البيت الجديد .. رسالة من بريد الجمعة عام 1990
تزوجت وأنا فتاة في سن العشرين من مهندس مدني يعمل ببلد عربي ، لديه كل ما تحلم به فتاة من رجولة ووسامة وإمكانيات .. فأحسست بأني أسعد إنسانة في الدنيا .. وتحاببنا وتزوجنا وأنجبنا طفلين أحببتهما من كل قلبي وخفت عليهما من جرح النسيم .. وتفرغت لرعايتهما تماما وألحقناهما بمدرسة راقية .. وأحسست بأني قد بلغت غاية ما تستطيع إنسانة أن تحلم به من سعادة .. ودعوت الله أن يحمي أسرتي الصغيرة من غدر الأيام .. ومضت 8 سنوات من السعادة الصافية ثم بدأ زوجي فجأة يتصرف تصرفات غريبة حرت أمامها وحاولت فهمها فلم استطع ، لكن حيرتي لم تطل سوى بضعة شهور عرفت بعدها أقسى ما يمكن أن تعرفه زوجة عن زوجها ووالد طفليها .. عرفت أن زوجي المهندس المتعلم سليل الأسرة الطيبة قد أدمن السموم البيضاء .. وكانت الكارثة التي عانيتها أنا وطفلاي .. وبدأت الاهانات والضرب والإهمال ثم بدأ في بيع الأثاث قطعة وراء قطعة .. وبعد أن كنا نركب سيارة أصبحنا نمشي على الأرض .. وفشلت كل المحاولات لعلاجه .. وفعلت بعد أسرته المستحيل لعلاجه دون جدوى حتى أن أباه الرجل الطيب مات مقهورا رحمه الله حزنا عليه ، وتهدمت الأسرة السعيدة في طرفة عين .. وطلقت منه وعدت إلى بيت أهلي ومعي طفلان بريئان يتيمان من يتامى الحياة الذين لم يمت آباؤهم لكنهم أشباح في عداد الأموات.
ودبر لي أبي أكرمه الله شقة في عمارته فأثثتها أثاثا جميلا وخصصت لابنتي التي يبلغ عمرها 10 سنوات غرفة بها ملابسها وكتبها وأشياؤها ولابني الذي يبلغ من العمر ٨ سنوات غرفة بها كل حاجياته لكي يشعر كل منهما بالاستقلال .. ولكي يزورهما أصدقاؤهما وأقرباؤهما فيجدوا بيتهما جميلا ويجدا هما في ذلك بعض التعويض النفسي عن غياب أبيهما من حياتهما إلى الأبد.
وطويت جناحي على طفلي وعشت حياتي في مجتمع يرفض المطلقة ويطمع فيها .. وأملت في الله خيرا أن يعوضني ويعوض ولدي عما لاقيناه من عناء لا ذنب لنا فيه .. ومع الأيام بدأت أضمد جراحي وجراح ولدي وأحاول النسيان .. وفي هذه الأثناء تقدم لي قريب يعلم بكل ظروف حياتي وطلب مني الزواج .. وبعد تفكير قصير في الأمر وافقت عليه أملا في أن أعيش حياة كريمة في ظل رجل محترم وعطوف يعرف جيدا ماذا عانيت ويعوضني .. وتزوجنا فعلا ورفض زوجي منذ البداية أن يعيش معنا في شقة بيت أبي مؤكدا أنه يرفض أن يعيش في بيت زوجته وأصر على أن ننتقل نحن لنعيش معه في شقته ، وانتقلنا إليها وبدأنا حياتنا الجديدة ، وكلنا أمل في رعاية الله لنا جميعا .. ففوجئت بعد أيام بابني وابنتي يبدأن في السرحان والبكاء ويبدو الحزن على وجهيهما ويطلبان أن نعود إلى بيتنا القديم الذي أحباه واعتادا الحياة فيه، وحاولت أن اخفف عنهما وأن أقول لهما أن هذا أيضا هو بيتنا وأن علينا أن نعيش فيه، ولكن بلا جدوى .. فبعد أسابيع بدأت درجاتهما في المدرسة تتراجع وبدأ ضميري يعذبني تجاههما وهما من ليس لهما بعد الله غيري لرعايتهما .
وفي لحظة ضيق فاتحت زوجي في أن يستجيب لرجائنا وأن تنتقل جميعا إلى شقتنا السابقة .. فأفهمني بأدب وهدوء أنه لن يقبل ذلك وأنني إذا أصررت عليه فلن يكون أمامه إلا أن يتركني لأعيش حياتي كما أريد . وفهمت رسالته القاطعة وسكت .. لكني الآن في حيرة شديدة من أمري يا سيدي وأرجو أن تقف مني موقف الأخ الكبير وتشير علي بما أفعل .. إن طفلي لا أحد لهما في الحياة غيري .. رغم وجود أبيهما على قيد الحياة سامح الله كل من سعى في خراب الشباب وبيوتهم بهذه السموم الحقيرة .. وزوجي متمسك بموقفه .. ولذا لا أريد أن أواجه محنة الطلاق ومواجهة الحياة بلا سند مرة أخرى .. فماذا افعل .. هل تنصحني بأن أواجه الطلاق مرة أخرى علما بأن زوجي يحسن معاملة الطفلين ويحبهما .. أم أن أتجاهل رغبتهما .. أم ماذا افعل ؟
ولكاتبة هذه الرسالة أقول :
إنني لا اعتقد أن المسالة بالنسبة لطفليك هي مسالة البيت الجديد أو البيت القديم وإن تخفت تحت هذا المظهر، لكن المسالة في تقديري هي أنهما لم يستوعبا بعد في سنهما الصغيرة هذه معنى وجود رجل غريب في حياتك وحياتهما ولم يتقبلاها نفسيا بعد .
وقد عبرا عن هذا الرفض بالرغبة في العودة للبيت القديم وبالسهوم والحزن والتعثر في المدرسة وهي كلها ظواهر طبيعية في مثل هذه الحالة لكنها في النهاية ليست سوى مسالة وقت وسوف يتحقق قبولهما النفسي للوضع الجديد كله تدريجيا ومع الأيام .. ومع حسن رعايتهما من جانبك ومن جانب زوجك .. ومع محاولة خلق روابط شخصية تربطهما بهذا البيت الجديد كتخصيص ركن من أركانه لكل منهما .. ومحاولة إشعاره بأنه يخصه ويملكه ويمكن أن يعبر عن نفسه فيه ومع ربطهما بصداقات جديدة مع أطفال العمارة التي تقيمين فيها .. لأن ما يربطنا بالأماكن غالبا هم البشر وليست الجدران . والأيام بعد ذلك كفيلة بحل أعتى المشاكل .. وليس من الحكمة أن تستجيبي لمطلبهما وتدمري حياتك مرة أخرى فتحرمي نفسك من حياة مستقرة .. وتحرمي طفليك أيضا من أن ينشأ في ظروف شبه طبيعية بين أم وأب بديل لأبيهما الميت الحي، ونشأة الأطفال في ظل أسرة أبوية فيها من يقوم بدور الأب في الرعاية والتوجيه والحزم الرشيد حتى ولو لم يكن الأب الحقيقي للأطفال أفضل لمصلحتهم من النشأة في ظل أسرة غير أبوية تفتقد ربانها في إبحارها وسط عواصف الحياة وأنوائها .
وأنت وطفلاك قد قست عليكم الحياة بهذه المحنة .. فلماذا تضاعفين من معاناتكم بعد أن رست سفينتك على شاطيء يعدك ويعد أطفالك بالأمان.
هوني الأمر على نفسك .. واصبري عليهما حتى يتقبلا حقائق الحياة التي لا مفر من قبولها .. و تعاملي معهما برفق لكن بلا ضعف يسيء إلى شخصيتيهما .. واطلبي من زوجك أن يبدي بعض المهارة في محاولة اكتساب حبهما .. ومشاعر الأطفال غضة تستجيب للعطف والحنان سريعا .. وتسلحي أنت بشيء من الحزم الذي يضع مصلحة الأطفال البعيدة فوق مصلحتهما الوقتية .
وبغير ذلك لن يستطيع طفلاك أن يواجها الحياة التي لا تستجيب لكل ما يريده الإنسان لنفسه ويرغبه وإنما تمنح وتمنع وتعطي وتأخذ .. ومن الخير لهما أن يعرفا ذلك منذ الآن.
راجعها وأعدها للنشر / نيفين علي

برجاء عدم النسخ احتراما لمجهود فريق العمل في المدونة وكل من ينسخ يعرض صفحته للحذف بموجب حقوق النشر