رغبة صغيرة .. رسالة من بريد الجمعة عام 1995

رغبة صغيرة .. رسالة من بريد الجمعة عام 1995

رغبة صغيرة .. رسالة من بريد الجمعة عام 1995

 

أنا سيدة في الخامسة والثلاثين من عمري أعمل محاسبه بإحدى الهيئات، تزوجت منذ عشر سنوات من شاب يكبرني بخمس سنوات ويعمل بإحدى الهيئات وزوجي والحمد لله شاب في منتهى الحيوية والشباب ولكنه كان قد أصيب قبل زواجنا بمرض ترك أثره عليه في عدم قدرته على الإنجاب فتقبلت أقداري .. ورضيت عن حياتي وسعدت بها ولم يضايقني شئ فيها سوى كثرة تغيبه بسبب عمله المستمر في أماكن خارج القاهرة مما جعلني وحيدة معظم أيام الشهر.

 وفى بداية حياتي معه لم أكن أشعر بالوحدة كثيرا .. فقد كنا نقيم بشقه مؤقتة قريبة من أسرتي .. وكان أثاثنا بسيطا .. وحياتنا بسيطة فأكرمنا الله بعد خمس سنوات بتسلم زوجي لشقه مناسبة في حي لائق وأصبح لدينا أثاث جميل وما نحتاج إليه من أجهزة وكماليات بفضل الحب .. وبفضل رغبتي في تحسين مستوى معيشتي فكنت أشترى هذه الأجهزة بالتقسيط من مرتبي وأغير الأثاث بما املك من بعض النقود كما ساعدت زوجي في شراء سيارة .. ووافقته بترحيب على أن يسجلها باسمه لكيلا أحرجه ولأنه أيضا اشترك في ثمنها بمبلغ وأتكفل بمتطلباتي واشترى كماليات البيت بإرادتي واختياري ورغم أن زوجي لم يطالبني قط بأي مبالغ مالية وهو ليس طماعا أبدا والحمد لله .. وقد ساعدت نفسي على التغلب على مشكلة الوحدة وعدم وجود أطفال بتنمية هواياتي واستثمارها فيما يفيد ويزيد من دخلي وحققت في ذلك نجاحا يسعدني.

 ومضت حياتي هادئة جميلة وزوجي الحبيب يغيب في عمله البعيد 15 أو 20 يوما ..ثم يرجع في إجازة لمدة 5 أو 6 أيام فانتظره في لهفة وأستقبله بشوق بالغ فنقضى هذه الأيام القليلة معا لا نفترق .. وظل هذا شأننا حتى بداية الصيف الماضي حين لاحظت عليه فجأة كثرة خروجه بمفرده في أيام الإجازة القليلة وبأعذار مختلفة رغم أنى قد حصلت من عملي على إجازة بدون مرتب لمدة عام كي أتفرغ له حين يرجع في إجازته كل الوقت وليستريح من بعض ظروف العمل غير المواتية.

 وفى إحدى المرات أراد توصيلي بالسيارة لبيت أسرتي وتركني فيه لكي يذهب بمفرده لزيارة صديق مريض .. فعرضت عليه أن اصحبه وأبقى بالسيارة إلى أن ينتهي من زيارة صديقه لكي نتحدث خلال الطريق فرفض وحين ألححت عليه في ذلك قال لي أنت تخنقينني .. أريد أن أكون وحدي .. فتركته يذهب لشأنه .. ومرت الحكاية بسلام إلى أن عاد للبيت ذات يوم وأنا أجلس في الصالون مع بعض الضيوف .. فلمحت بوجهه بمجرد دخوله بقعة حمراء ظننتها بقعة دم فسحبته من يده إلى غرفه النوم لكيلا يلاحظ الضيوف ما رأيت ومسحت له وجهه فإذا البقعة الحمراء أثر من أحمر شفاه .. وتماسكت إلى أن انصرف الضيوف بسلام ثم تفرغت له وطلبت منه تفسيرا لما رأيت ..واختصارا للتفاصيل فلقد اعترف لي بعد مراوغات طويلة وعناء شديد بأنه قد تعرف منذ شهور بسيدة مطلقه ولديها طفلة وتعمل مبرمجه كمبيوتر بإحدى السفارات الأجنبية .. وأنه قد تزوجها ..أو سيتزوجها ..أو يريد أن يتزوجها ؛ وتعجب لهذا التخبط فلقد روى لي القصة في نفس الليلة بشكل مختلف عدة مرات .

أما كيف تعرف بها فلقد حدث أنه كان يركب سيارة العمل، فصدمته سيارة صغيرة تركبها سيدة ترتدي الشورت وبجوارها شاب كان يعلمها قيادة السيارات فنزل زوجي غاضبا من سيارة العمل وطلب منها تعويضا لإصلاح سيارة العمل حتى لا يتحمله السائق إذا لم تفعل فأعطته 300 جنيه وحصل منها على بطاقة باسمها وعنوانها لكي يرد إليها باقي المبلغ إذا تكلف الإصلاح أقل .. وكان زوجي يروي لي القصة وقتها فخورا بما فعله معها بهدف أن يعلمها عدم الاستهتار بأرواح البشر وتم إصلاح السيارة وتبقي من قيمة التعويض مبلغ فسألني زوجي كيف يذهب بنفسه لإعادة المبلغ المتبقي فكانت بداية القصة !

ولست في حاجه لأن أقول لك أنني حزنت أو صدمت .. أو تزلزل كياني .. وطالبت زوجي بقطع أية صلة له بهذه السيدة .. ولقد فعلت كل ذلك ووعدني بأن يفعل .. وقال لي بعد أيام أنه قطع كل صله له بها ولم يعد يتصل بها لكن الشك في صدري لم يهدأ .. مع تضارب كلامه ووعوده فقررت أن أقطع الشك باليقين .. وأخرجت رقم التليفون الذي احتفظت به حين رأيته على بطاقتها القديمة واتصلت عليها وطلبت مقابلتها ورحبت هي وحددت لي موعدا في كافيتريا أحد الفنادق وخرجت لمقابلتها لأعرف منها مدى ما وصلت إليه علاقتها بزوجي فالتقيت بي وهي خائفة مني في البداية لكنها أطمئنت إلى أني مسالمة ولا أريد فضحها .. كما أني أتحدث معها بهدوء واحترام وأدب فتمالكت نفسها وقالت لي أن زوجي يحبني ولا ينفك عن الإشادة بى في حديثه معها .. وهذا ما أعجبها فيه فضلا على أنه متدين ويكره الحرام لهذا فقد ارتبطت به ولم تتم بعد خطبة بينهما لكنهما قد اتفقا على الزواج من ناحية المبدأ مع استمراري على ذمته بعد زواجهما المرتقب منه في القريب وتحدثنا ثلاث ساعات كاملة .. وخرجنا من الفندق وتصافحنا باحترام كأي صديقتين ورأسي يدور مما سمعته ورجعت إلى زوجي بما سمعت وعرفت وناقشته فيه وراوغني .. وجدد وعوده بالانقطاع عن هذه السيدة .. لكنه ويا للغرابة يطالبني بعدم الضغط عليه بشدة لإنهاء هذه القصة على الفور لأنها لن تنتهي دفعة واحدة وإنما يستغرق الأمر بعض الوقت ولابد لي من الصبر عليه حتى تنتهي نهاية طبيعية هادئة ..

وهو يؤكد لي كل يوم أنه يحبني وأكبر دليل على ذلك أنه لن يتزوج هذه السيدة مراعاة لي وأن كنت أنا المخطئة في موقفي هذا لأنه كان يتوقع مني أن أتحمل وأضحي من اجله وأتركه يخوض تجربته معها للنهاية ويتزوجها ولا اعترض من جانبي ولن اخسر شيء في النهاية ذلك أنه إذا أثبتت العشرة أنها سيدة طيبة وممتازة فلقد كسبنا أختا جديدة لي وإن كشفت التجربة أنها سيدة سيئة فسيطلقها .. ولن نخسر شيئا !

أما لماذا كان ينبغي علي أن أتحمل وأضحي .. فلكي لا يعيش وفي نفسه شيء تمناه ولم يستطيع تحقيقه "بسببي" وهذا هو منطقه والله العظيم ولا أعرف هل هو مقتنع حقا بما يقوله لي أم أنه يتظاهر بذلك ليبرر لي رغبته على حبي الشديد له ؟

أما الأخرى فلم أجد فيها حين التقيت بها شيئا غير عادي في شكلها ولا ملابسها ولا اكسسوارها سوى إنها ارتدت يوم مقابلتي لها البنطلون الضيق وجاءت شعرها مصبوغ صباغة فجة .. وركبت بعد انتهاء اللقاء المينى باص .. أي أنه لا سيارة هناك .. ولا جمال باهر ولا شيء مما قاله لي زوجي عنها في حين أنني محجبة ولا أدعي كذبا إذا قلت إنني جميلة بدرجة معقولة جدا والحمد لله .. وقد بدأت الأخرى تتصل بشقيقة زوجي المتعاطفة معي وتطلب منها أن يحسم زوجي الأمر معها .. حتى لا تظل معلقة إلى النهاية وحتى لو أصررت على موقفي وانتهى الأمر بطلاقي فهي قادرة بشخصيتها الساحرة وعطائها الدافق أن تعوضه عني وتنسيه أحزان الماضي ولا خوف على حقوقي فهي محفوظة بإذن الله وسوف يترك لي زوجي الشقة ويعيش في شقة أخرى ورثها مؤخرا في حي آخر..

أما زوجي فهو يتراوح بين التماسك الشديد بى.. والبكاء بين يدي بحرارة إذا أحس بأنني سأتركه وأعود إلى أسرتي .. وبين إشعاري بأنني "أنانية" ولا أريد أن أضحي من اجله وأوافق على أن يتزوج هذه السيدة ونعيش جميعا في تبات ونبات إخوة متحابين متراضين !!

إنني أكاد افقد عقلي مما أسمع من زوجي .. ومن شكي فيه أنه يلتقي بها كلما خرج لوحده ويفتعل الأسباب لكيلا أصاحبه .. وقد انتقل للعمل في القاهرة منذ شهور فاتسعت دائرة الشك والحيرة في حياتي إلى ما لا نهاية .. فبماذا تنصحني أن افعل يا سيدي ؟ هل أترك زوجي لهذه السيدة لكي تأخذ كل ما بنيته بالعرق والحب والدموع .. وتأخذ الإنسان الوحيد الذي أحببته بصدق وإخلاص لا لشئ إلا لأنها تريد أن تتزوج مرة أخرى بعد طلاقها من زوجها الأول الذي طلبت منه الطلاق لأنه ليس طموحا مثلها !!

وهل إذا تركته سيعوضني الله عنه بإنسان آخر أحبه وبحياة أسرية أخرى بعد أن حرمت من أمومتي طوال عشرة سنوات ؟ إنني لم أترك زوجي وأنا صغيرة في بداية زواجي لكي أتزوج غيره وأنجب أطفالا يملأون علي حياتي ورضيت بما أراده لي الله وتحملت كل شيء بدافع حبي له .. فهل اتركه الآن وقد بلغت الخامسة والثلاثين من عمري؟؟

وهل من العدل أنه بدلا من أن يقدر زوجي حبي له وتضحياتي من أجله أن يجيئني ليقول لي ببساطة أنه قد عرف امرأة أخرى ويريد أن يتزوجها مع احتفاظه بى مع أنه ليس محروما من شيء في حياته معي .. ويؤكد لي كل يوم أنه يحبني لكنه يزعم أن قلوب الرجال تختلف عن قلوب النساء لأنها يمكن أن تتسع لأكثر من واحدة في نفس الوقت وهل هذا حقا يا سيدي ؟

وهل من العدل أن أملأ بنقودي خزان السيارة بالبنزين .. لتركبها سيدة فاشلة فى حياتها الخاصة ومستهترة تقضى معه أوقاتها بدلا من أن تقضيها مع طفلتها الصغيرة ؟ إن زوجي سعيد للغاية بأنها قد وافقت عليه كزوج رغم أنه صارحها بعدم قدرته على الإنجاب ولا يصدق أن هناك امرأة قد قبلت به مع ظروفه هذه مع أن سبب القبول واضح وهى أن لديها طفلة وليست فى حاجة لمزيد من الأطفال فما وجه التضحية فى ذلك ؟؟لقد أحببت زوجي كثيرا وحاولت دائما أن أكون أفضل زوجه في الوجود وأن أكون له الزوجة المحبة المطيعة وفعلت أشياء كثيرة لا تفعلها سيدات أخريات حولي ولم أرهق زوجي بأي مطالب في الحياة ذات يوما وقدمت له كل شيء وسهلت عليه كل شيء فاستسهل أيضا كل شيء حتى المشاعر الثمينة .. فهل ذلك هو ثمن الحب والعطاء وماذا تقول لي ؟؟

 

ولكاتبة هذه الرسالة أقول :

لا شيء يعدل غرور الإنسان وأنانيته في بعض الأحيان . فهو يرى نفسه دائما جدير بأفضل الأشياء فإذا حالت بينه وبينها حوائل العرف والعدل وحقوق الآخرين عليه .. لم يتورع فى بعض الأحيان عن أن يستخدم الأساليب الميكيافلية في لي الحقائق ليسوغ المنطق المعكوس لنفسه والآخرين لتحقيق رغباته وأهوائه .. وقد يتعدى أكثر من ذلك فيصر أيضا ليس فقط على قبول الآخرين راغمين أو كارهين لرغباته وإنما على مباركتهم وابتهاجهم بها .

وهذا بالضبط هو ما يحاول أن يفعله معك زوجك الآن يا سيدتي حين يلومك على "بخلك" عليه بهذه "التضحية البسيطة " التي كان يتوقعها منك فتبتهجين للأنباء السارة وتتركينه ليتزوج من الأخرى فإذا كانت زوجة طيبة فلقد كسبنا "أختا " عزيزة جديدة وإذا لم تكن كذلك فلسوف يطلقها في هدوء وبلا خسائر نفسية ولا معنوية لأحد ولا عجب فى مثل هذا المنطق الغريب فكل ما يتفق مع رغباتنا وأهوائنا يبدو في نظرنا – نحن- حكيما ومعقولا كما يقول الأديب الفرنسي أندريه مورا.

ورغم تقديري لما في منطق زوجك من "حكمة "و"عدل" فإنني أقول لك أن الظروف التي قد يستند إليها زوج في مطالبة زوجته بألا تبخل عليه بمثل هذه التضحية حتى ولو كرهتها في أعماقها ليست متوافرة بأي حال من الأحوال في حالتك وبالتالي فإن اتهامك بالأنانية وعدم التضحية من اجل زوجك ليس في حقيقة الأمر سوى إسقاط نفسي من زوجك عليك يدفع به عن نفسه تهمة الذاتية والأنانية هذه فلست أنت الزوجة المحرومة من الإنجاب وهو الزوج القادر عليها فيتلهف لأن يتزوج أخرى تحقق له أمل الأبوة ويرجوك أن تتنازلي عن مشاعرك الشخصية إرضاء له ولا أنت الزوجة المرضية العاجزة عن تلبية احتياجاته العاطفية والإنسانية فالتمس ما ينقصه فيك لدى غيرك . ولا أنت الزوجة الكارهة أو المكروهة التي تنغص عليه حياته وتسومه سوء العذاب لكنه يتحمل عناء حياته معك كيلا يهدم أسرته ويمزق أطفاله بينكما .. فيهفو قلبه إلى نسائم السعادة للحب مع أخرى ويطالبك بقبول الأمر الواقع كخيار بديل للطلاق .. فبأي منطق يبرر زوجك مطالبته لك بهذه التضحية المضحكة وهو الذي يتمسك بك ولا يتخيل إمكانية انفصالك عنه وينهار باكيا إذا أحس بقرب نفاذ صبرك عليه ؟

وبأي منطق يحاول إقناعك بأن قلوب الرجال تختلف عن قلوب النساء فتتسع لحب أكثر من أمراه في نفس الوقت وبنفس الدرجة من المشاعر والأحاسيس ؟ يا سيدتي إنها مغالطة فاضحة لا أتصور أن يكون جاد في الاقتناع بها فقلوب الرجال كقلوب النساء لا تتسع في الوقت الواحد إلا لحب حقيقي واحد حتى وإن حملت بعض المودة لغيره .. والحب طائر شديد الأنانية لا يقبل شراكة احد في نفس اللحظة .. ولا في نفس المرحلة من العمر .

ومشكلتك هذه ما كان أسهل على زوجك من حلها لو واجه نفسه بصراحة وشجاعة نفسية فسألها : هل يحبك حقا كما يؤكد لك أم لا يحبك ؟ فإذا كان الجواب بالإيجاب فلا مجال لأي مناقشة في هذا الموضوع العجيب وإذا كان الجواب بالنفي فليتصرف وقفا لما يراه محقق لسعادته ومحققا للعدل معك .. ذلك أن أسوا حقيقة خير لنا من أجمل زيف ونصف شقاء الإنسان دائما يرجع فى تقديري إلى عجزه عن مواجهة مشاكله بواقعيه وشجاعة نفسية وأدبية بغير لي للحقائق وبغير الإصرار على أسلوب " حرب الخنادق" التى تطيل معاناته وتعذبه برغائب لا تحقق.. ولا يتنازل عنها فى نفس الوقت .

 

ففى حرب الخنادق يقف كل طرف في موقع ثابت ويطالب الآخر بالاستسلام لمطالبه والقبول بها .. فتمضى السنوات وكل طرف عند موقفه لا يغادره ولا يتنازل فى نفس الوقت عن مطالبه مكتفيا بانتظار تهاوى الطرف الأخر وتسليمه برغبته .. ومتكبدا طوال ذلك المعاناة النفسية والآلام ! ولا حل لمثل هذا العذاب سوى أن نتعلم فى بعض مواقف حياتنا المصرية استخدام هذه القاعدة البسيطة في التعامل والتي تترجمها هذه العبارة الأمريكية الشائعة " خذها .. أو أتركها ! " .. بمعنى انه إما أن تقبل بما هو معروض عليك وترضى عنه وتكيف حياتك وقفا له .. وإما أن ترفضه وتتحمل تبعات ذلك وتوائم حياتك معها .

أما أن ترفض القبول بالمعروض وترفض التخلي عنه في نفس الوقت لأنك تصر على تطويع هذا المعروض لرغباتك .. فلا معنى له إلا استمرار المعاناة لجميع أطراف المشكلة ..

لهذا فلست أرى لك أن تتنازلي عن زوجك لأخرى ليس لها فيها بعض ما لكي عليه من حقوق ولا أدرى لك بالطبع قبول شاركتها معك فيه .. لكنى أطالبك فى نفس الوقت بأن تحددي موعدا نهائيا وعادلا لوضع نهاية لعذاب حرب الخنادق التي لا تحسن موقفا .. ولا نصر فيها ولا هزيمة.

ولأني أستشعر حبك لزوجك وشدة رغبتك فيها فأنى أطالبك بإعطائه مهلة أخيرة يثوب فيها إلى نفسه ويخرج من خندقه فيكتفي بك ويطرح عن رأسه هذه الخزعبلات التي يحاول أقناعك بها . أو يواجه نفسه بشجاعة وأمانة ويتصرف معك وافقا لما تمليه عليه هذه الأمانة.

فإذا كان قد سعد بتنازع امرأتين عليه بعض الوقت ..فيكفيه ما أحسه من "انتشاء" حتى الآن بسبب ذلك ولا يجوز له أن يطالب الاثنتين باستمرار " الرواية " أكثر من ذلك وإن كنت لا أرى أي مبرر للنشوة والانتشاء .. إذا لا يعدم أي رجل مهما كان شأنه أن يجد ذات يوم من ترغب فيه ولا تعدم أي أمراه مهما كان شانها أن تجد طامعا فيها . وما أسهل الضعف والخطأ على ذوى الإرادة الضعيفة .. وما أسهل الترفع عنه على ذوى النفوس الكبيرة . وأكبر الكوارث إنما تبدأ دائما بالأخطاء الصغيرة لهذا يقول لنا الشاعر الانجليزي وليم بليك أنه من الأفضل لنا أن نقتل مولودا في المهد من أن نربى رغبات وأهواء لن نستطيع تحقيقها .

وزوجك لم يقتل المولود في المهد للأسف ... لهذا فهو يواجه الآن موقف ربى رغبة مستحيلة لا يستطيع تحقيقها .. وبدلا من أن يرجع عن خيانته للحب والوفاء ويندم عليها ويعتذر عنها راح يطالبك بمساعدته على تحقيقها بقبولك زواجه من الأخرى مع استمرارك معه ..لأنه لا يتحمل أن يفقدك ويضحى بك لتحقيق رغباته ولا يحتمل أن يضحى بهذه الرغبة لسبب " رهيب" هو انه لا يريد أن يعيش حياته معك وهو ينطوي لك على أحساس باللوم أن كانت له ذات يوم " رغبة صغيرة " في امرأة أخرى لكنك بأنانيتك فى الحب – يا للقسوة – قد حرمته منها !

وصدق سبحانه إذ قال:

وَإِذَا أَنْعَمْنَا عَلَى الإِنسَانِ أَعْرَضَ وَنَأَى بِجَانِبِهِ وَإِذَا مَسَّهُ الشَّرُّ فَذُو دُعَاء عَرِيضٍ

 ·       نشرت في جريدة الأهرام "باب بريد الجمعة" عام 1995

راجعها وأعدها للنشر / نيفين علي


Neveen Ali
Neveen Ali
كل ما تقدمه يعود إليك فاملأ كأسك اليوم بما تريد أن تشربه غداً
تعليقات