طريق الشوك .. رسالة من بريد الجمعة عام 2003
الحب وحده لا يكفي لإنجاح الحياة الزوجية
والحفاظ عليها باستمرار في حالة الزواج الثاني لكلا الزوجين مع وجود أبناء الطرفين
تحت سقف واحد وإنما يتطلب الأمر إلى جانبه الصبر وحسن الإدراك والفهم وروح العدل والإنصاف
في التعامل مع كل الأبناء, وروح المهادنة والرغبة القوية في العيش بسلام.
عبد الوهاب مطاوع
فكرت أكثر من مرة خلال
العام الماضي في أن أكتب إليك عارضا مشكلتي, لكن خجلي من نفسي كان يمنعني من ذلك
.. فكيف لي وأنا قد جاوزت الأربعين عاما ولدي من الخبرة وبالحياة ما لدي, أن
أقف في موقف الحيرة والتردد والتوتر الدائم هذا؟..
لكني أحتاج بشدة إلى أن
أروي لك قصتي وأن أستعين برأيك على أمري, فلقد
تزوجت من أخت أحد أصدقائي وأنجبت بنتين ثم ماتت زوجتي وهي تلد طفلها الثالث ..
وكان ولدا, وأصبحت أنا وأبنائي الثلاثة بلا زوجة ولا أم للأطفال, فعشت أياما
قاسية حيث تعودت من صغري على أن تكون هناك امرأة بجانبي, كما أني لا أستطيع تحمل
تبعات العزوبية والاعتماد على النفس بغير مساعدة من زوجة في تدبير شئون حياتي
وتربية الأبناء, وبعد وفاة زوجتي بفترة ليست قصيرة تعرفت على زميلة لي في العمل
أحبتي حبا شديدا وكانت هذه الزميلة متزوجة ولكنها تعيش حياة تعسة جدا ومنفصلة داخل
البيت عن زوجها منذ 5 سنوات ولديها ولد وبنت.. وبعد توثق العلاقة بيننا طلبت
زميلتي الطلاق من زوجها ـ وكان يقيم بشكل شبه دائم خارج منزله ـ وتم الطلاق بصعوبة
شديدة, وأصبحت حرة وعلى الرغم من تحذيرات الكثير لنا من صعوبة رعاية خمسة أطفال
في منزل واحد ليسوا أشقاء أو أخوة فلقد رأينا أنه طالما هناك الحب.. فكل شيء
سيجري وفقا لما نريد وسنعيش حياة جميلة معا.. وهكذا فلقد اتفقنا على الزواج..
وتزوجنا وضممت أبنائي إلى أبنائها وأصبحنا أسرة واحدة .
وقد تزوجت زوجتي هذه لسببين,
أولهما أولادي وضرورة
وجود امرأة معهم تحسن تربيتهم وترعاهم, والثاني هو اقتناعي الشديد بأن هذه
السيدة هي أنسب امرأة لأبنائي لأنها تحبني بجنون .. ومادام الأمر كذلك فسترعاهم
خير رعاية وستراعي الله فيهم لكني فوجئت بعد الزواج بوجه آخر.. ومعاملة أخرى,
وحساسيات لا أول ولا آخر لها في المعاملة, فهي تميل إلى السيطرة على
البيت ومحاولة تهميش دوري به كما أني أشعر بكرهها الشديد لابنتي الكبيرة والتي
تبلغ من العمر16 عاما وتعاملها معاملة سيئة إلى جانب حساسيتها المفرطة في أي شيء
يخص أولادها.
وكانت النتيجة أن أدى كل
ذلك إلى توتر دائم بالمنزل وسوء نية بين الكل.. وحاولت الحديث معها بهدوء أكثر من مرة, ومناقشة
أي مشكلة نتعرض لها, إلا أن الأمر في النهاية ينتهي بمشاجرة يتدخل فيها الأهل
والأصدقاء فيزيدون الطين بلة.
إنني في حيرة من أمري هل
أقوم بتطليقها.. أم أن هذا التصرف فيه شيء من عدم حفظ الجميل خاصة أنها طلقت من
أجلي وأجل أولادي.. وماذا لو طلقتها هل سأعود مرة أخرى إلى حياة صعبة مع أولادي
وأصغرهم طفل في الرابعة من عمره. ماذا أفعل يا سيدي؟
ولكاتب هذه الرسالة أقول:
بقدر حجم الآمال التي نتعلق بها يكون عمق الإحباط حين نفشل في تحقيقها.. وأنت يا سيدي قد بنيت آمالا كبارا على زواجك من هذه السيدة في حل مشكلتك الشخصية ومشكلة أطفالك الذين يحتاجون إلى أم بديلة.. ولم تتحسب للمتاعب المتوقعة لرعاية خمسة أطفال لأبوين مختلفين وللطبيعة البشرية التي لابد أن تثير بعض الحساسيات المألوفة في مثل هذه الظروف المعقدة.ولقد كان الأحرى بك أن تعرف من قبل البداية أن الطريق لن يكون مفروشا بالورد, وإنما ستكون هناك صعاب ومشاكل صغيرة وحساسيات عديدة.. لكي توطن نفسك من الأصل على تقبلها والتسامح معها وفهم دواعيها ودوافعها.. ففهم كل شيء يؤدي إلى الصفح عن كل شيء كما تقول لنا الكاتبة الفرنسية مدام دي ستايل, وتسليمك منذ البداية بأنه ستنشأ حساسيات بين زوجتك وبينك بسبب بعض أبنائك أو بسبب أي فعل أو تصرف تتصور هي أن فيه إجحافا بأبنائها أو أية شبهة لعدم المساواة بينهم وبين أبنائك, كان سيدفعك بغير شك لتجنب أي فعل أو سلوك قد يثير مثل هذه الشبهة وإلى التعامل بمرونة أكبر مع المشاكل الصغيرة.. وإلى التجاوز عما لا حيلة لأحد فيه ولا سلطان لك عليه كمشاعر زوجتك مثلا تجاه ابنتك الكبرى .. وكنت ستتقبل بعض ذلك باعتباره من أشواك الحياة التي لا مفر منها مع زوجة لها أبناء عدا أبنائك.. ولها عيوبها وصغائرها كغيرها من النساء, إلى جانب مميزاتها الأخرى.
أما اعتمادك على أنها تحبك بجنون كما تقول وقد طلبت الطلاق من أجلك, وبالتالي فلسوف تكون الزوجة المثالية لك والأم الرءوم لأبنائك فلقد خانك فيه التوفيق .. لأن الحب وحده لا يكفي لإنجاح الحياة الزوجية والحفاظ عليها باستمرار في مثل هذه الحالة.. وإنما يتطلب الأمر إلى جانبه الصبر وحسن الإدراك والفهم وروح العدل والإنصاف في التعامل مع كل الأبناء, وروح المهادنة والرغبة القوية في العيش بسلام.. فهل توافر كل ذلك في زوجتك.. وفيك؟
لقد قطعت شوطا بعيدا في
قصتك مع هذه.. وأقدمت هي على خطوة خطيرة ففصمت.. وفصمت عرى حياتها الزوجية
السابقة.. وخاضت الأهوال للحصول على الطلاق والزواج منك, ومن العبث أن يتحطم
مثل هذا الزواج سريعا على صخرة المشاكل الصغيرة وحساسيات التعامل مع أبناء كل طرف
من الطرفين, وإنما يجب أن يدرك كل طرف أنه باختياره للآخر وبخوض تجربة الزواج
منه وقيامه بلم شمل الأبناء الحائرين جميعا تحت سقف واحد قد أصبح من واجبه أن يحمي
هذا السقف من الانهيار فوق رءوسهم وأن يضحي ببعض اعتباراته الشخصية بل وببعض ما
يعتبره هو من وجهة نظره حقا لأبنائه في سبيل الهدف المشترك وهو استمرار الحياة
العائلية بأقل حجم ممكن من الأضرار النفسية والتربوية.. والحفاظ على سفينة
الزواج طافية فوق الماء بالرغم من كل شيء مادمتما قد اخترتما الزواج, فضع هذا
الهدف في اعتبارك وفي اعتبار زوجتك والتربية المشتركة للأبناء واعتباره الهدف
الأسمى لكما معا.. وتعاملا مع حياتكما ومع أبنائكما على أساسه, ولسوف تتجاوزان
معا عن كثير من الهنات والصغائر والحساسيات, ولسوف تمضي بكما رحلة الحياة
الزوجية إلى ما شاء الله.
· نشرت في جريدة الأهرام "باب بريد الجمعة" عام 2003
راجعها وأعدها للنشر / نيفين علي

برجاء عدم النسخ احتراما لمجهود فريق العمل في المدونة وكل من ينسخ يعرض صفحته للحذف بموجب حقوق النشر