المشورة .. رسالة من بريد الجمعة عام 1992
ابنتي
موظفة بمرتب كبير وقد تزوجت بأحد أقاربها ولم يكن زوجها قد تسلم شقته بعد فأعطيت
ابنتي وزوجها سكنًا مؤثثًا إلى أن ينتهي بناء شقة الزوجية.
ثم حملت ابنتي واضطرت للحصول على إجازة طويلة من
عملها للحمل والولادة فقمت عن طيب خاطر بدعم الأسرة الصغيرة الجديدة ماديًا إلى أن
تتحسن أحوالها وتقف على أقدامها وأنجبت ابنتي طفلا جميلا ًوجاء لها ولزوجها عقد
عمل بالخارج وسافرا معا ولكن زوجها فضل لها التفرغ لرعاية الطفل الوليد فاستجابت
لرغبته وضحت بفرصة العمل والمرتب الكبير وحملت مرة ثانية لكنها أجهضت بسبب وحدتها
بعيدة عنا وافتقادها لرعاية الأهل خلال الحمل.
وبعد
فترة أخرى حملت للمرة الثالثة فأرسلها زوجها للإقامة بيننا مع طفلها فترة الحمل
حتى لا تتكرر الظروف التي أدت لإجهاضها فقمنا بواجبنا كاملا تجاهها .. ولم يتوقف
الدعم المادي ورزقت بمولود آخر فأحطناه برعايتنا الكاملة لولادته خلال موجة البرد
الشديد في الشتاء الماضي ومرت الولادة بسلام بالرغم مما صاحبها من التهاب شعبي
رئوي تم علاجه والحمد لله.
وخلال ذلك انتهى إعداد شقة الزوجية فقمنا بنقل
أثاث ابنتي إليها وفرشها على أتم وجه وجاء زوجها في الإجازة فوجد بيته كاملا
وزوجته وطفليه في انتظاره وسعدت به أسرته الصغيرة .. وسعدنا معها .. فإذا بزوج
ابنتي الهمام يطلبني بعد أيام ليستشيرني في أمر هام فتوجهت إليه فإذا به يقول لى
أمام ابنتي ما رأيك يا عمي في أن الشرع يسمح بتعدد الزوجات ولهذا فإني أريد أن
أتزوج مرة أخرى !
هذا
والله ما حدث وأمام زوجته الجميلة المطيعة التي كانت تنتظره بلهفة وأحاطته
برعايتها منذ عودته .. لقد ذهلت مما قال ثم تكلمت فلم أجبه إلا بما يقول به الشرع
الحنيف في هذا الخصوص وما يقوله ولي الأمر من أن بلادنا تعاني من الانفجار السكاني
وليست هناك ضرورة لمثل هذا الزواج لمن لا ينقصه شئ .. وزوجته لا تخالفه ولا تحرمه
وقد أنعم الله عليه بطفلين جميلين فهو ليس محرومًا من الإنجاب ولا من أي شئ.
أما ابنتي فقد أجابته بما يقضي به الشرع
والقانون في هذا الشأن من ضرورة موافقتها على زواجه .. أو تسريحها بإحسان إذا أبت
على نفسها ذلك , وهي تأبى وعاشت في قلق وكدر بسبب هذا الأمر .
فما
رأيك يا سيدي فى ذلك؟ وقد فعلنا كل ما بوسعنا لنوفر له الراحة والسعادة وقمنا
بأعبائنا بكل سرور من أجل ابنتنا .. حتى إنني وأنا الشيخ المسن طلب مني أن أقوم
عنه وهو موجود , بإجراءات إجازة زوجته فقمت بها راضيًا رغم ما في ذلك من مشقة علي
ثم بعد ذلك يستشيرني في أن يكسر قلب ابنتي بالزواج عليها ويطلب رأيي فى ذلك فماذا
أقول له ؟
ولكاتب هذه الرسالة أقول:
قل
له يا سيدي إن لم تستحِ فاصنع ما شئت ! لأن من لا يخجل من إحراجك وتكديرك وتكدير
ابنتك بهذا الأمر ولما يمض على زواجه منها سوى ثلاث سنوات أو أربع.. وفى أول إجازة
يعود فيها إليها قد لا تجدي معه المناقشة والإقناع.
ومع
ذلك فلو أراد المناقشة فإنك تستطيع أن تقول له إن الرجل إذا اشترط لزوجته ألا
يتزوج عليها لزمه هذا الشرط وكان من حقها الطلاق إذا تزوج عليها وأن الفقهاء
يقولون أن المشروط عرفًا كالمشروط لفظًا , بمعنى أنه حتى وإن لم تشترط المرأة في
عقد زواجها ألا يتزوج عليها زوجها , فإن هذا الشرط يلزمه عرفًا ويعطيها حق الطلاق
منه إذا تزوج عليها , ومن هنا جاء شرط استئذان الزوجة وموافقتها في القانون وإلا
كان من حقها الطلاق إذا تزوج زوجها عليها.
وكل
ظروف زوج ابنتك حسبما جاء في رسالتك لا تبرر له هذه الرغبة ولا تفسرها تفسيرًا
مقبولاً, إلا إذا امتنعت زوجته عن مصاحبته إلى مقر عمله ولم يصبر على هذه الحياة
بغير زوجة خلال شهور غيابه عنها وفيما عدا ذلك , فلا المبرر الشرعي المقبول لهذا
الزواج الثاني قائم ولا شرط القدرة المادية متوافر وهو من لم تكد أسرته
"الصغيرة الجديدة" تخرج من تحت مظلة دعمكم المادي إلا منذ شهور أو
أسابيع .. فما معنى هذا البطر؟
يا
سيدي قل له كل ذلك وذكره أن التعدد ليس أمرا واجبًا ولا مندوبًا أو مفضلاً وأنه ما
لم تكن له ضرورة شرعية وتوافرت لطالبه شروط القدرة المادية والصحية والعدل المطلق الذي
يكاد يكون شرطًا معجزا , فإن سنة الحياة الطبيعية بلا مشاكل أو أعباء نفسية
وعاطفية ومادية إضافية أفضل وأقرب كثيرًا إلى الرحمة بنفسه وبمن يعاشر.
وأنصح
ابنتك بأن تتبع زوجها إلى حيث يقيم وبألا تتنازل عن حقها فى الطلاق إذا عاد لمثل
هذه التطلعات التي أشقت حياتنا وزادتها اختناقًا فلعله يرجع عنها رحمة بها وبك
وبنا.. والسلام.
· نشرت في جريدة الأهرام "باب بريد الجمعة" عام 1992
راجعها وأعدها للنشر / نيفين علي

برجاء عدم النسخ احتراما لمجهود فريق العمل في المدونة وكل من ينسخ يعرض صفحته للحذف بموجب حقوق النشر