الإجازة الأخيرة ..رسالة من بريد الجمعة عام 1995

الإجازة الأخيرة ..رسالة من بريد الجمعة عام 1995

الإجازة الأخيرة ..رسالة من بريد الجمعة عام 1995

 

أكتب إليك رسالتي هذه وأنا في أشد الحاجة إلى كلماتك الشافية لكل نفس تلجأ إليك , فأنا سيدة في الرابعة والثلاثين من عمري , تزوجت منذ 12 عاما من شاب مهندس معماري كريم الأخلاق والطباع وبدأنا حياتنا الزوجية كأي شابين في مقتبل حياتهما بإمكانيات بسيطة وآمال كبيرة في المستقبل والسعادة والحياة الكريمة , ولم تطل معاناتنا لصعوبات البداية كثيرا , فلقد وفق الله زوجي في الحصول على عمل بإحدى الدول العربية فانتقل إليها وهيأ لنا فيها مسكنا صغيرا جميلا .. وانتقلنا للحياة معه هناك وأنجبت أطفالي الثلاثة .. ابنا وبنتين , وراح زوجي الحبيب يعمل كل ما في وسعه لاسعادنا وتلبية احتياجاتنا .. وتقدم الأبناء في العمر حتى بلغوا مرحلة التعليم الابتدائي فتميز ابني الحبيب بتفوقه الدراسي على مستوى المدينة التي نعيش فيها وحفظ الكثير من آيات الذكر الحكيم إلى جانب مواظبته على أداء الصلاة رغم صغر سنة .

وتعودنا في كل عام أن نرجع إلى مصر لنقضي الإجارة الصيفية مع الأهل ونستروح نسمات بلدنا وأحبائنا فيه , وبدأنا منذ عدة سنوات نقوم بهذه الرحلة بسيارتنا بدلا من الطائرة , فكنت أعد للرحلة متطلباتها من "ترموس" الماء والشاي وطعام الطريق ثم يقود زوجي السيارة في رحلة طويلة لا نكف خلالها عن الحديث ومداعبة الأبناء الثلاثة , وكلما شعر زوجي بالإرهاق من قيادة السيارة توقف في جانب الطريق واستسلم للنوم ساعة أو بضع ساعة ثم استيقظ مستعيدا نشاطه وواصل السفر , أما الأطفال الثلاثة فغالبا ما كانوا يستسلمون للنوم في المقعد الخلفي بعد بدء الرحلة بساعات مستندين إلى الحقائب وأكياس الهدايا للأهل والأقرباء.

وفي هذا العام قررنا أن نقضي الإجازة أيضا مع الأهل في مصر وقمنا بالرحلة المعتادة وسعدنا بالأهل والأقارب رغم افتقادي هذه المرة لأبي الحبيب الذي كان قد لبى نداء ربه قبل عودتي لمصر بشهرين للأسف.

وانتهت الإجازة سريعا كالعادة وبدأت استعد للعودة فانشغلت بشراء كل ما يلزمنا للسفر ولحياتنا هناك من بعض السلع والأطعمة المصرية الشهية التي نفضلها على غيرها .. ووجدتني لأول مرة اشتري للطفلتين فستانين جديدين لعيد الأضحى من مصر على خلاف عادتي كل سنة في شرائهما من أسواق المدينة التي نقيم بها .

وبدأنا الرحلة الطويلة بالسيارة إلى أن دخلنا إلى الأراضي السعودية في الصباح الباكر فشعر زوجي بالإجهاد من قيادة السيارة لساعات طويلة فتوقف للراحة قليلا واستسلم لإغفاءة قصيرة بينما راح الأطفال الثلاثة يمرحون من حولي .. ثم تنبه زوجي من غفوته واحتسى بعض الشاي وعاد لمواصلة الرحلة فلم أشعر بشئ بعد ذلك إلا وقد أصبحت السيارة التي نركبها حطاما .. وابني وقرة عيني راقدا على الأرض بلا حراك .. وزوجي لا ينطق وابنتي سارة ملقاه وبجوارها فستان العيد وجسمها النحيل ينزف دما .. ماذا حدث ؟ لا أدري .. كيف انقلبت بنا السيارة ؟ لا أعرف .. لقد نظرت فوجدت حولنا أشخاصا كثيرين ينقلوننا في حرص واهتمام إلى مستشفى تبوك وهناك نفذ سهم القضاء فتوفي زوجي الحبيب وابني الغالي وابنتي الجميلة الصغيرة ولم يبق سواي أنا وابنتي الأخرى وفي لمحة بصر تحطمت أسرة صغيرة كانت سعيدة وغاب عن الدنيا شمسها و أقمارها ولا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم.

ووجدت في المستشفى قلوبا رحيمة أحاطتني بعطفها وذكرتني بأن من أصابته مصيبة وأحتسبها عند ربه فإن أجره عليها عظيم , فلم أقل أو أفعل ما يغضب الله ولم أزد على أن رحت أردد دعائي وابتهالي إلى الله بأن يأجرني في مصيبتي ويعينني على احتمالها.

وفي اليوم التالي جاءتني أمانات المستشفى وسلمتني حقيبة يدي وحقيبة زوجي التي تحتوي على كل أوراقه الخاصة وبعمله .. وكان كفيل زوجي في هذه اللحظة بجواري فأخذ الحقيبتين نيابة عني نظرا لسوء حالتي وغادرت المستشفى مع ابنتي في صحبة أصدقاء زوجي الذين هرعوا إلينا من المدينة المنورة , وعدنا لمسكننا الصغير الذي أظلم بغياب شموسه وأقماره , وراح الأصدقاء وزوجاتهم جزاهم الله عنا خير الجزاء يشدون أزري ويعينونني على مواجهة الأمر الواقع والاستعداد للرجوع إلى بلادنا بعد تسوية مستحقات زوجي الراحل لدى كفيله وإنهاء الاجراءات الرسمية , وطالبت الكفيل برد حقيبة أوراق زوجى التي تسلمها في المستشفى نيابة عني ففوجئت به يرفض ردها بل وفوجئت به يستصدر لي وفي اليوم التالي لمغادرة المستشفى تأشيرة خروج نهائي من البلاد حتى لا أطالبه بمستحقات زوجي لديه , وتدخل أصدقاء زوجي لإلغاء هذه التأشيرة حتى أتمكن من انهاء الاجراءات وتسوية حقوق زوجي , وعاونهم في ذلك المنصفون من أهل المدينة , فبدأت مشاكلي مع الكفيل كأنما لم تكن المأساة الأليمة كافية وحدها لمعاناتي , وبنصيحة الأصدقاء تقدمت ببلاغ للشرطة ضد كفيل زوجي فسلم إلي في دائرة الشرطة الحقيبة فارغة تماما من كل الأوراق , ووصل الأمر إلى المحكمة الشرعية .. فأقسم الرجل أمام القاضي أنه لم يأخذ أية أوراق من الحقيبة ! ودخلت في متاهات طويلة ولجأت إلى السفارة المصرية ومقر الامارة ومكتب العمل وجمعية حنين الخيرية , ولكن دون جدوى ومن خلال أوراق قديمة عثرت عليها في مسكني حصلت على جزء ضئيل من مستحقات زوجي بعد أن اختفت الأوراق التي تثبت كامل حقوقه والتي أخفاها من استباح لنفسه أكل مال اليتيم .. طفلتي الصغيرة .. ولم يكتف بذلك بل وحرم زوجي أيضا من مكافأة نهاية الخدمة بحجة أنه لم يكن كفئا في العمل مع أن الجميع قد شهدوا له بالخلق والجدية في العمل بدليل استمراره في عمله مع هذا الكفيل لمدة 8 سنوات كاملة , وبعد رحلة عذاب وآلام استغرقت شهرا ونصف الشهر رجعت إلى بلدي وفي يدي بدلا من زوجي وابني وابنتي ثلاث شهادات وفاة صماء تنعي لي رحيل الأحباء وغياب الأمان والسعادة من حياتي إلى الأبد.

 أما إخواني المصريون هناك الذين أحاطوني أنا وطفلتي الناجية بعطفهم ومساندتهم وبذلوا أقصى ما في وسعهم لاستخلاص أقصى ما يستطيعون من مستحقات زوجي من بين براثن كفيلة سامحه الله , وعندى كل الأوراق التي تثبت ذلك , فماذا أستطيع أن أقول لهم سوى أن أطلب من الله سبحانه وتعالى أن يجزيهم عما فعلوا معي أفضل الجزاء وسوى أن أقول لهم أن ما فعلوه معي ليس بغريب عليهم وعلى المصريين جميعا ولعلي ما كتبت هذه الرسالة رغم ما أعانيه من آلام وأحزان إلا لكي أرجوك أن تشكرهم نيابة عني وأن تقول لهم إنكم تنفذون قيم الدين الحنيف كما ينبغي أن تكون بالأعمال وليس بالأقوال , والله أسأل مرة أخرى أن يأجرني في مصيبني وأن يعينني على احتمال الحياة بعدها والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته .

    

جميع الحقوق محفوظة لمدونة "من الأدب الإنساني لعبد الوهاب مطاوع"

abdelwahabmetawe.blogspot.com

 

ولكـاتـــــبــة هــــذه الرســــالـة أقـــــول:

 

من أحزان الحياة ما لا يطمع معها الإنسان أحيانا في أكثر من أن يعينه الله سبحانه وتعالى على أن يحيا "بها" ويتواءم معها إلى نهاية العمر.

وكما يحيا من اصابته الأقداربعاهة مزمنة لا مفر من القبول بها ومواصلة الحياة معها للنهاية . ولاشك أن ما امتحنتك به الأقدار هو من نوع هذه الأحزان الكبيرة التي تتضاءل إلى جوارها كل الآلام , ويحتاج المرء لأن يعتصم بإيمانه بربه في مواجهتها .. ويتسلح بالشجاعة لكي يحيا "بها" ويصمد لها ولسوف يعينك ربك يا سيدتي على كل ذلك إن شاء الله .. ولسوف تبدد طفلتك الناجية من الكارثة بعض ظلام هذه الأحزان الدامس وتجدد لديك القدرة على مواصلة الرحلة لأداء رسالتك النبيلة تجاهها.

أما شكرك لاخوانك الذين وقفوا إلى جوارك وأحاطوك بعطفهم وقلوبهم ومساندتهم لك في محنتك فاثبتوا لك بحق أن الدين المعاملة قبل أي شئ آخر .. والتشكر لهم واجب حقا .. و"المفارقة" التي تشيرين إليها بين ثنايا سطورك أيضا صارخة , وليس لدي من تعليق على ما فعله معك ذلك "الآخر " الذي اغتال حقوق طفلتك اليتيمة طمعا في متاع الدنيا القليل سوى أن أقول أنه حتى قبل نزول الرسالات السماوية كان من بين قوانين حمورابي ملك بابل "2100 قبل الميلاد" مادة تقول:

إذا خف أحد لاطفاء نار اشتغلت في منزل , وامتدت يده إلى شئ ما وسرقه فقد حق عليه أن يلقى في هذه النار نفسها ..ليس لأنه قد سرق فقط ، وإنما لأنه قد سرق حيث كانت تبنغي الشهامة والنخوة .. والفداء .. وهذا الكفيل قد "خف" إليك في المستشفى عقب وقوع الكارثة .. وتسلم نيابة عنك حقيبة أوراق زوجك فاستولى على ما بها من أوراق تثبت حقوق زوجك لديه وأخفاها .. فسرق بذلك في موضع الشهامة .. وحق عليه أن يضاعف له ربه حساب السماء حتى ولو أفلت من حساب الأرض .

لقد تحدثت عن قانون حمورابي .. فكيف بنواهي دينه وأوامره وقيمه السامية وكيف بحرمة مال اليتيم وبكل هذه الظروف المأساوية التي تلين لها الصخور .. ولم يلن لها قلبه ولا ضميره .. لقد ضاعف هذا الرجل من قسوة بلائك وإيلامه بدلا من أن يخفف منه بتحري العدل معك , ولا أقول النخوة ولا الشهامة فليهنأ إذن بما استخلص لنفسه من حقوق طفلتك اليتيمة الحائرة .. وليعوضك الله عما فقدت من أعزائك وأمانك وسعادتك خير الجزاء .. وبشر الصابرين "صدق الله العظيم" .

 

نشرت في جريدة الأهرام "باب بريد الجمعة" ابريل 1995

كتابة النص من مصدره / بسنت محمود

راجعها وأعدها للنشر / نيفين علي

Neveen Ali
Neveen Ali
كل ما تقدمه يعود إليك فاملأ كأسك اليوم بما تريد أن تشربه غداً
تعليقات