البرود القاتل .. رسالة من بريد الجمعة عام 1995
أنا سيدة في الخامسة والأربعين من عمري وتزوجت وأنا طالبة بالجامعة من رجل فاضل وأنعم الله علينا بابنة جميلة اكتفينا بها أنا وزوجي وأحطناها بكل رعايتنا وحبنا , وكبرت ابنتي وانتقلت من مرحلة إلى مرحلة حتى بلغت المرحلة الجامعية , وفي عامها الجامعي الأول تقدم لخطبتها شاب يكبرها بستة أعوام وحاصل على شهادة جامعية وله مكتب خاص يمارس فيه عملا مهنيا ناجحا ولديه شقة ممتازة في حي راق وسيارة .. وكان هذا الشاب يتيم الأب وليس له من الأخوة سوى شقيقة أرملة توفي عنها زوجها وترك لها ابنا وابنة .. ورحبنا بهذا الشاب لأخلاقة الكريمة وتدينه وبدأ يتردد على بيتنا لزيارتنا والجلوس مع خطيبته , فلاحظنا أن شقيقته الوحيدة لم تزرنا طوال عامين سوى مرتين فقط , وأنها جلست خلال هاتين الزيارتين واجمة وشبه صامتة , ومع ذلك فلقد حرصنا دائما على زيارة والدته والسؤال عنها وعن أخته .
واستغرقت فترة الخطبة حوالي عامين لم تخل خلالها من بعض المناوشات المعتادة التي قد تحدث بين أى خطيبين خلال مرحلة الخطبة .. فلم نأبه لها ولم نعتبرها شيئا هاما فقد كان هذا الشاب يرجع دائما بعد كل مناوشة أو خلاف ويسترضي ابنتنا وتعود المياه لمجاريها بينهما على خير ما يرام .
وبدأنا نعد عش الزوجية وخلال ذلك كان هذا الشاب يتصل بابنتي تليفونيا كل يوم وتطول المكالمة بينهما إلى ساعتين وأكثر .
وقبل أن نحدد موعد الزفاف بأيام حدث بينهما خلاف بسيط .. فانقطع خطيب ابنتي عن الاتصال بها أو زيارتها لمدة أسبوعين وخشينا أن يكون قد أصابه مكروه فحثثت ابنتي على أن تتصل به تليفونيا , واتصلت به فما أن جاءها صوته حتى راحت تداعبه بحديثها الحلو ففوجئت به يجيبها ببرود قاتل , وحين عاتبته على انقطاعه عنها هذه الفترة أجابها بنفس البرود بأن كل شئ قسمة ونصيب , ويبدو أنها لم تسمع جيدا ذلك في المرة الأولى فاستوضحته ما قال فكرره عليها مؤكدا لها أن كلا منهما ليس له نصيب مع الآخر .
وفي تلك اللحظة كنت أجلس في الصالة فسمعت صوت ارتطام شئ ثقيل بالأرض فهرولت لاستكشف ما حدث فرأيت ابنتي ممدة على الأرض وغائبة عن الوعي وسماعة التليفون إلى جوارها .. وصرخت مفزوعة .. وتجمع الجيران وطلبوا الطبيب وهو جار لنا وكان زوجي قد عاد من العمل ففوجئ بما حدث والطبيب إلى جوار ابنته يطلب نقلها إلى المستشفى التي يعمل بها ونقلناها إلى المستشفى وأنا لا أعرف شيئا عما حدث .. وبعد وصولها للمستشفى واستقرارها في غرفتها .. سألني زوجي عما إذا كان خطيب ابنتنا قد علم بما حدث واتصلت به وأبلغته بما جرى لخطيبته ففوجئت به يجيبني ببرود تام وبلا أى تأثر بما حدث فسألته عما حدث بينه وبين ابنتي فحكاه لي وسمعته وأنا مذهوله ثم سألته عن السبب في ذلك فلم يزد على أن قال لي أن ابنتي سوف تجد من هو أفضل منه ولم أتمالك نفسي فقلت له : وهل أردنا غيرك أفضل منك يا ابني ؟ فلم يرد ولم أجد ما أقوله أكثر من ذلك فوضعت السماعة وأنا اتمتم في قهر "حسبي الله ونعم الوكيل".
ورقدت ابنتي في المستشفى بضعة أيام .. لم انقطع خلالها عن الصلاة والدعاء لابنتي بالشفاء وعن الدعاء لربي بالانتقام لنا ممن ظلمنا بغير حق .
وشيئا فشيئا استردت ابنتي صحتها ورونقها ورجعت للدراسة وانتقلت للسنة الثالثة في كليتها, وفي عامها الأخير بالكلية تقدم لخطبتها شقيق احدى صديقاتها وهو شاب وسيم وعلى خلق ويعمل بوظيفة مرموقة وسألت ابنتي عن رأيها فوافقت عليه .. وتم الزواج في سلام والحمد لله وسعدت ابنتي بزواجها وبزوجها وانجبت طفلا جميلا واستراح خاطرنا من ناحيتها.
إذن ما هي المشكلة التي اكتب لك من أجلها .. ليست هناك مشكلة والحمد لله .. لكن هناك سببا دفعني لأن أكتب لك وهو أننا وبعد ثلاثة أعوام من فسخ خطبة ابنتي الأولى عرفنا منذ فترة قصيرة وبالمصادفة البحتة من أحد أقاربنا سر انهاء خطيبها السابق للخطبة .. فلقد قال لنا قريبنا أن شقيقة خطيب ابنتنا السابق كانت وراء فسخ الخطبة , وأنها راحت تحرضه على تركها لأنها أي شقيقته كانت طامعة فيه وفي ماله وتريد أن تستأثر به لابنتها وابنها وشق عليها أن تنعم به ابنتي دونهما فظلت به حتى أنهى خطبته لها مستغلة في ذلك الخلافات البسيطة التي كانت تحدث بينه وبين ابنتي فكان انتقام ربي منها سريعا فلقد تزوجت ابنتها بعد ذلك فلم يطل بها الزواج ورجعت إلى أمها بعد شهور قليلة مطلقة وتحمل جنينا في بطنها فحزنت أمها عليها حزنا شديدا ومرضت ومازالت مريضة بسبب ذلك , أما شقيقها خطيب ابنتي السابق الذي "استكثرت" على ابنتي ماله و"عزه" وقالت له أنها لا تستحقه فلقد اضطربت أحواله المالية وأغلق مكتبة !
وتنفست الصعداء حين عرفت ذلك وأدركت أن الله قد استجاب لدعائي للانتقام ممن ظلمنا وظلم ابنتنا بغير حق , وقررت أن أكتب لك هذه الرسالة حتى يتعظ كل من تسول له نفسه أن يظلم الآخرين ويتذكر أن الله يمهل ولا يهمل وأنه لا يتسامح فى حقوق عباد الله حتى ولو تسامح فيها العباد .. وشكرا لك.
جميع الحقوق محفوظة لمدونة "من الأدب الإنساني لعبد الوهاب مطاوع"
abdelwahabmetawe.blogspot.com
ولكـــــاتــبـة هــــذه الـرســـــالة أقـــــول:
أنت تقولين يا سيدتي أن ابنتك قد خطبت وهي في عامها الجامعي الأول .. أي وهى دون العشرين أو حولها .. وإنها إبنتك الوحيدة التي أحطتها أنت ووالدها برعايتكما وحبكما , وأن فترة الخطبة التي استمرت عامين لم تخل من "المناوشات" العديدة بينها وبين خطيبها وأنه كان يرجع إليها بعد كل خلاف ويسترضيها .. ثم قبل تحديد موعد الزفاف حدث خلاف أخير فانقطع خطيبها عن الاتصال بها اسبوعين كاملين وحثثتها أنت على الاتصال به ففوجئت بعدوله عن إتمام الزواج , ألا توحي لك كل تلك الظروف والملابسات من صغر سن ابنتك عند الخطبة وكونها ابنة وحيدة جميلة وربما مدللة أيضا .. وكثرة المناوشات بينها وبين خطيبها خلال فترة الخطبة ألا يوحي لك كل ذلك بأنه قد كانت هناك أسباب أخرى لفشل الخطبة قد تكون أكثر أهمية وتأثيرا من تحريض أخته له على فسخها طمعا في الاستئثار بماله و"عزه" كما تقولين ؟
وهل كانت أخته تستطيع مهما فعلت أن تؤثر عليه لترك خطيبته .. لو كان الوفاق والتفاهم بينهما حقيقيا وعميقا ؟
إن فترة الخطبة .. فترة اختبار لتوافق الطباع ولقدرة الطرفين على التواؤم معا والانصهار في حياة واحدة مشتركة .. وقد أوحت تجربة الخطبة لهذا الشاب بأن كلا منهما لا يصلح للآخر فآثر العدول عن المشروع قبل الزواج .
وفشل أي خطبة أفضل كثيرا من فشل زواج لا تتوافر له مقومات النجاح , فإذا كنت ألومه على شئ في ذلك فعلى أنه لم يواجه الموقف بشجاعة من البداية ولم يبادر بابلاغ زوجك خلال فترة انقطاعه عن خطيبته بعزمه على الانسحاب من مشروع الزواج لأسباب يقدرها لكي يناقشه فيها صهره إما أن يقنعه بخطأ مبرراته وإما أن يسلم بها فيتولى هو وإنت تهيئة إبنتكما لقبول نبأ فشل الخطبة بغير هذه الطريقة الدرامية المفاجئة .. ولا يعيب ابنتك في النهاية ألا تصلح لمثل هذا الشاب ولا يعيب هذا الشاب الا يصلح لها , فالزواج ائتلاف أرواح وطباع واتحاد لرغبة الطرفين في التشارك في رحلة الحياة , والمؤكد أن ابنتك العزيزة قد استفادت من تجربة خطبتها الأولى ودروسها في خطبتها الثانية حين التقت بمن توافقت معه طباعها وشخصيتها .
لكن مشكلة كثيرين منا هي أنهم يرون الله سبحانه وتعالى في صفهم وحدهم دائما دون الآخرين . ويعفون أنفسهم غالبا من كل مسئولية ولو كانت هامشية عن أي فشل يواجهونه ويستريحون إلى نسبة كل أسبابه ومبرراته للآخرين فيعتبرون أنفسهم ضحايا .. ويعتبرون الآخرين ظلمه وبغاه وسوف يحيق بهم غضب السماء في أقرب فرصة .
فإذا كانت شقيقة خطيب ابنتك السابق قد تجنت عليها بالفعل وحرضته على التخلي عنها طمعا في الاستئثار بماله دونها كما تقولين وليس بمستبعد أن يكون ذلك صحيحا , فإن الله سبحانه وتعالى أعدل من أن يعاقب ابنتها بجريرة أمها , وهو الذي لا يحاسب أحدا إلا على ما جنت يداه , لهذا فقد يكون لفشل زواج تلك الابنة ألف سبب وسبب وقد تتحمل هي بعضها أو لا تتحمله, لكن المؤكد أنه ليس من هذه الأسباب موقف أمها من خطبة ابنتك لأخيها , وأيا كانت الأسباب يا سيدتي فإن الشماتة في آلام البشر و"تنفس الصعداء " لمتاعب الآخرين المالية ليس بأي حال من الأحوال من شيم الكرام .
فلا تسعدي بكوارث أحد .
وشكرا لك على أية حال على تذكير الجميع بتحريم الله سبحانه وتعالى للظلم على على نفسه وأنه قد جعله بين عباده محرما كما جاء في مضمون الحديث القدسي والسلام .
نشرت في جريدة الأهرام "باب بريد الجمعة" ابريل 1995
كتابة النص من مصدره / بسنت محمود
راجعها وأعدها للنشر / نيفين علي

برجاء عدم النسخ احتراما لمجهود فريق العمل في المدونة وكل من ينسخ يعرض صفحته للحذف بموجب حقوق النشر