الذكرى الغالية .. رسالة من بريد الجمعة سنة 2000
من المؤسف حقا أننا في تسابقنا المحموم على أعراض الدنيا كثيرا ما
نخدش جلال المواقف الحزينة التي ينبغي أن تتوقف فيها الصراعات والأطماع ، ثم نزعم بعد ذلك وفاءنا لذكرى الأعزاء الراحلين .. ونحزن لفراقهم ..
ونذرف الدمع في مناسبات تذكرهم!
وذلك بدلا من أن نتعلم من
عبرة الموت ما يجعلنا أكثر عدلا مع الحياة.
عبد الوهاب مطاوع
أنا سيدة أبلغ من العمر 26
عاما, نشأت بإحدى مدن الأقاليم في أسرة متوسطة الحال, بين أب وأم و4 أشقاء,
وكغيري من البنات حلمت مع مطلع الشباب بالفارس الذي سيغزو قلبي في الوقت المناسب ..
وأتشبث به.. ونقيم معا عشنا الصغير .. وأنهيت دراستي .. فجاء الفارس.. ولم
أكن قد رأيته قبل ذلك سوى بضع مرات في مناسبات متفرقة بالرغم من قرابته لي, فلقد
شق طريقه مع أسرته في مدينة أخرى غير مدينتنا وعمل بالتجارة ونجحت تجارته, ثم
أراد أن يبحث عن نصفه الآخر فرجع إلى مدينته الأصلية, وقاده النصيب المكتوب إلي.
وما أن تقدم إلي طالبا يدي حتى
تغيرت نظرتي السابقة إليه من مجرد قريب اسمع عن نجاحه في الحياة العملية ونبوغه
المبكر وأصبحت أراه بعين مختلفة ويخفق قلبي واضطرب حين يتحدث إلي..
ووسط فرحة الأهل على
الجانبين بارتباطنا.. تمت خطبتي إليه.. ولاحظت خلال مرحلة الخطبة سعادة إخوته الكبيرة بي ثم مضت الأمور في طريقها الطبيعي.. وتم إعداد عش الزوجية في سرعة
قياسية وعلى أحسن مستوى .. وكلما تأخر إعداد شيء من الجهاز.. ألح أهل زوجي
بالإسراع بالانتهاء منه في أقرب وقت.. وسعدت بتعجلهم إتمام الزواج على هذا النحو
واعتبرته نوعا من الترحيب الحار بي, وتم الزواج في حفل سعيد .. وانتقلت إلى
بيت الزوجية الجديد في المدينة التي تقيم بها أسرة زوجي, ومضت الفترة الأولى من
الزواج سعيدة ومبهجة وواعدة بكل خير.
ولم تمض أسابيع حتى كانت ثمرة الحب قد
تحركت في أحشائي .. وبدأت مرحلة جديدة من متاعب الحمل اللذيذة في حياتي وزاد من
سعادتي ابتهاج إخوة زوجي الكبير بخبر حملي وحفاوتهم الزائدة به, ولم يخفف من
الفرحة بعض الشيء سوى تعرض زوجي لوعكة صحية طارئة تردد بسببها على الأطباء,
وانتظم في العلاج وتحسنت حالته ورجعت الأحوال إلى طبيعتها السابقة.. ثم جاء موعد
ولادتي ووضعت طفلتي الجميلة.. وبدأنا نستعد للاحتفال بيوم سبوعها.. واحتفلنا
بالمولودة السعيدة احتفالا كبيرا.. وفي المساء عاودت الوعكة الصحية زوجي الشـاب,
وكانت شديدة بعض الشيء هذه المرة .. فتكدرت وشعرت بالحزن من أجله.. وفي صباح
اليوم التالي غادر مع إخوته مدينتنا ليعرض نفسه على طبيب كبير في الإسكندرية,
ورجع من الرحلة منهكا ومهموما وسألت أشقاء زوجي عما قاله الطبيب .. فهونوا علي
الأمر وقالوا إنها مجرد نزلة قولونية بسيطة وسوف يشفى بالأدوية بإذن الله ..
فاطمأن قلبي وبذلت جهدي لرعاية زوجي وخدمته خلال هذه الوعكة.. لكن كثرة الأدوية
التي يتناولها أثارت قلقي.. فأردت أن أطرد القلق والوساوس من ذهني.. وفتحت
إحدى علب الأدوية لأقرأ النشرة الطبية الخاصة بها وأعرف المزيد عن حالته الصحية
فإذا بي أجدها خالية منها.. ففتحت بقية العلب فإذا بها كلها خالية من هذه
النشرات.
وتحسنت صحة زوجي بعض الشيء
ورجع إلى عمله.. لكنه انتكس مرة أخرى واضطر للسفر للقاهرة لطلب العلاج لدى
أطبائها.. وبعد ذلك كثر تردده على أطباء القاهرة وعودته من السفر مرهقا ومهموما..
وفي كل مرة لا يسمح لي بمصاحبته في السفر ويصطحب معه أحد إخوته دوني.
ومضت بنا الحياة وحالة زوجي
الصحية تتحسن في بعض الأوقات فيرجع إلى عمله وتغرد عصافير السعادة في بيتنا الصغير..
وتسوء في أوقات أخرى فيخيم الحزن والهم والقلق على حياتي.. إلى أن فوجئت بعد
عامين من زواجي بدخوله المستشفى لإجراء جراحة تتطلبها حالته..
وأجريت له الجراحة ورجع إلى البيت بعد غياب أكثر من أسبوعين.. وبقي في البيت
بعدها معظم الوقت يدير عمله التجاري بالتليفون.. ويستقبل المتعاملين معه في بعض
الأحيان وهو في فراشه.. وأنا أقوم على خدمته والسهر على راحته.. وأتطلع لليوم
القريب الذي سيسترد فيه عافيته.
لكن الآمال قد لا تتحقق لمن
يتعلق بها في كثير من الأحيان, فلقد ازداد ضعفه وتوالت الأزمات الشديدة عليه..
وإذا به بعد ستة أشهر من جراحته يلفظ أنفاسه الأخيرة.. ويودع الحياة تاركا وراءه
أرملة في أوائل العشرينيات من عمرها وطفلة لم تكمل عامها الثالث!
وإذا بي اكتشف يوم رحيله عن
الدنيا أنه كان مريضا بالمرض الخطير من قبل أن يتزوجني, وأسمع من بين دموعي
ونواحي خلال أيام العزاء والمواساة بعض إخوته يتحدثون عن نجاحهم في إخفاء حقيقة
مرضه عن الجميع طوال السنوات الماضية.. بل وعن اعتزازهم بأنهم قد أفلحوا في أن
تكون لهم منه ذكرى غالية هي طفلته!
وتساءلت في أعماقي ألم يكن
من حقي أن أعرف حقيقة مرض زوجي قبل الارتباط به كي أختار لنفسي طريقي في الحياة على
بينة؟
وألم يكن من حقي ولو بعد أن
تزوجت منه أن أعرف ماذا يواجهه زوجي ووالد طفلتي من متاعب صحية؟
لقد اسودت الدنيا في وجهي ..
وفهمت لأول مرة لماذا كانت علب الأدوية كلها خالية من نشراتها.. وامتثلت لأقداري
وأملت في أن تعوضني ابنتي عن السعادة التي وئدت في مهدها. لكن أحوال الدنيا لم
تسمح لي حتى بذلك العزاء, فلقد بدأت متاعبي مع إخوة زوجي حول ميراثه, وخاصة
بعد أن استكتبني أحدهم توكيلا له لإدارة تجارة شقيقه ولم تفلح أي محاولة على
المستوى العائلي لحل مشكلات نصيبي ونصيب ابنتي في ميراث زوجي الراحل, وكان الحل
المقترح من جانب أسرته هو أن يأخذوا طفلتي مني لكي تنشأ بينهم ويتكفلوا برعايتها..
ورفضت هذا الحل الظالم نهائيا.. ورجعت بفستاني الأسود
وطفلتي اليتيمة لأعيش في كنف أبي بالرغم من قلة رزقه, وعرفت بعد عودتي الحسيرة
أن إخوة زوجي قد اقتسموا شقة الزوجية بينهم وبدأوا في بيع أجزاء من تركة زوجي,
وامتنعوا عن سداد أقساط التأمينات بحجة وقف النشاط التجاري, وذلك بهدف حرماني من
معاش التأمينات المستحق لي عن زوجي, حتى أضعف وأسلم باليأس وأسلمهم ابنتي.
إنني أكتب هذه الرسالة
لتحذير أصحاب النية الحسنة من غدر الأحباب, وأيضا عسى أن تقوم وزارة التأمينات
بتسوية وضع زوجي الراحل ومنحي المعاش المستحق عنه لكي أرعي طفلتي به إلى جانب ما
تسهم به أسرتي في ذلك, فهل تستطيع مساعدتي في ذلك؟
ولكاتبة هذه الرسالة أقول:
وذلك بدلا من أن نتعلم من
عبرة الموت ما يجعلنا أكثر عدلا مع الحياة, إنني أؤيدك تماما في عدم خضوعك لهذا
الضغط المادي عليك لكي تسلمي طفلتك لأخوة زوجك الراحل.. فحضانة الصغير في
المرحلة الأولى من عمره حق للأم قبل غيرها ثم لمحارمه من النساء من بعدها, ثم
لمحارمه من الرجال من بعدهن.
ولقد حسم هذا الأمر بالهدي
النبوي الحكيم حين جاءت امرأة إلى رسول الله صلوات الله وسلامه عليه فقالت: يا
رسول الله إن ابني هذا كان بطني له وعاء وحجري له حواء وثديي له سقاء, وأن أباه
طلقني ويزعم أنه ينتزعه مني. فقال لها الرسول الكريم صلوات الله وسلامه عليه..
أنت أحق به ما لم تتزوجي.
كما حكم الصديق أبو بكر رضي
الله عنه بين عمر بن الخطاب رضي الله عنه ومطلقته الأنصارية في مسألة حضانة ابنها
عاصم فقال له أبو بكر: ريحها ومسها ومسحها وريقها خير له من الشهد عندك.
وقد كان عمر أباه, فما
بالك بالأعمام الذين يسعون لحرمان أرملة أخيهم من حقها المشروع في ميراث زوجها..
ويحجبون حق طفلته الصغيرة نفسها في إرثه لكيلا تستفيد بشئ منه أمها؟
إن الأم التي تتهلل للتخلي
عن وليدها الصغير, بمثل هذه السهولة إنما تكرر نموذج الضفادع التي تضع بيضها في
المستنقع ثم تترك صغارها تكافح بمفردها للبقاء.. والنجاة من الأعداء الطبيعية
لها.
وليس ذلك مما يشرف أي أم..
وما ينبغي له أن يكون من مؤهلات الرضا عنها لدى أهل الزوج أو من أسباب تساهلهم
معها للحصول على بعض حقها المشروع لديهم في ميراث زوجها بل ينبغي له أن يكون من
أسباب غضبهم عليها وسقوط اعتبارها في نظرهم.
فعلى أي شيء إذن ينازعك
هؤلاء الإخوة المعتزون بذكرى أخيهم الغالية؟
وأي فخر في أن يتكتموا
حقيقة الحالة الصحية لأخيهم وهم يتقدمون معه لخطبة فتاة صغيرة تحلم
بحقها العادل في السعادة؟
وأي عدل في أن يحجبوا عنها
هذه الحقيقة المؤلمة نفسها حتى وبعد أن شاركت أخاهم حياته وارتبط مصيرها بمصيره؟
وأي عزاء هذا الذي يقدمونه
لها عن استدراجها للارتباط بشقيقهم بغير مكاشفتها بحقيقة حالته الصحية, وترك حق
الاختيار لها, فلا يكون تكفيرهم عن هذا الجرم الأخلاقي تجاهها سوى محاولة انتزاع
طفلتها منها أو حرمانها هي وطفلتها من كل حق لها في ميراث شقيقهم؟
إنني أطالبك بالتمسك
بحضانتك لطفلتك.. وبحقها وحقك في ميراث أبيها, واستخدام كل الوسائل القانونية
الممكنة لانتزاع الحقوق ممن يرفض ردها, أما طلبك بشأن معاش التأمينات الخاص
بزوجك الراحل فإنني أضعه أمام السيد رئيس الهيئة العامة للتأمينات الاجتماعية..
وآمل في اهتمامه ببحث أمرك وتذليل الصعوبات التي تحول دون نيلك لحقك.
شارك في
إعداد النص / سالي ياسر
راجعها وأعدها للنشر / نيفين علي

برجاء عدم النسخ احتراما لمجهود فريق العمل في المدونة وكل من ينسخ يعرض صفحته للحذف بموجب حقوق النشر