الطوفان .. رسالة من بريد الجمعة عام 1991

 

الطوفان .. رسالة من بريد الجمعة عام 1991

الطوفان .. رسالة من بريد الجمعة عام 1991

 

إنها ليست مشكلتي لكنها مشكلة شقيقي الذي أراه يتعذب أمامي ولا أملك له شيئا.

 أنه رجل فاضل تزوج وأنجب 4 أبناء يدرسون بالجامعات والمدارس .. ومشكلة حياته هي زوجته فهى سيدة لا مبالية ولا تهتم بشئ فى الحياة من بيتها إلى زوجها إلى أولادها "وهم أقرب الناس لها" بل ولا حتى بنفسها .. وهي لا تؤدي لبيتها ولا لأولادها أية حقوق ولا واجبات حتى أن شقيقي هو الذي يقوم لأولاده بكل شئ .. كأنه الأب والأم معا .. أو كأنه أرمل وجد نفسه مسئولا عن رعاية أيتام رحلت عنهم أمهم .. كما أن ابنه الأكبر هو الذى يتولى ميزانية البيت لأن الأم بكل أسف متلافة تبدد المرتب فى يومين وتجد الأسرة نفسها بلا مليم واحد حتى نهاية الشهر .. فهل سمعت عن شئ مثل هذا من قبل ؟

لقد سافر شقيقي للعمل في إحدى الدول العربية .. واغترب سنوات وكان يرسل لزوجته كل ما يزيد على نفقات حياته اليومية هناك فكانت تبدده أولا بأول كأنها مكلفة بمهمة تبديدها .. وبعد سنوات انتهت خدمته وتقاضى مكافأة نهاية الخدمة فأرسلها لزوجته قبل أيام من عودته فأسرعت هي وكأنها تسابق الزمن واشترت باسمها وليس باسمه وبكل المبلغ قطعة أرض صغيرة عليها بيت أصغر منها ولا يدر عائدا ولن يدر أى عائد في المستقبل .. وعاد شقيقي من رحلته فاكتشف أن شقاء الغربة كله قد تبدد فى الهواء ووجد نفسه وأسرته مطالبين بالعودة للتقشف ومعاناة متاعب الحياة كأنه لم يكافح ولم يغترب من أجل رفع مستوى حياة أسرته.

 

 ومضت السنوات وازداد الغلاء وازدادت المعاناة واضطر الأبناء إلى التدخل بعد أن عانوا الأهوال بسبب اسراف أمهم وسوء تقديرها وانتزعوا مصروف  البيت من يدها وأصبح الابن الأكبر هو المسئول عنه ويسلمه أبوه مرتبه كاملا .. ثم زادت صعوبة الحياة وضج الأبناء بالشكوى فطالبوا أمهم ببيع قطعة الأرض التى لا يستفيدون منها شيئا ووضع ثمنها فى البنك لكي يسهم عائده فى تخفيف متاعب الحياة عنهم فأبت .. وتوسل لها زوجها أن تفعل وطالبها بأن تضع النقود بإسمها هي وليس باسمه رغم أنها شقاء عمره لأنه لا يريد شيئا سوى أن يجد أبناؤه ما يحتاجون إليه من مطالب الحياة الضرورية.

 

 وبكى أمامها وقبل قدميها وهو يرجوها أن تفعل بلا جدوى وتدخل كل أقاربها وكل أبناء الأسرة وناشدوها بلا طائل وهي ترفض وتصارحهم بلا حياء بأن مصلحتها قبل الجميع وقبل أولادها وقبل زوجها .

إن شقيقي سوف يجن .. ولن يصدقني أحد إذا قلت أن أبناءه جميعا يطالبون أباهم بأن يطلق أمهم وأن يعيدها إلى بيت أهلها لكنه يرفض تجنبا للفضيحة في مثل سنه ومركزه لكن هذه هي الحقيقة التي لم أجد لها شبيها فى أية أسرة ولم أسمع عنها من قبل .. ولقد فكر فى الانتحار أكثر من مرة ليتخلص من متاعبه إلى الأبد ويرده عن ذلك إيمانه بالله وخوفه على أولاده إذ ماذا يفعلون من بعده وهو الأب والأم لهم .. إنني أرجو ألا تنصحه بعرض زوجته على طبيب نفسي فلقد فعل وأبلغه الطبيب أنها طبيعية جدا ولا تشكو من أي مرض ومسئولة عن كل ما تفعل .. لكني أرجوك أن تشير عليه وعلينا بماذا يفعل قبل أن تفاجأ باسمه فى صفحة الوفيات وقبل أن أفقد شقيقي الذي لم يعرف فى حياته سوى الشقاء والمعاناة ولا حول ولا قوة إلا بالله .

 

ولــكـــاتــبة هــذه الـرســـالــة أقـــول:

 

يا إلهي ماذا جرى للقيم والعلاقات الأسرية والإنسانية إذا صح كل ما تروينه عن زوجة شقيقك ؟

إلى هذا الحد قد يعمى الاحساس المادي زوجة وأما فتغتصب مال زوجها وتجمده فى مشروع لا يدر عائدا .. ثم ترفض توسلات زوجها وأبنائها إليها لكي تودع ثمنه فى البنك بإسمها وليس بإسم صاحب المال الحقيقى لكي يسهم عائده وعائده فقط فى تخفيف أعباء الحياة عن أسرتها فترفض ولا تهتز لها شعرة وهي ترى أبناءها وزوجها وهم يعانون مصاعب الحياة ويستشعرون الحرمان وهي قادرة على أن ترطب جفاف حياتهم بقطرات من مالها المغتصب وكل ذلك بدعوى أنها تؤمن مستقبلها وأن مصلحتها فوق مصلحة "الجميع" !

يا إلهي .. ومن هم هؤلاء "الجميع" .. أليسوا الأبناء الذين تحرم الأمهات الفضليات أنفسهن من ضرورات الحياة ليوفرن لهم ما قد ينقصهم من كماليات .. وأليس هو الزوج الطيب الذى وثق فى زوجته كما ينبغي للإنسان السوي أن يفعل مع زوجته السوية فخانت الأمانة وصادرت ماله لحسابها الخاص ؟

وماهو هذا المستقبل الذى تريد أن تؤمنه لنفسها .. وكيف ينفصل عن مستقبل أبنائها وزوجها الذى تحملها بكل قصورها طوال رحلة العمر ؟

إنها صورة جديدة من صور نظرية "أنا وبعدي الطوفان " التي ما سادت وسطا إلا ودمرت علاقته الإنسانية وأفسدت عليه قيمه وحولته إلى غابة بدائية يغتصب فيها القوى الضعيف .

وإلا فكيف يفسر لي أحد أني مع كثرة ما رأيت من "أهوال" إنسانية خلال اقترابي الطويل من هموم البشر .. لم أسمع ولم أقرأ من قبل عن أبناء أسوياء فى سن النضج أجمعوا على مطالبة أبيهم بطلاق أمهم واعادتها لبيت أسرتها ! فضلا عن أني لم أسمع أيضا عن أبناء مازالوا طلبة اضطروا للحجر على أمهم ورفع يدها عن ميزانية البيت لكي يدفعوا عن أنفسهم غائلة الحاجة والجوع إذا ما تركوها لمسئوليتها الطبيعية .. إنني فئ واقع الأمر حائرا فيما أنصح به شقيقك .. فلقد اعتدت أن أطالب الأزواج التعساء بأن يتنازلوا عن بعض اعتباراتهم الشخصية حرصا على مصلحة الأبناء وحماية لهم.

فبماذا أنصحه حين يكون الأبناء هم الذين يطالبون أباهم بالطلاق استنكارا لأنانية أمهم ورفضا لها .

إنه لو فعل فلا لوم عليه ولا تثريب .. وإن تمسك بالأمل فالله يهدى من يشاء حين يشاء .. وهناك بالطبع بعض الوسائل القانونية التي يستطيع شقيقك أن يثبت بها حقه فى ماله الذي اغتصبته زوجتك لنفسها منها ايصالات تحويل المبالغ التي حولها إليها باسمها من الخارج ومنها اثبات أنها لم تكن مالا موروثا ولا مكتسبا قبل أن تشتري تلك الأرض مما يؤكد أنها إنما اشترتها بماله المحول إليها باسمها .. لكن تلك قصة أخرى أكثر إيلاما حين تضطر زوجة وأم زوجها الذي شاركته رحلة الحياة بحلوها ومرها لأن يواجهها أمام القضاء لمثل هذا السبب الحقير أو لغيره من الأسباب ؟

فلماذا إذن لا تعيد الحق المغتصب لأصحابه .. أو تقبل على الأقل الحل الآخر الأقل عدلا وهو أن تبيع الأرض وتضع المال باسمها وتخفف بعائده عن أبنائها وزوجها بعض مصاعب حياتهم .. لماذا لا تفعل ذلك حتى لا تواجه ربها بما اغتصبت وبما حرمت أبناءها وزوجها منه .. وأخيرا  فمن أدراها أنه سوف يكون لها "مستقبل" تضحي بكل الاعتبارات والفضائل والقيم .. وحتى بأبنائها من أجله ؟ ومن أدراها أن هذا المستقبل قد يصبح "ماضيا" في ومضة خاطفة فلا تترك وراءها إلا أسوأ الذكرى وأسوأ المعانى .. وبالنسبة لهؤلاء الجميع الذين وضعت نفسها قبلهم وفي مقدمتهم ؟


نشرت في جريدة الأهرام "باب بريد الجمعة" ابريل 1991

كتابة النص من مصدره / بسنت محمود

راجعها وأعدها للنشر / نيفين علي


Neveen Ali
Neveen Ali
كل ما تقدمه يعود إليك فاملأ كأسك اليوم بما تريد أن تشربه غداً
تعليقات