الحاجز الزجاجي .. رسالة من بريد الجمعة عام 1998
أنا طبيب شاب أبلغ من العمر36 سنة وحاصل
علي درجة الماجستير في تخصص نادر, وقد أنعم الله علي بنعمة القبول لدى الآخرين,
ويراني الجميع شابا طيبا ورقيقا ومهذبا وخفيف
الظل, كما أن زملائي يغبطونني على نجاحي في عملي وعلاقاتي الاجتماعية
الواسعة, ويرون في مثالا للسعادة التي
توافرت له كل أسبابها.. لكني لست سعيدا بكل ذلك وأشعر بالتعاسة لو خيرت بين كل
ما توافر لي الآن وبين السعادة التي أطمح إليها لما ترددت في التضحية به, فمنذ
خمس سنوات أحببت فتاة كانت وقتها في الثانوية
العامة ثم رسبت في الامتحان بسبب علاقتي بها وبسبب بعض هفواتها مع الشباب
الآخرين وهي الهفوات التي كنت أغفرها
لها, وأعتبرها مراهقة لا تلبث أن تنتهي.. ثم حدث بعد ذلك أنني قد ترددت في
الارتباط بها بسبب معارضة أسرتي وأصدقائي لزواجي منها لعدم التكافؤ العلمي والاجتماعي
والعائلي بيننا, فتقدم إليها شخص آخر وتزوجته
ولم يطل زواجهما أكثر من أربعة شهور, وتم الانفصال بينهما بسبب عدم
توافق الطباع, وبعد طلاقها شعرت بحب
جارف لها من جديد, وتقدمت إليها بالرغم من اعتراض الجميع عليها لأنها مطلقة,
وتمت الخطبة واستمرت عاما كاملا, وجدت نفسي في نهايته غير مستريح للزواج منها,
فأعدت إليها الدبلة, لكنها بكت كثيرا وتوسلت
إلي ألا أهجرها, ووعدتني باستكمال تعليمها وبالالتزام في جميع تصرفاتها
بشرط ألا أتخلي عنها, خاصة أن والدها
مريض ووالدتها مسنة وإخوتها كل منهم مشغول بأمره.
أخفي عليك أنني شعرت بالإشفاق الشديد
عليها, وحاولت تفسير ضيقي بهذا الزواج وعدم رغبتي في إتمامه, بما ووجهت به من
معارضة من جانب الجميع.. وقدرت أن هذه الظروف سوف تتغير بعد الزواج ومرور
الأيام, وتزوجتها بالفعل, وكانت ليلة الزفاف التي يقولون عنها إنها أحلى
ليالي العمر أتعس ليلة بالنسبة لي, ولم أشعر بأية فرحة لهذا الزواج بل شعرت بالندم
الشديد لأنني لم أقل لا في الوقت المناسب بل وأحسست أيضا بأنها قد استغلت طيبتي
وبأنني قد ضعفت أمام توسلاتها لي لإتمام الزواج, وإنني كنت أستحق من هي أفضل
منها كثيرا, وبدأت حياتي الزوجية معها وأنا لا أشعر بالابتهاج أو السعادة..
ولسوء الحظ فقد حملت زوجتي في الشهر الأول من الزواج, وبدلا من أن أسعد بهذا
الخبر الذي يسعد له كل الأزواج, حزنت له.. ومضت شهور الحمل بشواغلها ومتاعبها
المألوفة, وجاء طفلي الصغير إلي الحياة فأصبح الشيء الوحيد الذي يربطني بها, أما هي
فقد وفت بما تعهدت به لي وهو مناشدتي ألا أتخلي عنها وأكملت تعليمها بالفعل وبذلت
جهدا كبيرا للحصول علي الشهادة الثانوية,
والتحقت بإحدى الكليات الجامعية.. ونجحت في أعوامها الأول والثاني
والثالث بلا تعثر, حتى أصبحت الآن في
عامها الجامعي الأخير, وبالرغم من ذلك فإن مشاعري تجاهها لم تتبدل, بل أصبحت
أشعر بفتور باطني شديد منها, فحتى اللقاء
الجسدي بيننا أصبح واجبا ثقيلا بالنسبة لي إلي حد أنها تتهمني بالبرود مع
أنني لست في الحقيقة كذلك, ولقد حاولت
خلال ثلاث سنوات ونصف السنة الاقتراب منها,
وحاولت هي قصارى جهدها اجتذابي إليها ولكن دون جدوى فهناك حاجز نفسي يقف
بيني وبينها لا أعرف سببا له, ولا
أدري هل يرجع إلي إحساسي بأنني قد تنازلت كثيرا وضحيت بأشياء كثيرة في هذا الزواج
وبالتالي فإنني الطرف الخاسر طوال الوقت,
ولم أحصل على ما أستحقه من سعادة كانت مؤهلاتي التي أشرت إليها في بداية
رسالتي ترشحني للحصول عليها.. أم يرجع
ذلك الحاجز إلي أنها قد سبق لها الزواج قبلي
وأنا لم أتزوج سواها؟!
قليل الكلام معها.. وقليل الضحك أو
الابتسام داخل البيت, وشخص مختلف عن ذلك تماما خارجه, وأشعر أنني أقف في مفترق
الطرق وأفكر حاليا في الانفصال عنها.. وقد حصلت على شقة أخرى لكي أنتقل إليها
في حالة الانفصال كما أنني لا أستطيع أن أعيش مع امرأة لغير سبب آخر سوى أن أربي
ابني منها, خاصة أنني أتعرض في مجال عملي
لإغراءات كثيرة وأشعر في بعض الأحيان بالضعف تجاه هذه الإغراءات.. فبماذا
تنصحني أن أفعل.. خاصة أن زوجتي ترغب
في إنجاب طفل آخر.. وأنا أرفض ذلك؟
ولكاتب هذه الرسالة أقول :
ولماذا تزوجت زوجتك
هذه وأنت غير مقتنع بها.. ولست على
ثقة من أنك سوف تستطيع التعامل مع حقيقة أنها قد تزوجت قبلك, وكانت لها بعض هفواتها
في سن المراهقة؟.. إن مشكلة بعض الشباب هي أنهم لا يقوون نفسيا على مواجهة
الحقيقة التي يتظاهرون أمام أنفسهم وهم في غمرة الاندفاع العاطفي والرغبة فيمن يحبون,
بأنهم قادرون على التعامل معها والقبول بها,
ثم يخمد الفوران العاطفي بعض الشيء بالزواج أو حتى بالخطبة.. فإذا
بتحفظات العقل التي تجاهلها القلب في
البداية تصحو من جديد.. واذا بمن تظاهروا بالنسيان والتجاوز عن الماضي, يضيقون
بضعفهم العاطفي الذي أغراهم بالارتباط بمن اعترض عليهن العقل من قبل, وبدلا من
أن يلوموا أنفسهم على فشلهم في اختبار المواجهة
مع الحقيقة, فإنهم يعفون أنفسهم من كل لوم ويصبونه صبا على من ارتبطوا
بهن, ويحدث ذلك غالبا بعد أن يكونوا
قد أنجبوا طفلا صغيرا يشعرون بالعجز أمامه عن تصحيح أوضاعهم من وجهة نظرهم فلا
يكون لذلك من نتيجة سوى النفور الصامت ممن أحبها الشاب وتحدى الجميع من أجل
الارتباط بها, وسوى اتهامها باستغلال طيبته للزواج منه, مع أنه في البداية وفي
النهاية رجل مسئول عن اختياراته ومن الرجولة أن يتحمل تبعات
الاختيار بشجاعة, لأنه قد اختار الحب
بالرغم من تحفظ العقل عليه..
ولأن كل إنسان يرى نفسه دائما جديرا بأن
ينال أفضل جوائز الحياة, فأنت يا صديقي الشاب تعتقد أنك كنت تستحق فتاة أفضل
ممن تزوجتها, وتبرر ذلك لنفسك بأن لك من المؤهلات العلمية والاجتماعية والعائلية
والقبول عند الآخرين ما كان حريا بأن يرشحك
للسعادة مع من هي أفضل من زوجتك وأم طفلك هذه.. وبعيدا عن نغمة التقدير
المغالى فيه دائما للذات فإني أهمس لك
بأنه ليست هناك مؤهلات علمية أو اجتماعية أو عائلية ترشح أي إنسان للسعادة, وإنما
هناك عوامل تقرب الإنسان من الفوز بها, من أهمها الرضا بما أتيح له من أسباب
والاستعداد النفسي للتوافق مع الحياة بوجه عام ومع من يشاركهم رحلة حياته بوجه خاص
من الزوجة إلى الأبناء إلى الأهل والأصدقاء
إلى جانب الميل للعيش بسلام مع النفس ومع الآخرين.. ولهذا فقد يظفر
بالسعادة من لايحظي بشيء من مؤهلاتك
العلمية والاجتماعية, وقد يحرم منها من يحظي بأضعاف أضعاف ما تعتز به من مؤهلات
ولأنك شديد الاعتزاز بهذه المؤهلات فإنك تعتبر نفسك الطرف الخاسر طوال الوقت في زواجك
من زوجتك, وتعتبرها هي الفائزة على طول الخط لظفرها بالزواج منك.. وفي ذلك
أيضا قد أقول لك ان زواج سيدة من رجل يعتقد في أعماقه أنه أفضل منها, وينطوي لها
علي ما يشبه الازدراء الباطني لزواجها قبله وبعض هفواتها في فترة المراهقة ليس فوزا
لأي امرأة مهما يكن مستواها متدنيا.. وإنما
هو جحيم لا يدركه إلا من يكابده ويكفي أنها قد جاهدت باعترافك لاستكمال
تعليمها والارتقاء بمستواها الثقافي لكي
تكون جديرة بك كزوجة حتى أوشكت على إنهاء دراستها الجامعية والتزمت في كل
تصرفاتها لتظفر باحترامك وثقتك, وبذلت قصارى جهدها لاجتذابك إليها فووجهت دائما
بالصد والنفور والخذلان, فأي فوز في معاشرة رجل يستخسر نفسه في زوجته, ويرى أنه
كان يستحق أن يتزوج من هي أفضل منها من كل الوجوه لولا عشقه لها في
فترة من الفترات وضعفه العاطفي السابق معها؟..
نعم أي فوز في مثل هذا الزواج, وأي نعيم
فيه لمن تجد نفسها في مثل هذا الوضع المؤلم؟.. يا صديقي إنك لا تريد
الاعتراف لنفسك بأنك لم تغفر لها
هفواتها خلال فترة الارتباط الأولي بك, ولا زواجها الأول الذي يبدو من طبيعته
المتعجلة حيث تم عقب ترددك في التقدم إليها علي الفور انه لم يكن يختلف كثيرا عن سابق
هفواتها.. لكن لأنك تخجل من الاعتراف لنفسك
بذلك فانك تبحث عن أسباب أخرى للحاجز الزجاجي الذي أقمته أنت بيديك بينك
وبينها.. ولو أردت الإنصاف لواجهت
الحقيقة وتحملت تبعات اختيارك بشجاعة نفسية وأمانة مع النفس والغير ولقدرت لزوجتك
هذه حرصها عليك واستماتتها في السعي لنيل القبول منك بكل الحيل والوسائل, ولو
كان سهر الليالي وخوض الامتحانات الدراسية,
فضلا عن الإخلاص لك والالتزام بك, ولأشفقت على نفسك من أن تنبذ مثل
هذه الزوجة التي تعاني جحيم نفورك
الصامت منها وتجاهد بالرغم من ذلك لاجتذابك إليها لكي تخوض من بعدها تجربة المجهول
مع من قد لا تجد لديها بعض ما تحظي به الآن من تقدير لدي زوجتك هذه.. أو مع من قد
تجد نفسك معها وقد انقلبت الآية وأصبحت أنت
الذي تبذل كل جهدك ومهارتك لنيل القبول منها, فلا تنال منها رغم الكد
والعناء إلا النفور الصامت لأنها ترى
نفسها هي الأخرى الطرف الخاسر في زواجها منك, وتراك الطرف الذي ظفر بالزواج
منها ولم تكن لتستحق هذا الفوز العظيم لأنها تظن بنفسها أنها كانت جديرة بأن تتزوج
ممن هو أفضل منك من كل الوجوه.. وقديما قال الشاعر العربي:
وما مر يوم ارتجي فيه راحة
فأخبره إلا بكيت علي
أمسي!
فإذا كنت تقول في النهاية انك لا تستطيع
العيش مع امرأة لغير سبب سوى أن لك طفلا منها, فاني أقول لك أن لكل إنسان أن
يضع نفسه حيث يراها جديرة بأن تكون.. إما بين من يختارون ما يتصورون أن فيه
سعادتهم ولو أدى ذلك إلى شقاء زوجة محبة وحيرة طفل صغير وإما بين من لا يسعدون بشقاء
الآخرين, ولا تهنأ لهم الحياة إذا هم تخلوا
لمثل هذه الأسباب عن مسئوليتهم كآباء لأطفال لم يستشاروا قبل مجيئهم من عالم
الغيب في اختيار أمهاتهم وآبائهم..
فضع نفسك حيث تراها جديرة بأن تكون بين
أهل الأثرة والأنانية والذاتية.. أو بين أهل الفضل والمروءة والوفاء وشكرا
· نشرت في جريدة الأهرام "باب بريد الجمعة" عام 1998
راجعها وأعدها للنشر / نيفين علي

برجاء عدم النسخ احتراما لمجهود فريق العمل في المدونة وكل من ينسخ يعرض صفحته للحذف بموجب حقوق النشر