مؤشرات الخطر .. رسالة من بريد الجمعة سنة 2002

 مؤشرات الخطر .. رسالة من بريد الجمعة عام 2002

مؤشرات الخطر .. رسالة من بريد الجمعة عام 2002


لم أكن أتخيل يوما أنني سأكتب إليك حتى تعرضت لهذه المشكلة فوجدت نفسي عاجزا وحدي عن حلها‏,‏ وإن كانت الحلول جميعها مرة‏..‏ فأنا شاب في بداية العقد الرابع من عمري أعمل بمركز محترم وأحقق دخلا لا بأس به‏,‏ نشأت في أسرة بسيطة ريفية تعلمت منها الحب والقيم والمباديء النبيلة‏,‏ وكنت متفوقا في دراستي بين جميع أقراني حتى في المرحلة الجامعية‏,‏ وغرست في نفسي خضرة الريف رحابة المشاعر الجميلة والرومانسية المتعلقة وعشت وأنا في مراحل دراستي قصة غرامية مع إحدى قريباتي كانت تبادلني نفس المشاعر‏,‏ ولأني لم أكن قد تخرجت فقد ارتبطت هي بآخر وحزنت عليها .

وفي المرحلة الجامعية تعرفت على فتاة أخرى من جيراني في المنزل بدأت هي علاقتنا ولفتت نظري إليها وطلبت لقائي فقابلتها أكثر من مرة‏,‏ وتعاهدنا على الحب والوفاء والزواج وكانت بحق فتاة رائعة في كل شيء وكان والدها وأخوتها يعلمون بهذا الحب ويباركونه ‏,‏ وبعد وفاة والدها طلبت مني أن أتقدم إليها ففعلت وفوجئت برفض أولياء أمورها بالرغم من موافقتها وموافقة والدتها وإخوتها ورغما عنها زوجوها لآخر‏,‏ وكان مبرر الرفض أنني كنت خريجا حديثا ولم يتحدد مستقبلي بعد‏,‏ وحقا لقد فقدتها وكانت إنسانة رائعة تصلح لكل الأزمان ولكنه النصيب والقدر‏.

 

وبعد أن وفقني الله في الحصول على وظيفة محترمة قررت أن أبحث عن شريكة لحياتي ودلني أحد أصدقائي على فتاة قال عنها إنها تناسبني وعندما سألت عنها وعن أهلها كانت الإجابات كلها في صالحها إلا شخصا واحدا قال لي أنها فتاة لعوب فأخذت برأي الأغلبية وعزمت على التقدم إليها وبالفعل تقدمت إليها ووجدت قبولا لدى أهلها وفي أول لقاء معها سألتها عما قاله لي هذا الشخص فنفت هذا الكلام بشدة وسألتها عما إذا كان بينها وبين أحد أية علاقات عاطفية فنفت ذلك أيضا بشدة وبعد مرور فترة طويلة وبعد عقد القران فوجئت بها تتغير تماما‏,‏ فلقائي بها أصبح ثقيلا عليها وأصبحت لا تتحدث معي إلا ردا على أسئلتي وفجأة بدر منها تصرف علمت منه أنها تحب شخصا آخر وطلبت منها وقتها أن تقسم على كتاب الله أنها لا تحبه فرفضت وكان البادي لي من هذا الموقف أنها تحب هذا الشخص‏,‏ وكانت على اتصال به قبل الخطبة وربما خلال فترة الخطبة وعرضت الأمر على أهلها فأقسموا بأن هذا محض خيال ونفت هي وجود أي علاقة لها بهذا الشخص‏,‏ وسلمت أمري لله فقد أصبحت زوجتي‏,‏ حيث أن القران قد عقد وعاهدتني هي على الوفاء وطلبت مني أن أمحو أي شيء من ذهني وارتبطنا وانتقلت إلى منزلي وعشنا الحياة كأي زوجين‏,‏ ولكن حياتنا كانت باردة وشعرت أنها تعيش معي بجسدها فقط بلا روح أو قلب ورزقني الله منها بولد وبنت هما كل حياتي‏,‏ ومرت عشر سنوات على زواجنا ومنذ فترة لاحظت تغيرا في تصرفات زوجتي وشرود ذهنها دائما وإعراضها عني‏,‏ وقلت لنفسي ربما تكون لديها مشكلة أو أن مشاكل أولادي الصغار تثقلها‏,‏ ثم ساورني الشك فيها فقررت أن أراقب سلوكها وأدخلت خاصية إظهار الرقم على تليفوني وعند رجوعي من عملي فوجئت برقم تليفون الشخص إياه الذي كانت تحبه على شاشة تليفوني وعندما رفعت السماعة وضعها في وجهي ووقعت هذه المفاجأة علي كالصدمة وشعرت أن الدنيا تدور بي وجمعت أهلها وسألتها فأنكرت في باديء الأمر وألف أهلها تمثيلية لإقناعي بأن هذا الاتصال لم يكن من هذا الشخص إلا أنني لم أصدق وبعدها بثلاثة أيام اعترفت هي لي بأنها كانت على اتصال دائم به يوميا بالليل والنهار منذ فترة طويلة بل واعترفت أنها كانت تلقاه ولكن دون أن يقع بينها ما يمس الشرف وطلبت مني العفو والسماح من أجل الأولاد‏,‏ وأبدت ندما شديدا ومكثت أسبوعا كاملا في بكاء شديد وقالت لي أن الشيطان سيطر على تفكيرها وطلبت مني السماح لأنها عادت إلى رشدها.

 

 والآن وبعد أكثر من عشر سنوات على زواجي بها شعرت بالمرارة وبأنني أخطأت حين ارتبطت بها وأخطأت في اختيار شريكة عمري‏,‏ واليوم أنا في حيرة من أمري‏ ..‏ هل أطلقها وأتخلص منها خاصة أنها بإرادتها الكاملة قد وقعت لي على تنازل عن جميع حقوقها وحتى عن أولادها أم أبقي عليها حتى أكمل معها تربية أولادي ؟ إنه حقا شيء محير فإذا طلقتها وأنهيت حياتي معها فإن أولادي سيتعرضون للتشرد وهي سترتبط بآخر وأنا كذلك وسيكون الضحية هم الأولاد وهل سأستطيع بذلك أن أبدأ حياة جديدة مع أخرى بعيدا عن أولادي فلذات كبدي ونور عيني وإذا سامحتها وأبقيت عليها فإن تفكيري في علاقتها مع هذا الشخص يكاد يقتلني ويدمرني فلم أعد أستطيع النظر إليها‏,‏ لقد دمرت بتصرفها هذا كل شيء وخلقت شرخا في جدار حياتي معها يصعب إصلاحه أحيانا‏..‏ أقول لنفسي إنها نادمة ورجعت إلى ربها وأشعر بالندم ظاهرا منها وتحاول جاهدة أن تثبت لي أنها لا تحب أحدا سواي وترغب في تكملة المسيرة معي وتقول لي إن الله يقبل توبة العبد‏,‏ إلا أنني أعود وأقول لنفسي أنها خائنة فقد كانت تتصل به الساعات مستغلة غيابي وكانت تلح علي في الخروج من البيت لكي تعاود الاتصال به‏,‏ لقد خانت العشرة والمعاملة الطيبة ولا تستحق أن تعيش معي‏. .. وأتخيل لهفتها على خروجي من المنزل وسؤالها متى سأعود واتصالها بي في العمل حتى تتأكد من وجودي به وأتمزق في داخلي‏..‏ أريد أن أقتص منها لكنني عاجز‏,‏ أرجو أن تبصرني بالحل الذي يرضي الله ورسوله‏,‏ ولكن لا تضغط علي ذراعي المكسورة ويكفيني ما أنا فيه من عذاب زوج خانته زوجته التي أعطاها اسمه وحياته‏.‏


ولكاتب هذه الرسالة أقول‏:‏

أفهم عمق عذابك ومعاناتك يا سيدي‏,‏ وإذا كنت تقصد بعدم الضغط على ذراعك المكسورة ألا أوجه إليك أي لوم فاني لا أعتزم ذلك ولا أملك إلا التعاطف والإشفاق من ثقل ما يحمله صدرك من هموم الآن وإذا كان هناك ما أحب التعفف أمامه في قصتك لكي نضيفه إلى خبرتنا الإنسانية‏..‏ فهو فقط ضرورة ألا نستهين بالمقدمات المنذرة بالخطر أو الواعدة به قبل البداية وألا نتجاهل بعض المؤشرات ذات الدلالة خلال الرحلة كالحياة الباردة من اللحظة الأولى وفتور العاطفة وغياب الروح في العلاقة بين الزوجين على مدى السنين‏,‏ ذلك أن هذه المقدمات والمؤشرات كانت إرهاصات قوية للوضع المأساوي الذي تكابده أنت الآن ويقض مضجعك ويثير حيرتك وقلقك على مستقبل أبنائك‏..‏ والغيرة ـ كما قال الأديب الفرنسي أناتول فرانس ـ بالنسبة للمرأة مجرد جرح لكرامتها‏,‏ أما بالنسبة للرجل فهي عذاب عميق عمق ألم النفس ودائم دوام ألم الجسد‏.‏


وحين يكابد الإنسان ألما طاغيا من هذا النوع فإنه لا يصلح لاتخاذ قرارات متعجلة‏..‏ بشأن حياته ومستقبله ومستقبل أطفاله‏,‏ ففكر في أمرك بعمق وروية‏.‏

أما القصاص الذي يراودك فلا معنى له إلا مضاعفة الخسائر الإنسانية بفقد الأبناء لمن يرعاهم ويحميهم من غوائل الزمن‏..

 ·       نشرت في جريدة الأهرام "باب بريد الجمعة" عام 2002

راجعها وأعدها للنشر / نيفين علي


Neveen Ali
Neveen Ali
كل ما تقدمه يعود إليك فاملأ كأسك اليوم بما تريد أن تشربه غداً
تعليقات