الحل الصعب .. رسالة من بريد الجمعة سنة 2003
عبد الوهاب مطاوع
بريد الجمعة
أنا رجل في خريف العمر.. أريد أن أرجع معك إلى البداية المبكرة فأقول لك إنني بعد حصولي على بكالوريوس التجارة منذ سنوات بعيدة, اصطحبني أبي إلى القاهرة لأتسلم وظيفة محترمة بإحدى شركات القطاع العام.. ولأنني كنت غريبا في المدينة ولست من أبنائها, فلقد اصطحبني أبي إلى أحد أبناء بلدتي المقيمين في القاهرة وطلب منه أن يدبر لي سكنا ملائما, وبالفعل قام الرجل الطيب بإيجاد مسكن مناسب لي قريب منه وزوده بالأثاث الضروري, وبدأت حياتي العملية في القاهرة بمساعدته, وكان لهذا الرجل أبناء منهم فتاة في الرابعة عشرة من عمرها.. ولم يمض وقت طويل على وجودي بالقاهرة حتى تحولت من طفلة لا تستوقف النظر إلى وردة جميلة ويانعة, وكانت قد مضت ثلاث سنوات على بدء عملي فتشجعت وفاتحت أبي وأمي برغبتي في الزواج من ابنة الرجل الطيب الذي ساعدني في بداية حياتي العملية, وسعد أبواي كثيرا برغبتي هذه, وتزوجت هذه الفتاة بغير سابق غرام ولا قصة عاطفية ملتهبة كما نرى في الأفلام.. وانتقلت معها إلى شقة أكبر, واكتشفت بعد الزواج أنني قد تزوجت نبعا من الحنان والحب والعاطفة والأنوثة والرقة والأدب.. وتأخرت زوجتي في الحمل بعض الوقت فلم أشعر بالقلق, وبعد ثلاث سنوات فاجأتني زوجتي ذات يوم بأنها حامل ودون أي علاج لتأخر الحمل, وكما حملت زوجتي دون علاج فلقد وضعت حملها أيضا دون مساعدة من طبيب, وجاءها المخاض فجأة وهي تؤدي أعمالها المنزلية فوضعت طفلتنا الجميلة بمساعدة جارة طيبة لنا استعانت بها.
وحمدنا الله كثيرا على نعمته وسعدنا بابنتنا سعادة كبيرة, وحاولنا بعد ذلك أن ننجب لها شقيقا أو شقيقة فلم يقدر الله لنا ذلك, ووجهنا كل رعايتنا وحبنا لقرة أعيننا الغالية.. إلى أن شبت عن الطوق وأصبحت فتاة جميلة تفيض رقة وأنوثة, فضلا عن تفوقها الدراسي وحصولها على بكالوريوس الصيدلة, وعملت قرة عيني صيدلانية بالحكومة لفترة قصيرة, ثم أصبحت صاحبة صيدلية صغيرة بالقرب من مسكننا, وتقدم إليها شاب عرضناه على ابنتي فلم تبد اعتراضا ولا قبولا.. فرحبنا به وتم الزواج بسلام, وسعدت به ابنتي وكانت سعادتنا أنا وزوجتي أكبر وأشمل.. خاصة حين بدأ الأحفاد الأعزاء يتوافدون حتى أصبحوا أربعة ملأوا علينا الدنيا حبا وبهجة وسرورا, واكتملت سعادتنا واشترينا سيارة كبيرة لكي تسعنا جميعا في رحلاتنا الأسبوعية إلى بلدتنا.. وبنينا في البلدة الصغيرة منزلا بسيطا وجميلا لكي يحتوينا حين نزور القرية كل أسبوع.. وحرصت على أن أصطحب معي في هذه الزيارة الأسبوعية ابنتي وزوجها وأبناءهما فنقضي ليلة أو ليلتين في المنزل الريفي الجميل ونرجع سعداء إلى القاهرة, ومنذ عام كنا في زيارتنا الأسبوعية لبلدتنا وكان كل شيء جميلا وبهيجا وواعدا بالسعادة.. وابنتي تلاعب أطفالها في صالة البيت وتتعالى ضحكاتهم العالية.. فإذا بها تسقط فجأة على الأرض فاقدة الحركة وهرولنا إليها.. وأسرع زوجها يستدعي أطباء القرية الذين حاولوا إفاقتها وعلاجها, فإذا بي أسمع أحد هؤلاء الأطباء يقول بالانجليزية لزميل له ظنا منه أنني أجهلها.. إنها قد ماتت!
واستهداء بهذه العبارة.. فإني أقول لك إن عجلة الحياة لابد أن تواصل دورانها مهما اعترضها من أحزان وأشجان.. ولابد من أن تواصل هذه الأسرة حياتها بعد غياب الأم الشابة والجدة العطوف عنها, رحمهما الله رحمة واسعة.. ولقد تضطرنا تصاريف الأيام في كثير من الأحيان إلى التعالي علي الأحزان والقبول بالحلول الصعبة والمريرة, والحل الصعب في مثل ظروفك هذه هو أن تغالب أحزانك وترشح لوالد أحفادك سيدة ملائمة له في العمر والظروف تتوافر فيها الرحمة بالأحفاد والتدين الصحيح والرغبة الصادقة في السعادة وتضميد الجراح والتقرب إلى الله سبحانه وتعالي برعاية هؤلاء الأيتام الحيارى فتحتضنهم وتحتويهم وترضعهم لبان عطفها ورحمتها.. وتمضي هذه العائلة في طريقها في رعاية جد عطوف وأم بديلة رحيمة.
إنه حل صعب بالفعل، لكنه ليس كذلك بالنسبة لأصحاب النفوس الكبيرة والقلوب الحكيمة.. والأمر لله من قبل ومن بعد.
راجعها وأعدها للنشر/ نيفـين علي

برجاء عدم النسخ احتراما لمجهود فريق العمل في المدونة وكل من ينسخ يعرض صفحته للحذف بموجب حقوق النشر