الأرض الجديدة تتبع رسالة "الأرض الخراب".. رسالة من بريد الجمعة عام 1991

الأرض الجديدة تتبع رسالة "الأرض الخراب".. رسالة من بريد الجمعة عام 1991 

الأرض الجديدة تتبع رسالة "الأرض الخراب".. رسالة من بريد الجمعة عام 1991


استرضاء النفوس  مهمة عسيرة تتطلب صبراً ومثابرة ، وما تفسده الشرور منها في لحظات قد يحتاج إلى شهور وأحياناً إلى سنوات لإزالة آثاره عنها . وسيكون الفيصل  دائماً في عودة العلاقة الطبيعية بينك وبين كل من تتعامل معهم هو التزامك بالنهج القويم في علاقتك مع البشر ومع الحياة فإذا ثابرت على الطريق وتحملت ضريبته فلابد أن تصل ذات يوم إلى ما تنشد من أمان وسلام وحياة سعيدة إن شاء الله.  

    عبد الوهاب مطاوع

                                                                    


أنا "الأرض الخراب" .. أو صاحبة الرسالة التي سميتها كذلك لأني كنت سامحني الله وغفر لي أسعد بخراب البيوت وأفرح عند سماع الصراخ على ميت .. وأسعى بالوقيعة بين الأزواج وزوجاتهم وأتهم الزوجات في شرفهن وأتلذذ بطلاقهن وتشردهن انتقاماً ممن آذوني وأنا طفلة صغيرة سوداء اللون وكانوا ينفرون من لعبي معهم ، ومن أمي التي قست عليَّ في طفولتي ، إنني أكتب إليك الآن لأقول لك أنني بدأت خروجي من الأرض الخراب ولن أعود إليها إن شاء الله .. فقد عملت بنصيحتك بعد تفكير طويل وحاولت أن أكفَّر عن جرائمي فذهبت إلى الأزواج الذين هدمت بيوتهم وكفَّرت لهم عما فعلت وطلبت منهم الصفح والسماح .. وكادت "المسألة" تصل للبوليس لولا رحمة ربنا بي ولولا أني هددتهم بالانتحار إذا فعلوا – وكذلك فعلت مع الزوجات ودعت عليَّ بعضهن لكنهن سامحنني في النهاية والمسامح ربنا .

 

وأرجو منك أنت أيضاً أن تسامحني على ما فعلت وأشكرك رغم قسوتك عليَّ في الرد لأني لا أستحق كل ما قلت عني ولأنك أخرجتني من الظلام الذي كنت أعيش فيه ويكفي أنني بدأت الآن أعرف النوم المطمئن الهادئ لأول مرة منذ سنوات .. وأطلب من الله العفو والمغفرة لكن بقيت مسألة واحدة لم أتصرف فيها بعد هي مسألة زميلتي في العمل التي كنت قد سعيت بالوقيعة بينها وبين رئيستنا في العمل بالرغم من وقوف هذه الزميلة معي طوال دراستي بمعهد التعاون .. فقد قاطعتني هذه الصديقة من ذلك اليوم ولا أعرف كيف أصلح ما فعلت معها وأرجو أن تساعدني في ذلك وأنا الآن أحاول أن أطهر نفسي وأن أنظر للحياة بأمل كما نصحتني في الردود الخاصة حين كتبت لك أول مرة قبل نشر رسالتي .

 

وإن كانت حياتي لم تتخلص بعد من كل متاعبها .. فأبي مازال دائم الشجار معي أنا وأخواتي البنات ويعايرنا دائماً بأننا لم نتزوج حتى أنني ذهبت مع صديقة لي لدجالة لكي تساعدنا في الزواج بلا فائدة وقد خطبت قبل ذلك لشاب لكن عمله لا يناسبني لأنه يعمل في الليل وينام في النهار وأنا أعمل في النهار كما أني حصلت على بكالوريوس معهد التعاون بتقدير مقبول ومهنته لا تتناسب مع مؤهلي .. إنني أسير في الطريق الذي نصحتني به – وأرجو ألا تتخلى عني .. وأن تدعو لي ربك ورب الجميع أن يسامحني ويغفر لي وأن يسامحني الناس وينسوا لي ما فعلت بهم .. وليرحم الله أمي ويكفر عنا جميعاً سيئاتنا والسلام عليكم ورحمة الله .

 

           ولكاتبة هذه الرسالة أقول :

قال أحد الصالحين : "ليس البكاء بتعصير العيون .. وإنما بأن تترك الأمر الذي تبكي ندماً عليه" .

وهذا صحيح يا آنستي فإن كان عزمك قد صح على أن تتحولي من أرض خراب إلى أرض صالحة تنبت الخير لنفسها وللآخرين ، فإنه يصبح حقاً عليك أن تتركي كل ما كنت فيه خلال جاهليتك وضلالك السابقين ، وأن تندمي الندم الصادق عليه بالإقلاع عنه والتكفير عما فعلت . والتوبة الصادقة تجُبُّ ما قبلها ويغفر الله بها لمن يشاء كل الذنوب وإن عظمت ولا يبالي ، وها قد أثبتت لك الحياة أن في الناس خيراً كثيراً لم يكن لك به ثقة من قبل .. فالأزواج الذين هدمت بيوتهم .. لم يؤذوك إيذاءً حقيقياً حين صارحتهم بما فعلت وطلبت عفوهم وما كان تهديدهم لك بالشرطة إلا ضريبة هينة لم تخرج إلى حيز الفعل ولم تتعد حدود التعبير عن الضيق والغضب مما فعلت وكذلك فعلت معك الزوجات البائسات .. ولم يحجب عنك الجميع صفحهم رغم المرارة وفداحة الجريمة .. وما أحسب أن زميلتك في العمل سوف تضن عليك به هي الأخرى إذا لمست فيك تحولاً صادقاً ! عن كف الأذى وإلى حب الآخرين والندم على ما كان ، فاجعلي سفيرك إلى استعادة مودتها وصفحها سعيك لإصلاح ما أفسدت من أمرها مع رئيستها .. وتحملي جفاءها .. وتشككها فيك إلى أن تثبت لها الأيام عكس ظنونها .. فاسترضاء النفوس  مهمة عسيرة تتطلب صبراً ومثابرة ، وما تفسده الشرور منها في لحظات قد يحتاج إلى شهور وأحياناً إلى سنوات لإزالة آثاره عنها . وسيكون الفيصل  دائماً في عودة العلاقة الطبيعية بينك وبين كل من تتعاملين معهم هو التزامك بالنهج القويم في علاقتك مع البشر ومع الحياة فإذا ثابرت على الطريق وتحملت ضريبته فلابد أن تصلي ذات يوم إلى ما تنشدين من أمان وسلام وحياة سعيدة إن شاء الله .. وشكراً لك .

  رابط رسالة الأرض الخراب


نشرت في جريدة الأهرام باب بريد الجمعة سنة 1991

راجعها وأعدها للنشر/ نيفـين علي

 

Neveen Ali
Neveen Ali
كل ما تقدمه يعود إليك فاملأ كأسك اليوم بما تريد أن تشربه غداً
تعليقات