الهمس المسموم .. رسالة من بريد الجمعة عام 1999
أنا سيدة قاربت الستين من عمري ، وفي مركز عملی و علمی جيد ، ودخلی يجعلني - والحمد لله - أعطي ولا آخذ ، وقد رحل زوجي عن الحياة وأنا في الأربعين من عمري وفي قمة شبابي ، وترك لي ثلاثة أطفال بنتين وولدا ، وبعد وفاة زوجي کرست حیاتی لأبنائی وعشت لهم وبهم ، ولم أشعر لحظة واحدة بغياب الأب عن حياتهم ، ولم أعرضهم في يوم من الأيام لأي لوم أو تأنيب من شخص قريب منا أو بعيد عنا، حتى جدهم لأبيهم وعمهم وخالهم لم يعلموا ذات يوم شيئا عن مشاكلنا ، ووفرت لأبنائی كل متطلباتهم من أساسيات الحياة إلى الترفيه والنزهات إلى الدروس الخصوصية التي كنت أنقلهم إليها بسیارتي، وأظل في الشارع إلى أن ينتهوا ، إلى كل شيء، وكانت لطلباتهم دائما الأولوية القصوى عندي ، فتفوقوا في دراستهم جميعا وتخرجوا في كليات القمة وأشاد الجميع بتربيتهم وأخلاقهم.
وتزوجت الابنتان وسعدت بزواجهما وأصبح زوجاهما ابنين جديدين لي ، أما الابن الوحيد فلقد عمل براتب محترم وبدأ يتعجل الزواج ، فرفضت نصيحة الأهل والأقارب لي بأن أعمل على أن يتزوج معي في مسکني الواسع ، حتى لا أعيش وحيدة في نهاية الرحلة وبعد كل هذا العطاء لأبنائي، لكني آثرت أن أدعه يحيا حياته الخاصة بغير إلزام له بشیء، واشتريت له شقة مجاورة لمسكن أختيه لكي تستمر علاقة المودة والرحمة بينهم ، ثم تعرف ابني بفتاة في مجال عمله ورغب في الارتباط بها وتمت الخطبة ، فلاحظت أنها ومنذ البداية بعيدة عني وعن شقیقتی خطيبها وليس بينها وبيننا سوى الاتصالات التليفونية المتباعدة ، فحذرت ابني من ذلك وأكدت له أنه ابني وزوجي وشقيق شقيقتيه ووالدهما من بعد أبيه ، وإن هذا البعد والتجافي منذ البداية لا يبشر بأنه سيستمر في أداء دوره الإنساني تجاهي وتجاه شقيقتيه ، لكنه راح يؤكد لي أن فتاته سوف تتغير بعد الزواج وستصبح أكثر حميمية معي ومع أختيه ، وكان يبكي بالدموع لكي ألبي لها طلباتها المغالی فيها، وكلما رفضت إعطاءه المزيد من النقود للاستجابة لطلباتها ضغط علي بالبكاء أو استعان علي بشقيقتيه لكي أعطيه ما يرضيه ، وهكذا فقد قمت بتشطيب الشقة له تشطيبا فاخرا وأدخلت إليها التليفون ودفعت المهر والشبكة وقيمة الأجهزة الكهربائية .
وتم الزواج بسلام ، فما إن بدأ حياته الزوجية مع فتاته حتى منعته هي حتى من الاتصال التليفوني بي وبشقيقتيه ، وزرناه أنا وابنتاي في مسكن الزوجية فغضبت زوجته وثارت وبكت بغير سبب سوى الغيرة الجنونية لكيلا نرجع لزياتها مرة أخرى ، والآن يا سيدي أصبح ابني الوحيد الذي رجوت أن يؤنس وحدتي في نهاية الرحلة .. ويعوضني عما تحملته من عناء في تربية أبنائي ومواجهة الحياة ، لا يزورني إلا إذا توسلت إليه بالتليفون مرة كل شهر أو شهرين ولا يجيئني إذا جاء إلا مع زوجته وفي العاشرة مساء لكي يقضيا معي نصف ساعة فقط لا تزيد ثم ينصرفان ، وأرجع أنا إلى وحدتي ، وإذا طلبت منه أن يطمئن علي تليفونيا مرة واحدة كل يوم اعتذر بعمله ومشاغله ، مع أني أعرف جيدا أنه يزور أقارب زوجته وأمها ويقوم بتوصيلهم إلى أي مكان يریدونه ويلبي أي طلب يطلب منه حتى من صديقات والدة زوجته ، أما أنا فلا يزورنی إلا بالطلب الشديد والإلحاح ولا يأتي إلا مع زوجته .. ولابد في كل مرة من أن تفسر زوجته أي تصرف أو إشارة من جانبي على أنها ضدها .. وأجد ابني بعد ذلك غاضبا مني ولا يحضر لزيارتي ولا أراه .
لقد مضي عام على زواج ابني أنجب خلاله طفلا .. وقد قاطعني وقاطع شقيقتيه وكلما ناقشته في أسباب عدم زيارته لي أو لشقيقتيه يقول إن السبب في ذلك هو أننا لا نزوره في بيته ، وهو يعلم جيدا أننا لا نزوره في منزله لأن زوجته كانت تفتعل في كل مرة زرناه فيها سببا للغضب ونحن في ضيافتها .. فكيف نرجع لزيارته في بيته؟
إنني أقسم لك يا سيدي أنني لم أسيء لزوجة ابني ، لكنها من النوع الغيور غيرة جنونية ومدللة وعصبية للغاية ، ولديها حب شديد للتملك .. فهل يرضيك بعد ذلك أن ينقطع عني ابني وعن شقيقتيه لمثل هذه الأسباب المفتعلة ؟ .. وهل يرضيك أن أتصل به على التليفون الذي أدخلته إلى منزله وفي مسكنه الذي اشتريته له فلا يرد هو أو زوجته على التليفون ، ويدعان آلة الرد المسجل لترد على اتصالاتي وهما في المسكن ولا يقومان برفع سماعة التليفون والرد على اتصالي ؟!
لقد حرصت منذ بداية خطبته لفتاته على أن أدع له حرية التصرف ورفضت التدخل في المشاكل التي ثارت بينه وبينها حول تفاصيل الزواج لكيلا يقول أحد أنه ابن أمه ، أو أنه لا يتصرف من وحي نفسه .. وتحملت عنه كل تكاليف الزواج الذي لم يسهم هو فيه بأي شىء .. فهل تكون القطيعة والجفاء هما مكافأتي من ابني الوحيد بعد كل هذا؟
إنني أتردد في أن أبوح لك بما بت أعتقده وأنا السيدة التي تشغل مركزا علميا جيدا ، وهو أن ابني هذا "مسحور" ومسلوب الإرادة ، فهل تعتقد في السحر والشعوذة ؟ .. لقد شكوته لجميع أصدقائه ونصحوه ، وشکوته لرئيسه في العمل فلامه كثيرا ثم كففت عن الشكوى لكيلا أفسد عليه علاقاته وعمله .. لكني حائرة في أمره فهل من كلمة توجهها إليه تنبهه بها إلى واجبه تجاه أمه وشقيقتيه ؟!
ولكاتبة هذه الرسالة أقول :
حين يصل الحال بسيدة تشغل مركزا علميا مرموقا إلى الاعتقاد بأن ابنها الوحيد قد تمت السيطرة عليه بالسحر والشعوذة لكي ينصرف بكليته عن أمه وأختيه إلى زوجته وأسرتها ، فإن الأمر لابد أن يدعو للتأمل والعجب ، غير أنني ألتمس لك كل العذر في ذلك لأنك أم مصدومة في وفاء ابنها لها وبره بها ، ولأن في فحيح الهمس المسموم في الآذان ، ما يفوق أثر السحر في تغيير النفوس وتضليل العقول ، ولهذا فقد قال الرسول الكريم - صلوات الله وسلامه عليه - لمن حوله ما معناه « لا يبلغني أحد منكم عن أصحابي شيئا فإني أحب أن أخرج إليكم وأنا سلیم الصدر !».
والواضح یا سیدتی هو أن ابنك هذا لم يحترس في نقل ما كان يدور بينك وبينه من مناقشات واعتراضات على مطالب فتاته المغالى فيها إليها خلال فترة الخطبة ، فمهد الأرض بغفلته ونقص خبرته لبذر بذور الجفاء بينك وبينها منذ البداية ، وصادف ذلك لديها شخصية تقولين عنها إنها مدللة وغيورة غيرة جنونية وعصبية ولديها میل طاغ لحب التملك ، فتحول الأمر لديها إلى صراع بينك وبينها على الاستحواذ على هذا الابن على طريقة المصارعة الوحشية القديمة التي كان بعض أباطرة الرومان يتلهون بها فينظمون بين السجناء مباريات للمصارعة حتى الموت لا نجاة لأحد طرفيها إلا بقتل الطرف الآخر.
وهكذا فقد أحكمت سيطرتها عليه وتصورت كما كان يعتقد هؤلاء المصارعون القدامى أنه لا حياة لأحدهم إلا بإزاحة الطرف الآخر في الصراع من الوجود ، مع أن الأمر لا يتطلب كل هذا العناء .. لأن الساحة تتسع - لدى العقلاء ومن يرعون حدود الله في حياتهم - للاهتمام بالأم والشقيقات إلى جانب الاهتمام بالزوجة والتفرغ لها .. لكن آفة النفس البشرية هي أن بعض ذوي الأثرة يعتبرون أن كل عطاء إنسان يقدمه الزوج لأمه أو إخوته لابد أن يكون خصما من العطاء الذي ينبغي لهم أن ينفردوا به وحدهم ، وهي أنانية بغيضة وقصر في النظر واعتماد اعتماد الغافلين على أسباب القوة المؤقتة في أيديهم ، إذ ما أطول ساعات اليوم لكي تتسع لأن يقوم شاب كابنك بواجباته الإنسانية التي لا تكلفه شيئا تجاه أمه وشقيقتيه .. ويتفرغ إلى جانب ذلك لزوجته وأسرتها والاندماج في عالمها إذ ماذا يكلفه أن يصل أمه وأختيه ولو بالاتصال التليفوني من حين لآخر ؟ وما ضره - سامحه ألله - لو أجاب اتصالات أمه التليفونية التي لا يكلف نفسه عناء الرد وأجاب لهفتها الحسيرة عليه ؟
وماذا يضيره لو أنه أشعر أمه وشقيقتيه بوجوده في الحياة وهن من كن يرجون أن يكون لهن السند والعماد ؟
وكيف يستقيم ضميره إلى هذا التقصير الإنساني الفاضح في واجبه تجاههن وقد كان يستطيع حتى لو عجز عن تحسين علاقة زوجته بأمه وشقيقتيه ، أن يفصل بين علاقته وعلاقة زوجته بهن ، فينهض بواجباته الإنسانية تجاه ذويه ، ويترك العلاقة بينهن وبين زوجته لتفاعلاتها الطبيعية ولدروس الأيام وخبرتها الثمينة بغير أن يسمع لطرف عن الآخر أو يتأثر به ضده .
إن من الأفضل دائما أن تكون العلاقة بين الطرفين طبيعية ، ومن واجب الزوجة التي تعرف ربها وتخشى عقابه ، أن تعمل من جانبها على تحسين علاقة زوجها بأمه وإخوته ، وأن تحثه على أداء واجباته الإنسانية تجاههم إذا لمست منه تقصيرا في ذلك ، ليس فقط عملا بهدی دينها وتعاليمه الأخلاقية ، وإنما دفاع كذلك عن نفسها ضد غوائل الأيام ، وطلب للسلامة في النهايات ، كما كان الحال في البدايات ، إذ كيف تطمئن زوجة عاقلة إلى زوج لم يرع حدود ربه في علاقته بأمه وإخوته . وكيف تأمن لمن لا يخشی وعید ربه ، لمن يعق أمه أو يقطع رحمه ، وتركن إليه مطمئنة إلى أنه سوف يرعى معها إلى النهاية ما لم يرعه من حدود ربه مع أمه ؟
إنه دفاع عن النفس كما هو امتثال للتعاليم الدينية ، فالرحمة لا تتجزأ وكذلك الأخلاق والوفاء والعدل الإنساني وما أشبه الزوجة التي تسعد بانتصارها المرحلي على الأم في معركة الاستحواذ على زوجها بمن يسعد بنجاحه في تدريب شريك حياته على الغدر والجحود والجرأة على قطع الرحم ، فلا يلبث بعد حين أن يكتوي بثمار غرسه .
ويجد نفسه يتعامل مع من لا رادع له من ضمير ولا دين يردعه عن الغدر به أو الاجتراء على حرماته .. فهل هذا هو ما تريده مثل هذه الزوجة الشابة لنفسها ؟! وهل هذا الابن سعید بضعفه وعجزه عن تحقيق التوازن المطلوب بين زوجته وأمه وشقيقتيه ؟! وهل هو في حاجة لمن يذكره بحقوق أمه عليه .. إذا افتقد الذكر من شريكة حياته ؟
· نشرت في جريدة الأهرام "باب بريد الجمعة" عام 1999
راجعها وأعدها للنشر / نيفين علي
برجاء عدم النسخ احتراما لمجهود فريق العمل في المدونة وكل من ينسخ يعرض صفحته للحذف بموجب حقوق النشر