فوق المنصة .. رسالة من بريد الجمعة عام 1995
أكتب رسالتي هذه لأعلق على قصة كاتبة رسالة "اللقب الأبغض" التي تحكي عن معاناتها بعد سجن زوجها بسبب خيانته الأمانة رغم أنه موظف محترم وهي كذلك , وحيرتها بأبنائها الأربعة الصغار الذين تزعم لهم أن أباهم على سفر إلى الخارج لإعداد رسالة الدكتوراه تجنبا للحرج الانساني المؤلم . واشقافا عليهم من معرفة الحقيقة المرة.
وما أريد أن أقوله لها هو أنني اتفق معك تماما في أن الدرس الوحيد الذي يخرج به من تضطره الظروف إلى دخول السجن إذا كان انسانا طبيعيا وليس مجرما محترفا هو أنه لا يجب أن يخطئ مرة أخرى في حق المجتمع وفي حق أسرته فيرجع إلى السجن البغيض.
فمنذ ثلاثين سنة كنت موظفا بمؤهل متوسط ودخلي يكفي نفقاني ولا أطمع في شئ لا أستطيعه كما كنت محبوبا من زملائي وزميلاتي ولم يخطر بذهني لحظة أن أمد يدي إلى المال الحرام إلى أن جاء يوم واكتشفت فيه فقد 75 جنيها من عهدتي .. وكان مبلغا كبيرا في ذلك الوقت فحاولت تدبير هذا المبلغ لسد العجز بشتى الطرق فلم أستطع وشعرت باليأس وبأن مصيري سيكون السجن والظلام لا محالة عند اكتشاف هذا العجز وقلت لنفسي أنه طالما كانت النتيجة واحدة وهي السجن والتشريد من الوظيفة إذن فلأعش حياتي كيفما أشاء إلى أن يقضي الله أمرا كان مفعولا ويتكشف عجز عهدتي , وهكذا امتدت يدي إلى المزيد والمزيد من نقود عهدتي وجاهدت لإخفاء ظروفي ومع ذلك فلقد كنت أشعر كل يوم أدخل فيه باب العمل بأن السجن يترصدني داخله ولن يتأخر عني طويلا ومضت الشهور بل والاعوام حتى اقترب المبلغ المختلس من عهدتي حوالى عشرة آلاف جنيه وهو مبلغ رهيب في ذلك الوقت , وكل ذلك والمفتشون الماليون يمرون علي ويكتبون في حقي أروع التقارير ! وكانت لي زوجة ساذجة تحسبني أهم موظف في الدولة ولا تستكثر علي أن تكون معي كل تلك النقود , وكان لي طفل عمره 4 سنوات , وكنت أحاول اقناع نفسي بأن الحياة كلها فساد في فساد وأن كبار القوم أيضا يفعلون ما أفعله وكان يؤيد هذا الزعم عندي ما كنت أراه أحيانا من تصرفات بعض قيادات العمل القريبين مني والذين لم يكونوا على مستوى عال من النزاهة إلى أن جاء يوم ضاقت بي فيه الأرض بما رحبت وأردت أن أحطم سلاسل الخوف والترقب التي تقضى مضجعي كل ليلة ولا تدعني أهنا بنوم مريح ولا بالاستمتاع بالمال الحرام الذي مددت يدي إليه , وفي لحظة يأس هان علي فيها كل شئ كتبت لرئيسي المباشرخطابا قلت له فيه ان لدي عجزا في عهدتي قدره عشرة آلاف جنيه وأنني سأجنبه رذاذ هذا الموضوع واتحمل مسئوليتي الكاملة عنه وطلبت منه أن يتخذ اللازم في مثل هذه الظروف.
وقد فعلت ذلك معه لأنه كان للحق أنزه رجل عرفته في حياتي والرجل مازال على قيد الحياة ويشهد بما قلت وبالطبع بدأت الاجراءات المعتادة والتحقيقات وانتهى الأمر بي إلى السجن .. وفيه وجدت مفاهيم جديدة للحياة وقيما مختلفة عنها خارج الاسوار , فأكثر النزلاء "احتراما" من المسجونين والحراس هم أكبرهم جريمة .. فالقاتل مثلا أعظم قدرا من سارق الفرخة أو من دخل في قضية دعارة ولم يستغرق الأمر طويلا نلث مكانتي اللائقة بين كبار النزلاء !
وكانت زوجتي وابني يزورانني باستمرار .. وكلما رأيتهما أدركت مدى فداحة جريمتي في حقهما هما أولا قبل المجتمع .. والشرف والأمانة وباقي الكلمات فمن يحب أسرته حقا كما قلت في ردك على كاتبة الرسالة لا يرضى لها بالهوان .. ولا بأن تطعم من حرام مهما كانت قسوة الظروف أو المغريات ناهيك عن عقاب السماء الذي قلت أنك تسكت عن الحديث عنه في ردك لأن السكوت عن المعلوم بلاغة "كما يقول البلغاء" ورحت أمضي وقتي في المكتبة حتى قرأت كل ما بها من كتب وكان لهدوئي واحترامي لنفسي أثر هام في علاقتي بالمسئولين عن السجن والنزلاء وكان الجميع يشفقون علي ويتعجبون كيف لعاقل مثلي أن يرتكب ما ارتكبت من خطأ.
ودرست بالسجن والتحقت بالجامعة وصادف يوم حصولي على الشهادة الجامعية يوم خروجي من السجن وأنا لا أملك شيئا .. وطلبت من ربي وأنا أسير إلى جوار العسكري الذي يسلمني لمديرية الأمن تمهيدا للإفراج عني أن يقبل توبني ويعفو عني ويفتح لي باب الرزق الحلال .. وأن يرسله إلي .. لأني لا أريد من البشر شيئا .
وبعد فترة التحقت بعمل بسيط .. ثم شاءت إرادة الله أن أرجع إلى عملي السابق وأن أبدأ فيه حياة جديدة فعوملت بالمؤهل العالي الذي حصلت عليه خلال محنة السجن بعد أن كنت موظفا بالمؤهل المتوسط وواصلت عملي بكفاءة وأمانة وترقيت فيه حتى وصلت إلى عمل قيادي وأصبحت تحت يدي أموال كثيرة لكني كنت قد وعيت الدرس جيدا فاقتديت برئيسي السابق الذي أشفقت عليه من أن يصيبه رذاذ فعلتي وهو الإنسان الشريف وإتبعت خطواته في سياسته وأمانته فعلا قدري في نظر المجتمع الذي أعيش فيه وأصبحت موضع مشورة من حولي .. بل وأصبحت أيضا ألقي المحاضرات في قاعات المحاضرات .. ورزقني الله بالبنين والبنات وتخرج الكبار منهم في الجامعة وعملوا.
والقصة مازالت طويلة وكثيرة التفاصيل والدروس لكني أشفق على وقتك منها .. وليت الحكومة تستفيد من تجربتي في الحفاظ على أموالها كما أرجو أن تقول لكاتبة الرسالة أن سجن زوجها ليس نهاية الرحلة ولكن بشرط أن يستفيد من خطئه وتجربته .. فهناك من يخالفون القوانين السماوية وليس القوانين الوضعية فقط .. ومع ذلك يمهلهم الله ويفتح لهم باب التوبة والعودة للطريق القويم في أية لحظة "ومن كان منكم بلا خطيئة فليرمها بحجر" .. كما قال السيد المسيح عليه السلام والمهم دائما هو أن تكون لدى زوجها القوة لمواجهة المجتمع بعد خروجه والقوة لأن يبدأ من جديد ويحاول إعادة بناء ثقة الناس فيه مرة أخرى وأن يتقن عمله مهما كان بسيطا ويؤديه بإخلاص وأمانة وباب التوبة مفتوح إناء الليل واطراف النهار للجميع .. كما أنصحه وأنصح غيره بألا يخالف القانون أبدا حتى ولو كان هذا القانون ظالما كما فعل سقراط حين حكم عليه بالاعدام ظلما ومع ذلك فلقد رفض الهرب استجابة لرجاء تلاميذه احتراما لقانون أثينا ولو كان ظالما !
وهذا ما أفعله عند عودتي للحياة الكريمة .. ويكفيني الآن ما أشعر به من سعادة حين أصعد إلى المنصة لألقي محاضرة فألمس سرور الحاضرين بي واحترامهم لي فاستعيد شريط الذكريات وأشكر ربي على رحمته بي وعدم اغلاق باب التوبة في وجهي وأقول دائما "سبحانه وتعالى يعز من يشاء ويذل من يشاء وهو على كل شئ قدير".
والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته .
* رابط رسالة اللقب الأبغض في نهاية الرسالة
جميع الحقوق محفوظة لمدونة "من الأدب الإنساني لعبد الوهاب مطاوع"
abdelwahabmetawe.blogspot.com
ولـكــــاتــــب هــــذه الـرســـــالـة أقـــــول:
استوقفني في رسالتك المفيدة هذه موقفان جديران بالتأمل لأنهما إنما يكشفان عن بعض ألغاز النفس البشرية والمستعصية أحيانا على الفهم والتفسير .
أما الموقف الأول فهو ما فعلت حين عجزت عن تدبير مبلغ العجز البسيط في عهدتك المالية ويئست من ذلك تماما فإذا بك بدلا من مواجهة الواقع بشجاعة وتحمل كل تبعات هذه المواجهة بشرف أملا أن يشفع لك حسن نيتك وقلة خبرتك وقتها في تخفيف العقاب , إذا بك تستسلم لليأس العاجز وتوهم نفسك بأنه مادام السجن والظلام هي مصيرك الآن أو غدا إذن فلتتماد في الخطأ وخيانة الأمانة والاستمتاع بملذات الحياة والمال الحرام التي أن تقع الواقعة فتلقى نفس المصير الذي كنت ستلقاه لو كنت قد تحملت مسئولية المواجهة منذ البداية .. فهذا الموقف البسيط يلخص خطأين أساسيين من أكثر أخطاء الإنسان شيوعا وأعظمها مسئولية عن تعاسته وشقائه في كثير من الأحيان , هما اليأس من محاولة الاصلاح أو الأمل فيه والعجز عن مواجهة الواقع واللجوء إلى الهروب منه بخداع النفس بالحيل والأوهام , وليس أخطر من إنسان يائس كما يقول لنا الروائي العظيم ديستويفكي لأنه قادر دائما على ارتكاب أبشع الأخطاء في حق نفسه وحق الآخرين حين تستوي لديه قيم الأشياء فتتساوى عنده الحياة والموت , والجريمة والسجن والحياة بشرف والحياة بدونه .. إلخ .. ومن هنا جاءت حكمة التوبة والأمل دائما في رحمة الله وعفو المجتمع عما قد يتورط فيه الإنسان من أخطاء خلال الطريق ..
إذ ماذا يدفع الإنسان لتحمل "تكاليف " العودة إلى الطريق القويم .. وهي تكاليف بالفعل تعده بالحرمان من بعض الملذات وكبح الشهوات نعم ماذا يدفعه إلى ذلك إذا تيقن تماما من أنه لا أمل في صفح .. ولا غفران .. الآن أو غدا .. أو في أي وقت آخر ؟
واليائس إنسان "تيقن" من عجزه عن حل مشكلة ما فتصرف فيها وفي حياته تصرف اليائسين وهو الإمعان في الخطيئة .
وكذلك فإنه من قبيل الهروب من مواجهة الواقع بخداع النفس ما يفعله الإنسان أحيانا حين يحاول أن يبرر لنفسه أخطاءه بأنه ليس الخاطئ الوحيد في الحياة وإنما هكذا يفعل الآخرون ؟
وهذا خداع شائع للنفس ومغالطة بديهية لا يقتنع بها إلا من يريد عمدا أن يتوهمها بسبب بسيط هو أن الخطأ لا يبرر الخطأ أبدا ولا يشفع له .. ولأن شيوع الخطأ مهما شاع أو انتشر لا يخرج به أبدا من دائرة المحظور الديني والأخلاقي إلى دائرة المباح والعفو.
نعم قد يؤدي شيوع الخطأ إلى ضعف حدة استهجانه بعض الشئ أو انخفاض درجة التعجب له بحكم الاعتياد على رؤيته على مر السنين لكنه أبدا لا ينقله من دائرة المحظور إلى دائرة المسموح مهما حاولنا أن نفعل .. فالقتل كان أول جريمة بشرية عرفها الإنسان فقد قتل قابيل أخاه هابيل, وبعد ملايين السنين وملايين الجرائم مازالت جريمة وستظل كذلك وحين يتسمم الإنسان بخداع النفس فإنه يعجز دائما عن اتخاذ القرارات الصائبة لحياته ولهذا فلقد تماديت في خطئك بدلا من أن ترجع عنه وقادك التمادي إلى لحظة المواجهة الفاصلة .. وهي الموقف الثاني الذي أثار تأملاتي في قصتك , فلقد ضاقت بك الأرض بما رحبت وضاقت سلاسل الخوف وترقب الكارثة الثقيلة حول عنقك وضميرك وقلبك حتى عجزت عن المزيد من الاحتمال وعرفت بالمعاناة والخوف أنك لم تهنأ بالمال الحرام .. ولم تستمتع معه بنوم المطمئن .. الذي كنت تستمتع به قبل أن تلوث يديك بالخطيئة .. فأقدمت على الخطوة الصحيحة التي كان ينبغي أن تبدأ بها منذ البداية وهي المواجهة وتحمل التبعات وإذا بك تكتب رسالة لرئيسك المباشر تصارحه فيها بالحقيقة وتؤكد له أنك سوف تحميه من أي رذاذ قد يصيبه من جراء فعلتك لأنه رجل شريف ومن أنزه من عرفت من الرجال ..فهل فكرت يا سيدي في مغزى هذا التصرف الأمين من جانبك تجاه هذا الرجل الشريف ؟ إنه يكشف عن أنك كنت طوال الوقت حتى وأنت في بحر الخطيئة تنطوي على اعجاب باطني بهذا الرجل لنزاهته وتعففه عن الحرام الذي تلوثت به يداك رغم قدرته عليه .. وربما أيضا رغم حاجته إليه , فماذا نفهم من ذلك؟
ألا يعني هذا أن الإنسان مهما حاول أن يخدع نفسه عن الحقيقة بشتى الحيل النفسية .. من تبرير وانتحال للأعذار لا يستطيع أبدأ إلا أن يعجب بل وأن يغبط في أعماق نفسه من هم أقوى منه إرادة وصلابة أمام ضعفه البشري ومن هم أكثر صمودا منه أمام نداء الخطيئة ونداءات الاغراء المختلفة.
أولا يعني ذلك أيضا أنه مهما تظاهر الإنسان بالاستهانة بالمثل العليا والقيم الدينية والأخلاقية فإنه يتمناها لنفسه في أعماقه فإذا صادفها لدى الآخرين لم يستطع إلا أن يسلم داخليا بأنهم أفضل منه حتى ولو لم يعلن ذلك للآخرين أو لا يعني ذلك في النهاية أنه مهما اجتهد الإنسان في خداع النفس فإنه لا يستطيع أن ينقل "الخطأ" أبدا من دائرته إلى أي دائرة أخرى بدليل إعجابه الباطني الصامت بمن لا يشاركونه نفس الرغبة في تحريك الخطأ من مكانة الطبيعي ؟
إنها تأملات أثارتها لدي رسالتك الطيبة هذه وأرجو ألا تشتم فيها أي لوم أو عتاب على خطأ قديم دفعت ثمنه وأديت ضريبته .. فالحق أنني لا أحمل لك إلا الإعجاب بانتصارك على نفسك واختيارك الحر لشاطئ الكرامة والأمان .. فهنيئا لك ما حققت لنفسك وأسرتك بعد المحنة وهنيئا لك رضاؤك عن نفسك وأنت تجلس فوق المنصة وتحاضر الآخرين وتحس اعجابهم بك .. واحترامهم لك فلا شك أنك جدير بهذا الاحترام .. لأنك تدفع "تكاليفه" وتتحمل تبعاته .. وشكرا لك.
نشرت في جريدة الأهرام "باب بريد الجمعة"مارس 1995
كتابة النص من مصدره / بسنت محمود
راجعها وأعدها للنشر / نيفين علي

برجاء عدم النسخ احتراما لمجهود فريق العمل في المدونة وكل من ينسخ يعرض صفحته للحذف بموجب حقوق النشر