مركز الدائرة .. رسالة من بريد الجمعة عام 1992

مركز الدائرة .. رسالة من بريد الجمعة عام 1992

                       مركز الدائرة .. رسالة من بريد الجمعة عام 1992 

 

أنا سيدة متدينة ومتزوجة منذ سبع سنوات من رجل صالح يعرف ربه، وهو مهني جامعي شاب تزوجته وأنا على مشارف الجامعة فتركت الدراسة وتفرغت له ولبيتي لما لمسته فيه من خلق وتدين .. ورزقني الله منه ببنتين وعشت معه حياة ميسورة هادئة وكان يعمل فى إحدى الدول العربية ويملك عقارا سكنيا وعدة مشروعات في مصر .. وفجأة بدأ زوجي ونحن نعيش معا في الغربة يتحدث عن رغبته في الزواج مرة ثانية، هكذا وبلا مقدمات أو ضرورة ولا يبرر هذا الحديث إلا بأن تعدد الزوجات من كمال دين الرجل ! ولتكثير النسل ! ويحدثني في ذلك طويلا, وكنت أظنه فى البداية يداعبني أو يمزح معي، لكني وجدته جادا فى هذا الأمر ويحدث زملاءه ومعارفه على التعدد ويقول دائما ماذا يمنع مادام في المعيشة سعة , وأن المهم هو العدل بين نسائنا ونسأل الله التوفيق فيه , وانتهى عقد زوجي في البلد الذي كنا نقيم فيها وعدنا إلى مصر وتصورت أنه سينسى تلك الفكرة في ظروف العودة وانشغاله بمشروعاته الصغيرة في مصر فلم تمض فترة قصيرة حتى فوجئت به يطلب مني الموافقة كتابيا على زواجه من أخرى وإلا فالويل والثبور.

ورفضت في البداية ثم لمست اصراره فأعطيته الموافقة بعد مشاورات ومناقشات طويلة حفاظا على نفسي وأولادي من غدر الزمن.

 وتزوج زوجي الحبيب وأقام لزواجه عرسا كأنه لم يتزوج من قبل ! .. واستقرت زوجته الجديدة في شقة أخرى من شقق العقار الذي يملكه ونقيم فيه , ومرت التجربة بسلام وسعد زوجي للغاية ولم يقصر في حقوقي وحقوق البنتين ولم نشعر بتغيير يذكر في حياتنا إلا بعده عنا بعض الوقت.

 

لكن هدوء الحياة لم يستمر طويلا وبدأت مشاكل الغيرة بيني وبين زوجته وعرفت جحيمها وتطورت الأمور خاصة بعد أن أنجبت له الزوجة الأخرى بنتا, ولاحظت تغير زوجي تجاهي بسبب الغيرة والمشاكل التي نجمت عنها بيني وبين زوجته وبدأ يبتعد عنا شيئا فشيئا ويمضي ساعات طويلة في عمله .. ثم هداه تفكيره لحل جديد لهذه المشاكل وهو أن يعود للعمل في الخارج فيكون له بيته هناك ويصطحب إليه إحدانا بالتناوب, فيفصل بيننا ببلاد ومحيطات وتخف الغيرة وتهدأ المشاكل , وفعلا عاد للعمل في نفس البلد واصطحب زوجته الثانية معه لارتباط أولادي بالمدرسة هنا , وعندما انتهت الدراسة أعادها لمصر واصطحبني معه إلى هناك.

 

 وظللنا هكذا نتناوب السفر والحياة معه في الغربة في الصيف والشتاء.

وفي أجازة نصف السنة الأخيرة كان "الدور" علي للسفر إليه فسافرت ومعي أطفالي وأمضيت معه عدة أيام في سعادة، ثم فوجئت بزوجي يبلغني أنه سيتزوج "الثالثة" ويريد موافقتي بإصرار أشد هذه المرة ويطلعني على موافقة زوجته الثانية ويخيرني بين الموافقة وبين الطلاق.

فماذا أفعل يا سيدي، هل أوافق على زواجه مرة ثالثة مع أن تجربة زواجه الثاني قد عقدت حياتنا وزادت من مشاكلنا .. لقد أمهلني زوجي شهرين فقط للرد عليه وأوشكت المهلة على الانتهاء وما يؤلمني حقا أنه يقول أنه سعيد بالتجربة لكننا نحن اللتان نختلقان المشاكل بسبب غيرتنا وعدم اقتناعنا بالتعدد, والمشكلة أيضا أن التعدد في أسرته متكرر ولا يثير انزعاج أحد منهم لهذا فلا أتوقع أن يناصرني أحدهم إذا رفضت فماذا أفعل .. هل أوافق مرة ثالثة، وأترك الأمور تمضي في نصابها ويفعل الله بنا ما يشاء .. أم ماذا أفعل ؟

 

ولــكــاتـبة هـذه الـرسـالـة أقول :

"كمال دين الرجل" يا سيدتي يستطيع أن يسعى إليه زوجك بطرق عديدة أفضل من ذلك بكثير لو كان حقا يستهدفه .. بل إني أستطيع لو أراد هو أن أدله فورا على عشرين أو ثلاثين عملا يقربه أي منها من "كمال دين الرجل" بأسرع من الصاروخ، أبسطها أن يعين بماله شابا مكافحا من أقاربه أو معارفه يريد العفاف ولا يقدر على تكاليفه وتنتظره فتاة طيبة تتحرق شوقا لفرصتها العادلة من السعادة منذ سنوات , وذلك بدلا من أن يستأثر هو وحده بثلاث زوجات في مجتمع يزيد فيه عدد الرجال على عدد النساء ولا تقوم به أية ضرورة شرعية للدعوة العامة للتعدد , وليس من مبرر للتعدد فيه إلا الرخص الشرعية المرتبطة بالظروف الشخصية لمن يحتاج إليه ويقدر على تبعاته وإنها لكبيرة ! أما دعواه الأخرى عن تكثير النسل فلا تقل عجبا عن ذلك وكأننا نخطب في الصحراء القاحلة بلا سميع !

يا سيدتي إن من حق زوجك لو شاء أن يقول أنه يريد أن يتزوج مرة ثانية لأنه لم ينجب منك سوى بنتين وهو يتشهى الولد، حتى ولو اختلفنا معه حول ذلك مع أن الإعرابية القديمة أدركت منذ ألف وأربعمائة سنة أن عوامل الاخصاب عند الرجل هي التي تحدد غالبا نوع الجنين .. فقالت الشعر المعروف الذي عتبت فيه على زوجها لومه لها لأنها لا تنجب إلا البنات وتعجبت من غضبه عليها ذلك أنها كما قالت : "إنما نعطى ما أعطينا" !

ورغم ذلك فله أن يجرب مرة ثانية بل وثالثة أيضا لكن ما دخل الدين في مثل هذه الرغبة الدنيوية الواضحة ولماذا يفضل بعضنا أن يسبغ دائما على نوازعه ورغباته ستارا موصوما من القدسية لا يسمح لأحد بمناقشتها أو الاعتراض عليها ؟

إنها قصة طويلة لا أملك إلا أن أقول لزوجك تعليقا عليها ما قاله أحد الفقهاء حين استشاره رجل في مسألة "كمالية" من هذا النوع فقال له بهدوء : أن الله قال لنبيه "فإذا فرغت فانصب وإلى ربك فارغب , وأنت رجل تلعب فأذهب فالعب "!

ولعلي أضيف إلى ذلك مخاطبا زوجك أيضا وأفعل ما شئت لكن أعفنا من فضلك من "جهادك" لتكثير النسل لأننا نحن وأبناؤنا الذين ندفع ثمنه بالعناء وصعوبة الحياة كل يوم .. أما إذا كنت منصفا فأرض بما أراده لك الله , واستمتع بما أنعم به عليك .. واعتصم بالصبر قليلا فلعل الولد بظهر الغيب بغير حاجة لزواج جديد وحقق العدل بين زوجتيك .. وخفف من عناء الحياة عليهما ولا تكن كمن يقول "وداوني بالتي كانت هي الداء" فتفكر في أن تضيف إليهما ثالثة لتصبح أنت مركز لدائرة أو قبيلة من النساء تقوم على راحتك كالأباطرة الأقدمين .. وأنت من عجزت عن احتمال مشاكل اثنتين.

أما أنت يا سيدتي فلن ألومك إذا وافقت على زواجك من الثالثة حرصا على عدم ضياع ابنتيك وأسرتك لأني أشعر أنك لا تقدرين ماديا على أعباء الخيار الآخر كما أني لا ألومك أيضا إذا تمسكت بالرفض ولو انتهى الأمر بالطلاق إذا كنت قادرة على مواجهة الموقف وتحمل تبعاته المادية والنفسية .. فالفيصل هنا هو "قدرتك " على الاستغناء عنه ومواجهة الحياة مع طفلتيك بغيره .. فإذا كنت غير قادرة وأنت غالبا كذلك .. فصبرا جميلا والله المستعان على نوائب الدهر .. وشكرا

نشرت في جريدة الأهرام "باب بريد الجمعة" مارس 1992

كتابة النص من مصدره / بسنت محمود

راجعها وأعدها للنشر / نيفين علي


Neveen Ali
Neveen Ali
كل ما تقدمه يعود إليك فاملأ كأسك اليوم بما تريد أن تشربه غداً
تعليقات