بداية الانهيار .. رسالة من بريد الجمعة عام 2002

 

بداية الانهيار .. رسالة من بريد الجمعة عام 2002

بداية الانهيار .. رسالة من بريد الجمعة عام 2002

ترددت طويلا قبل أن أكتب إليك هذه الرسالة‏,‏ لأنني إنسان كتوم بطبعه‏..‏ وقبل أن أروي لك قصتي أقول لك إنني نشأت في أسرة مكونة من أم وسبعة أبناء أنا أصغرهم‏..‏ وقد كافحت الأم بمفردها حتى تخرجنا جميعا في الجامعة وعملنا‏..‏ وساعدتنا كلنا في الزواج ووقفت إلي جانبنا عند مجيء أبنائنا وساعدتنا في تربيتهم‏.‏
ولقد عملت عند تخرجي في إحدى شركات التجارة الخارجية واكتسبت خبرة كبيرة في مجال الاستيراد والتصدير والتسويق وإقامة المعارض‏,‏ وتعرفت خلال عملي بهذه الشركة على فتاة ملائمة وتزوجتها وساعدتني أمي في زواجي ماليا‏..‏ وبأقساط كانت تدفعها شهريا من مرتبها‏..‏ وتزوج بقية أخوتي واحدا بعد الآخر‏..‏ وتزوجت أخراهن في مسكن أمي وأقامت معها‏..‏ واستمررت في عملي بالشركة إلى أن تعرفت بأحد التجار الشرفاء وأنشأنا معا شركة صغيرة للاستيراد‏,‏ وبدأنا نمارس العمل لحسابنا‏..‏ إلي أن رسخت الشركة أقدامها فاستقلت من عملي بالقطاع العام وتفرغت لشركتي وبدأ المال يتوفر لدي‏..‏ فعوضت زوجتي وأبنائي وأسرتي عن صعوبات البداية‏..‏ وبدأت أشعر بالرضا عن نفسي وعن حياتي وأسرتي‏,‏ شيء واحد فقط بدأت أشعر بالانزعاج له وهو وضع أمي‏.


فلقد بدأت المشاكل تكثر بينها وبين شقيقتي وزوجها اللذين يقيمان معها في سكنها‏..‏ وبدأت تنتقل بين بيوت أبنائها للإقامة فيها فترات‏..‏ فلا يطول الوقت حتى تطرد من كل بيت‏..‏ وترجع إلى مسكنها‏..‏ ثم بلغني أن زوج شقيقتي المقيم معها قد تشاجر معها شجارا عنيفا وطردها من البيت لينفرد بالمسكن‏.‏
فوجدت نفسي أمام خيارين‏,‏ إما أن أهدم بيت شقيقتي‏,‏ وإما أن آخذ أمي لتقيم معي بعد أن اعتذر كل أشقائي عن عدم إقامة أمي معهم لرفض زوجاتهم لذلك‏..‏ وبالفعل أقامت أمي معي لفترة‏,‏ ثم فوجئت بزوجتي تطرد أمي من الشقة وتعاملها أسوأ معاملة‏..‏ فلم أجد مفرا من إدخالها أحد بيوت المسنين وتحملت وحدي تكاليف إقامتها فيه‏,‏ وكانت حوالي ألف جنيه شهريا‏..‏ وظلت في هذا البيت لمدة عامين لم يزرها خلالها أحد من أشقائي‏,‏ ثم توفيت إلى رحمة الله‏.


ومنذ أن قمت بإدخال أمي إلى بيت المسنين شهدت حياتي عدة تطورات متتالية‏,‏ فلقد توفي شريكي وحصل ورثته على مالهم وتمت تصفية الشركة التي كانت قائمة بيننا‏..‏
وأنشأت شركة أخرى مع قريب لي استثمرت فيها خبرتي‏..‏ وبعد نجاح الشركة واستقرارها استولى عليها وحده لأنها كانت باسمه‏,‏ واستغنى عن خدماتي بعد أن اكتسب مني الخبرة‏,‏ وتدهورت أحوالي المادية تدريجيا خاصة بعد أن تزوجت من أخرى وأنجبت منها وأثثت لها شقة‏,‏ إلى أن أصبحت أعيش الآن على إعانة شهرية من شقيقي الأكبر على أمل أن تتحسن أحوالي فيما بعد‏,‏ وأرد إليه ما حصلت عليه منه‏,‏ إنني أتساءل‏:‏ لماذا يلاحقني الفشل وعدم التوفيق والاضطراب في حياتي في السنوات الأخيرة؟‏!.‏

ولكاتب هذه الرسالة أقول‏:‏

أنت أعلم بظروفك الشخصية وأحوال عملك مني ‏..‏ لكني ألاحظ فقط أن بداية التدهور والاضطراب في حياتك قد تزامنت مع إرغامك لوالدتك التي كافحت لتربيتكم جميعا وحدها حتى تخرجتم وعملتم وساعدتكم في زواجكم وتربية أبنائكم‏,‏ على الإقامة وحيدة في دار للمسنين تجتر فيها أحزانها ومراراتها وإحساسها المؤلم بسوء الجزاء من أبنائها الذين أفنت زهرة العمر في رعايتهم‏..‏ ولم يفلح تحملك لأعباء الدار المادية فيما يبدو في التخفيف من هذه المرارة التي تجرعتها‏,‏ ولا في إعفائك من لومها الداخلي لك أن عجزت عن حمايتها وتوفير المأوى الآمن لها في بيتك أو في بيوت أحد أبنائها العديدين‏,‏ فلعل لذلك دلالته التي يستحق التوقف عندها والتفكر فيها‏.‏
كما لعل لزواجك الثاني ــ الذي لا صلة له في تقديري ــ بموقف زوجتك الأولى غير الكريم من والدتك‏,‏ دورا آخر مؤثرا في استنزاف مواردك واضطراب أحوالك المادية‏.‏
فحاول أن تبدأ من جديد‏..‏ وتذكر والدتك دائما بالاستغفار والاسترحام وقراءة القرآن من أجلها‏,‏ عسى أن تستعيد عافيتك الذهنية والعملية وتعوض سنوات الاضطراب والخراب الأخيرة في حياتك
.

·       نشرت في جريدة الأهرام "باب بريد الجمعة" عام 2002

راجعها وأعدها للنشر / نيفين علي


Neveen Ali
Neveen Ali
كل ما تقدمه يعود إليك فاملأ كأسك اليوم بما تريد أن تشربه غداً
تعليقات