتحملي هذا
العناء وحدك ، بل تشركي معك فيه أبنك الأكبر وأبنتك المتزوجة ، على أن تبدئي
خطواتك لإصلاح ما فسد بدراسة وضع ابنتك الحالي بعد هذا الزواج المزعوم ، فإذا كان
قد سبق السيف العزل ولم يعد هناك ما يرجى سوى تصحيح الخطأ وإسباغ الشرعية الحقيقية
عليه ، فإن من واجبك كأم أن تسعى مع ابنك إلى أهل هذا الفتى وتطالبيهم بتحمل
مسئولية هذا الارتباط العرفي الشائن إلى زواج صحيح مشروع ، وذلك بعقد قرانه على
ابنتك واعتبارهما خطيبين ينتظران انتهاء الدراسة لبدء رحلة الزواج الحقيقية.
أما إن كان الأمر غير ذلك ،
فإن هذه الظروف الشائكة تتطلب منك أن تلازمي ابنتك حيث تقيم ، وتفرضي عليها رقابتك
وإشرافك إلى أن تمضى الفترة المتبقية من العام الدراسي فى سلام ، على أن تحاولي
خلال ذلك اختبار مدى جدية ابنتك في التمسك بهذا الشاب وعمق رغبتها فيه ، وظروف هذا
الشاب نفسه وصدق رغبته في الارتباط بابنتك ، فإذا اطمأن قلبك إلى جديته وأمانته
وصدق رغبته في ابنتك ، فليتقدم مع أهله لخطبتها منك .. مع تخلصهما في نفس الوقت من
هذا الزواج المريب.
أما إذا تكشفت لك التجربة عن عبث هذا
الشاب وعدم جديته ، فإن خير ما تفعلينه هو أن ترجعي مع ابنتك عقب أدائها امتحان
هذا العام إلى مدينتك وتفرضي عليها الانتقال من هذه الكلية إلى أية كلية أخرى
مناظرة أو غير مناظرة لكي تكون تحت أنظارك وحتى تبرأ من آثار هذه النزوة المدمرة
وتثوب إلى رشدها ..وتدرك أن إنقاذها من الضياع أهم كثيرا من نوع الدراسة التي
تهواها أو العمل الذي ترغب في ممارسته بعد التخرج ، فهي لم تغترب من الأصل لكي
تنخرط في علاقة سرية مؤقتة تتسربل بقناع الزواج العرفي مع شاب عابث وإنما لكي تحقق
أهدافها في الحياة ولقد أجرمت في حق نفسها وأسرتها حين غفلت عن الهدف الأساسي من
اغترابها وتورطت فيما تورطت فيه ، ومن واجبها أن ترضى بدفع الثمن العادل لما
اقترفت من أخطاء فادحة حتى لو اقتضى ذلك تغيير مسارها في الدراسة والحياة !
نشرت في جريدة الأهرام باب بريد الجمعة سنة 2000
شارك في الإعداد / سالي ياسر

برجاء عدم النسخ احتراما لمجهود فريق العمل في المدونة وكل من ينسخ يعرض صفحته للحذف بموجب حقوق النشر