أنشودة البساطة .. رسالة من بريد الجمعة عام 1986
سيدي أريد أن
أبدأ رسالتي إليك بأن أكون صادقة معك في كل شيء.. فأقول لك إني أكتب إليك عن طريق ابني
التلميذ بالمدرسة الثانوية فأنا أقول وهو يكتب.. وليس هذا لأني أجهل القراءة
والكتابة أبدا فأنا أقرأ وأكتب لكن خطي ضعيف.. وأنا أقرأ الأهرام بغیر صعوبة..
ويقرؤه أولادي بسهولة أكثر.. وكثيرا ما طلبت من أحدهم أن يقرأ ليا
"المشكلة" المكتوبة في الجمعة من باب الاستسهال إذا تعبت من القراءة..
أتعزى بها كثيرا.. فالدنيا كلها مشاكل یا سیدی.. ومشكلتي واحدة من هذه المشاكل..
فأنا عاملة بالتربية والتعليم يعني "دادة" في إحدى المدارس كما يقولون
عنها في المدارس الخاصة أو "فراشة" كما يقولون في مدارس الحكومة.. ودادة
أو فراشة لا يهم فكلها أشغال شريفة.. ولقمة عيش من باب شريف "نتقوت"
بها.. ونعول أولادنا.
وقد بدأت مشكلتي منذ عشر سنوات حين طلقت من
زوجي بعد أن استحالت الحياة معه، و"أبرأته " من كل شيء وأخذت أولادي
الثلاثة وعاهدت الله أن أكافح "عليهم" حتى أربيهم.. وكافحت.. وأدخلتهم
المدارس جميعا وكنت حين طلقت من زوجي قد بحثت عن سكن فوجدته في غرفة صغيرة بحي
محرم بك بالإسكندرية، وكان هذا السكن عبارة عن غرفة مساحتها ۲ متر في ۲ متر
يسمونها "خزنة" لأنها ليس بها نوافذ ولا تطل على شيء. وإنما هي مثل
صندوق كبير له باب، ولما طلقت من زوجي أخذت عفشی وكان أثاث غرفة نوم .. فلم تتسع
الخزنة إلا للسرير فقط فبعت الدولاب.. واحتفظت بالسرير، ومضت الحياة بنا كان
الأولاد صغارا فلم نحس بالمشكلة.. كانوا يقضون النهار في الحارة والليل نجتمع كلنا
في الغرفة نأكل فوق السرير ونسمع الراديو وننام، ولكن السنوات جرت بعد ذلك وكبر
الأولاد وأصبح الابن الأكبر والبنت الوسطى في المرحلة الثانوية، وأصبح الابن
الأصغر في المدرسة الإعدادية، وأصبحت "مذاكرتهم" مشكلة حياتنا فحياتنا
كلها تجري فوق السرير.. المذاكرة والأكل.. والنوم ونحن جميعا ننام فوق هذا السرير
"خلف خلاف" فنجعل للسرير مخدتين كل واحدة في اتجاه وينام كل اثنين في
اتجاه، فيكون رأس هذين في مواجهة أقدام هذين وهكذا. وليست هذه مشكلتنا الوحيدة.
المشكلة الأخطر هي رطوبة الخزنة التي أصابتنی
بمرض الكلى ورغم ما أعانيه من آلام فأنا أتحمل الألم وأكتمه، لكي أخلق الجو السعيد
الذي يتربون فيه.. ولأشجعهم على المذاكرة وكل أملي أن يتعلموا وأن يحصلوا على
شهادات ولو حتى متوسطة، لأن العلم "حلو" حتى لو الولد ما اشتغلشى في
وظيفة يبقى معه سلاح يشتغل به في أي وقت.. لو طريقه انسد في الحياة، وأنا أقول
لأولادي خذوا شهادات واشتغلوا بعد كده زى ما انتو عاوزين إن شا الله تشتغلوا
زبالين.. مادام عمل شریف ورزق شریف خلاص، وأقول لهم أيضا إن العلم إذا كان
"لازم" للولد مرة فهو "لازم" للبنت ألف مرة لأن البنت ضعيفة
ومحتاجة إلى سند في الدنيا الصعبة، وبصراحة كان علشان تلاقي عريس يتجوز واحدة لا
عندها مال ولا أي جاه، وأنا تعلمت زمان في المدرسة الابتدائية، لكن وجودي في مدرسة
علم مع أساتذة مدرسين ومدرسات خلاني أعرف قيمة التعليم أكثر.
المهم يا سيدي أنا لا أكتب إليك لأقول لك رأيي
في التعليم أو في الحياة.. وإنما أكتب إليك لأقول لك، إن مشكلتنا قد كبرت مع نمو
الأولاد، "الخزنة" ضاقت بنا وكلما تقدموا في دراستهم زادت مشكلتنا، وقد
حاولت أن أجد مكانا أوسع لأنتقل إليه أنا وأسرتي الصغيرة فلم أجد أمامي سوى
المساكن التي تطلب آلاف الجنيهات.. وليس لنا "واسطة " تساعدنا في الحصول
على شقة من المساكن الشعبية، فنحن ناس غلابة كما ترى ومدرستنا حكومية لا يدخلها
أبناء الناس الكبار الذين يمكن أن "أترجاهم" يتوسطوا لدى آبائهم للحصول
لنا على شقة في المساكن الشعبية.. وفي لحظة يأس قررت أن أكتب إليك لعلك تستطيع أن
تكلم أحدا من أجلنا فهل تفعل یا سیدی من أجل إنقاذ أسرة صغيرة تكافح بشرف في
الحياة، ويعمل كل أفرادها في الصيف على الشواطئ يبيعون كل شيء من الذرة المشوية
إلى الأمشاط لکي يوفروا لأنفسهم مصاريف التعليم عندما تبدأ الدراسة.. لأنهم في
موسم الدراسة ينقطعون عن العمل ويتفرغون للمذاكرة وتصبح مشكلة المكان هي أكبر
مشاكلهم.. والسلام عليكم ورحمة الله.
ولكاتبة هذه
الرسالة أقول:
إنني يا سيدتي
لا أملك لك سوی نشر رسالتك هذه التي أعتبرها بحق أنشودة للبساطة.. وصورة صادقة
لكفاح أسرة مصرية.. وقيمها الشريفة المتحضرة ونظرتها الصحيحة للحياة .. أسرة كآلاف
الأسر المصرية التي تؤمن بشرف العمل والكفاح.. وتؤمن أيضا بأن العلم "حلو"!.
يا إلهي .. كم
في هذا التعبير البسيط من معان عميقة! نعم يا سيدتي إن العلم حلو حقا.. لكنه يصبح
"أحلى" لو توافرت للبشر الظروف الطبيعية لتلقيه ولاستيعابه، وأبسطها أن
يحيوا في مساكن الآدميين لا في صناديق لحفظ البضائع ولا ينام فيها البشر "خلف
خلاف" ولا شك أن أبناءك هؤلاء أبطال مثلهم في ذلك كمثل آلاف من أبطال الحياة
في بلادنا الذين يغالبون ظروفهم الصعبة، ويشقون طريقهم في المدارس والجامعات، ولا
يفقدون إيمانهم بأنفسهم ولا بالمستقبل في أسوأ الظروف المعيشية .. يحققون
المعجزات!.
إنني أنشر
رسالتك هذه أملا أن تجد صدى لدى المسئولين بمحافظة الإسكندرية لدراسة حالة أسرتك
الشريفة المكافحة وتقریر أحقيتها في الحصول على مسکن شعبي ولو بعد سنوات. دفعني
إلى هذا الأمل أني قد شهدت عن قرب معجزة أخيرة انتهت بحصول أسرة كاتبة رسالة
حالة انهيار "الأم و4 فتيات" على مسكن من المساكن الشعبية لمحافظة
الجيزة في إمبابة سوف تتسلمها في مارس القادم بإذن الله، خلال احتفال محافظة
الجيزة بعيدها القومي، وكانت بداية الرحلة الطويلة إلى ذلك والتي شهدت قيام أكثر
من لجنة بزيارة هذه الأسرة في مسكنها المشترك وتقرير أحقيتها في الحصول على
المسكن.. كانت بداية هذه الرحلة تأشيرة من محافظ الجيزة الشاب الدكتور عبد الحميد
حسن على قصاصة بريد الجمعة التي نشرت فيها قصة الأسرة، بدراسة حالتها، ثم تلتها
جهود مشكورة بذلها السيد طاهر الأسمر سكرتير عام المحافظة الذي استقبل الأسرة ورحب
بها فعسى أن تحظى رسالتك هذه يا سیدتی بتأشيرة مماثلة من المسئولين في المحافظة
الإسكندرية وعسى أن تتكرر المعجزة في الثغر فتصل بك وبأسرتك إلى نفس النهاية
السعيدة .
والله ماض
أمره والسلام.
راجعها وأعدها للنشر / نيفين علي




برجاء عدم النسخ احتراما لمجهود فريق العمل في المدونة وكل من ينسخ يعرض صفحته للحذف بموجب حقوق النشر