ربة البيت .. رسالة من بريد الجمعة عام 1986
لا أعرف من أين أبدأ قصتي .. لكني سأقول لك
أني كنت كبرى أخواتي البنات السبع ! نعم فلقد كنا ثماني بنات نعيش في شقة من
حجرتين .. حجرة من داخل حجرة في بئر السلم في بيت بالسيدة زينب ، وكان أبي ترزي
سيدات يعمل طول النهار على ماكينة الخياطة وتساعده أمي في تشطيب الفساتين ، وكان
دخله من هذا العمل المضني يكفي بالكاد لنفقاتنا اليومية بحكمة أمي التي
تدبّر حياتنا بحرص شديد وتحرِّم على أبي أن ينفق مليمًا في غير موضعه .. فحتى
السيجارة كانت تحرمها عليه وإذا دخن سيجارة خِلسة انتزعتها أمي من فمه بحجة ألا
تحرق فساتين الناس ، لكن أمي التي كانت تدير شئون هذه الأسرة الكبيرة لم تكتفِ
بثماني بنات لأن نفسها كانت تنازعها إلى ولد ! فأنجبت المرة التاسعة وجاء الولد
فعلاً .. ولكنها لم تفرح به لأنها توفيت بعد 5 أيام فقط من مولده بحمى النفاس
وتركت وراءها 9 أطفال أكبرهم أنا في الثانية عشر من عمري وأصغرهم شقيقي وعمره 5
أيام .
وكنت في آخر سنة في المدرسة الابتدائية فتركتها
وجلست في البيت لأقوم بكل أعمال أمي رحمها الله فكنت أطبخ وأغسل وأمسح وأرعى شقيقي
الرضيع وأساعد أبي في تشطيب الفساتين لكي يأخذ أجره ويعطينا ما نشتري به الطعام
كما كنت أحمل شقيقي الرضيع على كتفي مرتين كل يوم وأذهب به إلى بيت خالتي في حي
عابدين لكي ترضعه لأنها كانت قد أنجبت حديثًا ، ولم أكن أشكو من شيء إلا من أن أبي
قد تغير كليًا بعد وفاة أمي ، فكان يأخذ معظم ما يكسبه بعد أن يترك القليل ويخرج
في المغرب ولا يعود إلا في آخر الليل مخمورًا ومغميًا عليه ولم يتحمل المأساة
طويلاً فخرج ذات يوم ولم يعد وتركنا سامحه الله للأقدار نواجه الحياة وحدنا ..
وشقيقي الصغير عمره 25 يومًا فقط .. ووجدنا أنفسنا يا سيدي 9 أطفال بلا أم ولا أب
وليس معنا مليم واحد فكان الجيران الطيبون يرسلون لنا الطعام كل يوم إلى أن يعود
أبي الهارب وكنت أواصل الذهاب كل يوم مرتين إلى خالتي لترضع أخي لكن
"بني آدم" ثقيل يا سيدي كما تعرف ويبدو أنني كنت قد أثقلت على خالتي دون
أن أدري فلم أشعر يومًا وأنا ذاهبة إليها حاملة أخي الذي يبكي إلا وحماتها تخرج لي
من باب الشقة وتطردني أنا وأخي وتحرّم عليّ أن أعود به مرة أخرى فحملته وهو يبكي
ونزلت السلم وأنا أبكي فركبت الترام وأنا أتهرب من الكمساري ونزلت السيدة زينب
وأخي "يفرفر" من الجوع وهداني تفكيري كطفلة إلى أن أدخل مسجد السيدة
زينب وكلما رأيت سيدة أسألها : هل ترضعين يا ست؟ فتقول لي واحدة لا يا بنتي
والأخرى تقول لي : ياريت يا بنتي إلى أن رأتني سيدة عظيمة أخذت مني أخي وجلست على
الأرض وأرضعته حتى شبع ونام ثم سألتني عن حكايتي فقلت لها كل شيء .. فإذا بها تبكي
بصوتٍ عالٍ ثم أخذتني معها إلى بيتها وقدمت لي الطعام وعرضت عليّ أن أعمل عندها ،
فوافقت بدون تردد لأننا لا نستطيع أن نعيش إلى الأبد على طعام الجيران .
وهذه السيدة العظيمة التي كان لها أكبر
الأثر في حياتي وحياة إخوتي فيما بعد كانت تعمل دلالة تشتري الأقمشة والمفروشات
وتبيعها بالتقسيط المريح للعائلات .. وكانت لها سمعة طيبة في الحي كله .. وتتساهل
مع "المعذورين" وتؤجل لهم الأقساط وكان صاحب البيت الذي نسكن به بارك
الله فيه لا يطالبنا بالإيجار منذ اختفى أبي وظل كذلك لسنوات طويلة وبدأت العمل مع
هذه السيدة العظيمة فكنت أذهب إليها كل صباح فتأخذ مني أخي بلهفة وترضعه وتهتم به
وأقوم بمساعدتها في شغل البيت وأحيانًا أذهب إلى الزبائن وأحضر لها القسط الشهري ،
وكانت تعطينا عشرين جنيهًا كل شهر ، كنت أصرفها "بالحكمة" وببركة من عند
الله كانت تكفينا شر الحاجة وكنت أعود من بيتها في المغرب مع أخي الرضيع فأرعى
شئون إخوتي مع أختي التي تصغرني بعام واحد وبتوفيق من الله سبحانه وتعالى وبمساعدة
أهل الخير مضت الحياة بنا فتعلمت الخياطة وجلست على الماكينة في بئر السلم
مكان أبي الغائب الذي لا نعرف هل هو على قيد الحياة أم طواه التراب سامحه الله ؟
وبفضل الله قامت هذه السيدة العظيمة التي اعتبرت نفسها مسئولة عنا بتزويج اثنتين من
شقيقاتي لاثنين من أقاربها زواجًا موفقًا وسعيدًا .
وقد سعت لتزويجهما لكي تخفف عني الأعباء
التي زادت عليّ بعد أن تقدمت شقيقاتي في مراحل التعليم فالتحقت إحداهن بكلية الطب
والأخرى بكلية الآثار والثالثة بمعهد الخدمة الاجتماعية أما الباقيات ففي مراحل
التعليم المختلفة وأما شقيقي الأصغر الوليد الذي حملت مسئوليته وعمره 5 أيام فقد
بلغ السنة الأولى من التعليم الثانوي أما شقيقتاي اللتان تزوجتا فهما مثلي لم
تكملا التعليم الابتدائي بسبب الظروف التي واجهتنا في البداية وقد أحسست بالفراغ
الذي تركتاه بعد زواجهما لأنهما كانتا تساعداني في عمل البيت وفي الخياطة فأرهقتني
مسئولية البيت وتقوس ظهري من الجلوس ساعات طويلة على ماكينة الخياطة في بئر السلم
وضعف بصري من كثرة العمل وأرهقتني مطالب المدارس والكليات من الملابس والكتب
والأحذية وبالذات من الأحذية التي ارتفع ثمنها وقلّت جودتها فساعدتني ابنة الجيران
التي تعمل ممرضة في إحدى الدول العربية والتي تعرف ظروفنا جيدًا على العمل في
الخارج فتركت إخوتي في رعاية ربنا والناس الطيبين وسافرت للعمل في مشغل كبير
للتفصيل يشغل الدور الأول من المبنى ويقع سكن المغتربات في الدور الثاني منه وكانت
صاحبة المشغل كريمة معي وكنت على اتصال دائم مع إخوتي ولم أحتمل فراقهم أكثر من
سنة ونصف السنة وطلبت إجازة وعدت إليهم ومعي أغلى الهدايا ومعي من فضل الله نقود
كثيرة فاشتريت لهم تلفزيونًا ملونًا من السوق الحرة وقمت بترميم الشقة ودهنت
الجدران بالزيت وهدمت الحمام وعملته بالقيشاني !
واشتريت ثلاجة وعوّضت إخوتي كل سنوات
الحرمان وفرحوا بي وفرحت بهم ..
ولكاتبة هذه "الملحمة" البطولية أقول :
إنني أهدي رسالتك هذه لكل من يتملكه
العجز والإحباط إذا واجه أية عقبة في طريق حياته فيقعد ملومًا محسورًا ! فها هي
أسرة مصرية من 9 أفراد عائلها "ومرشدها" طفلة في الثانية عشرة من عمرها
.. تجد نفسها فجأة في مهب الريح بلا أب ولا أم ولامعين ولا مورد .. فتتقدم
بتلقائية وإحساس غريب بالمسئولية يفتقده أحيانًا الرجال وتحمل الأمانة التي تنوء
بحملها الجبال وتقود سفينة الأسرة وسط الصخور ، فلا تنهار الأسرة ولا تنحرف ولا
ينفرط عقدها .. وإنما تتراحم وتترابط وتتكاتف كما تفعل أفراخ الطير حين تتداخل في
بعضها البعض التماسًا للدفء في ليالي الشتاء ؛ لقد ألقت عليّ رسالتكِ يا صديقتي
درسًا لن أنساه في قيمة الكفاح وتحدي الصعاب وحمل الأمانة والتضحية من أجل الآخرين
وقدمت لي رسالتك نماذج من البشر لا يملك المرء إلا أن يحترمها وأن يحبها على غير
معرفة ولقد أحببت كثيرًا هذه السيدة العظيمة فعلاً وعملاً التي بكت بصوتٍ عالٍ
عندما سمعت منك قصتك ثم اعتبرت نفسها مسئولة عنك وعن أخوتك أدبيًا ومازالت تمارس
مسئوليتها بنفس الأمانة إلى الآن حتى لتسعى إلى تزويج شقيقتيك من بعض أقاربها
وتسعى إلى زواجك وإلى تذكيرك بنصيبك من الدنيا ! ربما بأرحم ما تفعل بعض الأمهات
والشقيقات .
وأحببت معك أيضًا هؤلاء الجيران البسطاء
الطيبين الذين كانوا يرسلون لكم الطعام عقب اختفاء أبيك الهارب لا سامحه الله !
وأحببت معك صاحب البيت النبيل الذي لم يطالبكم بإيجار بعد فرار أبيك ولمدة سنوات
طويلة ولم يفكر لحظة في انتهاز الفرصة وطردكم من الشقة .. كما قد يفعل بعض من
قُدّت قلوبهم من حجر ، وأمثاله كثيرون وأمثال هؤلاء الجيران الطيبين أكثر في كل
مكان وزمان مهما بدا لنا عكس ذلك أحيانا !
وأحببتك كثيرًا واحترمتك أكثر وأنا أقرأ
تفاصيل كفاحك وأحببت فيك روح التضحية التي تبدو عميقة ومتأصلة في شخصيتك كما أحببت
فيك نفسك الراضية التي لا تحمل حقدًا لأحد ولا مرارة ضد الدنيا رغم
"الأهوال" التي واجهتها وإنما تتذكر لكل إنسان فضله فتتحدثين عن السيدة
"العظيمة" والجيران الطيبين وصاحب البيت النبيل وصاحبة المشغل الكريمة ،
وهكذا كل الناس من حولك لأن من يحب الناس يحبه الناس عادة ولأن شخصيتك المضحية
الأمينة تفتح لك القلوب بيسر وسهولة لذلك فإن زوجك محق بالتأكيد في أن يتمسك بك
وفي أن يتعجل عودتك وأنصحك يا صديقتي بالاستجابة إلى طلبه .. وبعدم التفريط فيه
فليس من العدل أن تطالبك الحياة بالمزيد من التضحيات بعد كل هذه الملاحم والأهوال
ولا يعني ذلك أبدًا أن تتخلي عن إخوتك . فمن بنى هرمًا كالذي بنيته يسعده أن يكمله
ولابد من استكماله وسوف تستمرين في أداء واجبكِ في حدود قدرتكِ وفترة العام ونصف
العام الباقية لن تغير كثيرًا من واقع الحال لكن تمسكك بها قد يفقدك فرصتكِ في الزواج
والاستقرار وهو مالا أريده لكِ فعودي يا صديقتي إلى زوجكِ ودبري أمر مساعدة إخوتك
بما تبقى معكِ من مدخرات وبما يستطيعون الحصول عليه من عائد العمل في شهور الصيف
وعلى الماكينة في أوقات الفراغ طوال العام وسوف تواصلين لهم العطاء بعد استقرار
حياتك إلى أن ينتهوا من تعليمهم وثقي أن الحياة لن تتخلى عنكم كبارًا .. كما لم تتخل
عنكم في أقسى الظروف صغارًا .
وفي
هذا الصدد كدت ألومك أنك وافقتِ على اختيار شقيقتك لنوع من الدراسة باهظ التكلفة
وطويل الأجل كدراسة الطب مع هذه الظروف القاسية التي واجهتكم كما كدت أن ألومك على
الموافقة على اختيار التعليم النظري الطويل الذي لا يؤهل لعمل سريع بالنسبة لبعض
الشقيقات الأخريات أو لاختيار التعليم الثانوي لشقيقك بدلاً من تعليم متوسط يختصر
الطريق ويخفف عنك الأعباء كدت أن أقول لك كل ذلك لولا أني تذكرت فجأة صورتك وأنت
في الثانية عشر من عمرك تحملين شقيقك على ذراعك وهو يبكي من الجوع وأنت تبكين من
القهر ثم تذهبين به إلى مسجد السيدة زينب تسألين له الرضاع من كل من تقابلينه
ووراءك في البيت 7 شقيقات صغيرات محرومات ينتظرن رعايتك فعافت نفسي أن أوجه إليك
أي لوم مهما كان رقيقًا فمثلك يُلتمس له العذر ولا يُلام ومثلك ليس له عندي سوى
الحب والاحترام!
نهر الحياة .. مرة أخرى
تحت هذا العنوان اعتدت من حين
إلى آخر أن أنقل لكم اخبار بعض أصدقائنا على الورق الذين قرأنا رسائلهم وشاركناهم
همومهم , وذلك كلما أتيح لي أن أعرف عنهم جديدا أو أتلقي منهم رسائل جديدة وخلال
الفترة الماضية إتاحت لي الظروف أن أعرف ماذا فعلت الدنيا ببعض هؤلاء الأصدقاء
وأثرت أن أنقلها إليكم :
ربة الأسرة الفتاة المصرية
الأصيلة التي تحملت مسئولية أشقائها الثمانية وهي في سن الثانية عشرة بعد وفاة
أمها واختفاء أبيها والتي تركت لها أمها شقيقا رضيعا حملته ذات يوم على كتفها
وخرجت تطلب له الرضاع من السيدات في مسجد السيدة زينب حتى التقت بسيدة مصرية عظيمة
أرضعت شقيقها وواصل شقيقها وشقيقاتها التعليم حتى بلغت إحداهن مرحلة الدراسة في
كلية الطب , ثم كتبت من أبي ظبي حيث كانت تعمل في مشغل خياطة تقول لي أنها تجد
نفسها أمام خيار صعب هو إما أن تعود استجابة لطلب خطيبها الذي عقدت قرانها عليه
وتفقد بعض القدرة المالية على رعاية اخوتها وإما أن تضحي بهذا الزواج وتفقد فرصة
الاستقرار العائلي التي لاحت لها بعد حياة مثقلة بالهموم .
هل تذكرونها ؟
لقد نشرت رسالتها منذ شهور
وطالبتها بالعودة والاستجابة لرغبة زوجها قائلا لها إنني لا أستطيع مطالبتك
بالمزيد من التضحيات.
هذه الفتاة الأصيلة فاجأتني منذ
أسابيع بزيارتي في مكتبي فوجدتها سيدة محجبة من هذا النوع من البشر الذي يعطيك
الإحساس بالارتياح إليه حين تراه لأول مرة .. فوجهها يشع صفاء وإطمئنانا للحياة
والمستقبل وحديثها يعكس ثقة لا حدود لها في الله والبشر والخير .. وهي كلها سمات
غبطتها عليها كثيرا وتمنيتها لنفسي .. وقد جاءت لتستشيرني في أمر زواج إحدى
شقيقاتها وتطلب رأيي فيمن تقدم لها وهو زواج مثير للجدل بالفعل لظروفه الخاصة
فأشرت عليها بما رأيته .. وعلمت منها بقية فصول قصتها فعرفت أنه حين نشرت الرسالة
قرأها خطيبها وتأثر كثيرا بإحساسها العائلي وبحيرتها بين واجبها تجاه شقيقاتها
وتجاه زوجها .. فكتب إليها يؤكد لها أنه قد تنازل عن مطالبته لها بالعودة فورا
وأنه يترك لها حرية العودة في أي وقت تراه وأنه سوف ينتظرها مهما طال الإنتظار لأن
مثلها لا يفرط فيها الإنسان العاقل مهما حدث فأكبرت فيه هذا الشعور النبيل وقررت
أن تعود بالفعل وفاتحت صاحبة المشغل وكانت قد قرأت رسالتها وتأثرت بها كثيرا فطلبت
منها الاستمرار في العمل حتى ينتهي شهر رمضان على أن تعود بعد ذلك لمصر واستجابت
لطلبها وحين أنهت عملها واستعدت للعودة فاجأتها صاحبة المشغل بمكافأة مجزية تساوي
مكافأة نهاية الخدمة عن سنوات رغم أنها لم تعمل معها سوى أقل من عامين وكان ذلك هو
تعبيرها عن تقديرها لخلقها ولعملها ولرغبتها في أن تستمر في أداء رسالتها تجاه
أسرتها .
وعادت ربة الأسرة إلى مصر
فتزوجت وسعدت بحياتها الخاصة وبزوجها واستمرت تؤدي واجبها المقدس في رعاية أسرتها
وتحمل مسئوليتها وكانت زيارتها لي خطوة من خطواتها الجديدة على هذا الطريق الطويل
.
والمياه تتدفق دائما في نهر الحياة .
نشرت في ابريل عام 1986 في باب بريد الجمعة بجريدة الأهرام
شارك في اعدادها / بسنت محمود
راجعها وأعدها للنشر/ نيفين علي



برجاء عدم النسخ احتراما لمجهود فريق العمل في المدونة وكل من ينسخ يعرض صفحته للحذف بموجب حقوق النشر