المثال .. رسالة من بريد الجمعة عام 1987

 

المثال .. رسالة من بريد الجمعة عام 1987

المثال .. رسالة من بريد الجمعة عام 1987

أبعث إليك رسالتي هذه بعد أن ضاقت بي السبل .. فأنا امرأة متزوجة وعمري 35 سنة، وقد تزوجت قبيل تخرجي في كلية الهندسة من زميل لي في الكلية كان يسبقني بعامين .. وكان زواجي عاديا لم تسبقه قصة حب ملتهبة كالتي أقرأ عنها في رسائل البريد، وإنما كان زواجا تقليديا تم عن طريق الإعجاب وتناسب الظروف، أعجبته فتقدم لأسرتي يطلب يدي وأعجبني فوافقت عليه، وبدأنا حياتنا الزوجية كأي زوجين في ظروف عادية متوسطة، وتخرجت في كليتي وعملت مهندسة في إحدى الهيئات، وعمل زوجي كمهندس حر في مجال المشروعات الخاصة، وبعد زواجي بعام رزقت بطفلتي الأولى وكنا نقيم خلال سنواتنا الأولى في شقة من 3 غرف في حي شعبي، وكانت حياتنا تمضي كأي زوجين في بداية الطريق، يخصص لي زوجي مصروفا شهريا للبيت، أتصرف في حدوده وأبذل جهدي لكي يصل بنا إلى آخر الشهر، وأرتدي الملابس البسيطة التي تتناسب مع دخلنا وأشتري متطلباتي الصغيرة من راتبي، أما نزهاتنا فكانت في زيارة الأهل أو الذهاب إلى السينما من حين إلى آخر .. ومعظم أمسياتنا نقضيها معا في البيت.. يعود زوجي من مكتبه في المساء نتناول العشاء معا ونتسامر قليلا ثم نبيت ليلتنا سعداء.

 

وكان زوجي طموحا فاشترك في عدة مشروعات درت علينا أرباحا كبيرة، وتوسعت أعماله الهندسية ومشروعاته.. وخلال 8 سنوات تقريبا من زواجنا كان زوجي قد أصبح ثریا ثراء خرافيا، فاقترح علي زوجي أن أستقيل من عملي، وأن أتفرغ للبيت، وكنت قد أنجبت طفلتي الثانية فرحبت بذلك، لكي أرعی شئون طفلتي الصغيرتين، وبدأت آثار النعمة الجديدة تظهر على حياتنا.. ومن الشقة الصغيرة إلى شقة واسعة حديثة، وأثثناها بأثاث فاخر وأصبحت لنا سيارة مرسيدس آخر موديل ولم يبخل زوجي بأي شيء.

وبدأت حياتنا الجديدة.. ومع ازدياد المال وكثرته الرهيبة تغير كل منا، فاتجهت أنا إلى الله وتحجبت ولزمت البيت، أغرس في البنتين الأسس الدينية والمبادئ الأخلاقية.. وعلمت أن الله هو المعطي وهو المانع، فزادتني النعمة قربا إلى الله وعرفانا بفضله، أما زوجي فلقد أحس بأن المال يجري بين يديه بعد طول معاناة، فبدأت ليالي السهر حتى الفجر في الخارج، واحتساء المشروبات وارتياد الملاهي والفنادق الكبرى كل ليلة، وبدأ الخلاف يطل کالنذير على حياتنا الهادئة.. وحاولت إصلاحه بكل الطرق باللين وبالخصام وبالهجر، وبالجلسات العائلية التي تنتهي بوعد منه بعدم التكرار، ثم لا تمضي سوى أيام حتى يعود إلى ما كان عليه.

 

وبعد فترة أخرى بدأ يردد نغمة الزواج من أخرى، مع أن الله قد وهبني قدرا كبيرا من الجمال والجاذبية، بل وبدأ يعترف لي بأنه يتردد على الملاهي الليلية وله نزوات فيها، فغضبت وهجرت البيت، فلجأ إلى إخوتي وأعادني إليه مرة أخرى، وبعد عودتي بأيام كنت في المطبخ أشرف على إعداد الطعام فرن جرس التليفون، وإذا بسيدة تطلب الحديث معي لتبلغني بانتقام وتشف أن زوجي قد تزوج من امرأة أخرى .. ووضعت السماعة ودارت الأرض بي ولم أشك في صحة النبأ، لأن السيدة التي أبلغتني به قالت لي إنها تفعل ذلك انتقاما منه لأنه وعدها بالزواج ولم يف بوعده وتزوج أخرى! وتأكدت من صحة الخبر فواجهته في جلسة عائلية فاعترف وأبدى استعداده لأن يطلقها .. وطلقها فعلا بعد زواج دام شهرا واحدا خسر فيه الآلاف الكثيرة من الجنيهات .. ومن عجب أن الظروف أتاحت لي أن أرى فيما بعد غريمتي وأقسم لك أن أي نفس سليمة تعاف النظر إليها، فهي دميمة الخلقة لكن المكياج الصارخ والألوان الفاقعة والأزياء الفاضحة واللهجة الناعمة واللكنة الرقيقة في الكلام قد انقلبتا فجأة عند الطلاق إلى ردح وألفاظ نابية بذيئة هتكت ستار المظهر المفتعل، وظهر كل إنسان على حقيقته.

 

وهدأت أحوالنا قليلا.. لكن الحال لم تنصلح، فقد عاد زوجي سامحه الله إلى طريقه الأول بعد أسابيع، ورجعت ليالي السهر حتى الفجر وكل مستلزماتها وفشلت كل محاولاتي لإصلاحه وكل محاولاتي أيضا للطلاق وأعلنها صراحة أنه لن يعود عن طريقه، ومل إخوتي وهم خمسة رجال يشغلون مراکز مرموقة الموضوع لكثرة تكراره فانصرفوا عني يائسين، وهم أيضا يرفضون مبدأ الطلاق من أجل بنتي، وأيضا من أجل لقمة العيش والمأوى لأني تركت عملي منذ سنين ولم يعد لي مأوی سوی بیتي ويصعب علي أن أجد البديل سواء في المأوى أو العمل، وما كنت أحسب يا سيدي أن الإنسان لكي يجد لقمة عيشه ومكانا يأويه لابد وأن يدفع مقابل ذلك ثمنا غاليا من كرامته وآدمیته.

 

لقد جربت أن أصبر واحتسب.. وتسامیت بنظرتي إلى أبعد من ذلك، فبدأت أنظر إلى الآخرين الذين ابتلاهم الله بالعجز والمرض، واعتبرت ما أنا فيه ضربا من ضروب الترف إذا قيس بآلام غيري وأفرغت كل همي في القراءة والعبادة، لكن يبدو أن الصمت والتجاهل يغري البعض بالتمادي، فلقد ازداد زوجي انغماسا في طريقه الجديد، وما كان يحدث سرا أصبح يحدث علنا.. وقد عرضت عليه أن أتنازل له رسميا عن كل شيء عن الشقة والأبناء والنفقة والمؤخر وأمضي إلى حال سبيلي فرفض كل ذلك.

فماذا أفعل يا سيدي.. هل أجاريه انحرافا بانحراف وعبثا بعبث؟ هل أكتم غيظي وأندب حظي بين جدران شقتي؟ هل أتخلص من حياتي وأواجه بئس المصير في الآخرة؟

لقد مات أبي منذ فترة، وانشغل عني إخوتي بحياتهم ولم يعد لي من معین في هذه الحياة فهل تساعدني بالرأي في محنتي!

إنني أطلب مشورتك لكني أرجوك أن تراعي أنني إنسانة أملك المشاعر والأحاسيس، وأني بطبيعتي محدودة الصبر والاحتمال .. فماذا تقول لي؟

 

ولكاتبة هذه الرسالة أقول:

إنني سوف أجيبك عن تساؤلاتك الحائرة بالترتيب، ثم أشير عليك بما أراه في النهاية .. فأما تساؤلك الأول: هل تجارینه انحرافا بانحراف؟ فأقول لك عنه يا سيدتي إن الخطأ لا يبرر الخطأ، وأن ما نعيبه على الآخرين ونكاد ندمر حياتنا رفضا له، لا يحق لنا أن نرتكبه أو نكرره، فضلا عن أنه يصبح انتقاما من الضحية لا من الجاني، لأنه يسيء إليك أنت ويدمرك قبل أن يسيء إليه هو، كما أن دينك وخلقك لا يقبلان به ولن يسمحا به أبدا بإذن الله.

وأما تساؤلك الثاني هل تكتمين غيظك وتندبين حظك؟ فأقول لك عنه إن الاكتفاء بكتمان الغيظ وندب الحظوظ لا يغير من الأمر شيئا ولن يخفف عنك آلامك وربما ضاعفها.

وأما تساؤلك التقليدي عن التخلص من الحياة .. وهو تقليدي لأني أقرأه في رسائل معظم المعذبين إلي، فإني أكتفي بأن أقول لك عنه إن رفض الحياة فتنة وأن الحياة هبة أعطاها لنا الخالق ولا يجوز لأحد أن يتصرف فيها غير من وهبها.

وبعد ذلك أقول لك إن زوجك يا سيدتي يعيش صدمة الثراء المفاجئ، ولم يفق بعد منها، والناس حيال الثراء المفاجئ ينقسمون، فبعضهم يزيدهم المال تواضعا لله وعرفانا بفضله وأداء لحقوقه، ويعرفون كما عرفت أنت أن الله هو المانح والمانع فيزدادون قربا إليه .. والبعض الآخر يتصورون أن المال قد جاءهم على علم عندي كما قال قارون غرورا واستكبارا فخسف الله به الأرض، وهؤلاء يطلق الثراء غرائزهم إلى عنانها.. وعدوانيتهم إلى أقصى مداها، فيفسد حياتهم ويدمر الكثير من معنوياتهم.

 

والثراء الرهيب يا سيدتي يدمر المعنويات عند بعض غير الأسوياء كما يدمر الفقر المعنويات عند البعض الآخر منهم .

لهذا فالفقر اختبار.. والثراء أيضا اختبار، ويجزي الله كل إنسان بما صنع في اختباره.

ولهذا أيضا قيل الكثير عن ثقل الغنى الذي يغري الإنسان بالمعصية، ويسهل له الطريق إليها، وقال الرسول الكريم   لعبد الرحمن بن عوف - وهو من هو - ما معناه أنه يكاد يراه فوق الصراط يميل به إلى اليمين مرة وإلى اليسار مرة من ثقل الغنى.. فيبكي ابن عوف هلعا فيبشره الرسول الأمين  بالجنة ويصبح من العشرة المبشرين بها.

إلى هذا الحد يورد المال الإنسان موارد التهلكة إن لم يحسن التعامل معه، ويتجنب غوايته ويخدم به مجتمعه ويسهم به في ترقية الحياة من حوله.

 

والكارثة أن كثيرين من فرسان الطبقة الجديدة التي حققت الثراء الخرافي في 7 أو 8 سنوات كما فعل زوجك من النوع الثاني من البشر، أو على الأقل يكونون هكذا خلال السنوات الأولى من صدمة الثراء، ثم تعتدل موازين البعض منهم ويفيقون إلى أنفسهم.. ولكن بعد أن يفسدوا الحياة من حولهم ويخلفون وراءهم كثيرا من الشروخ ..

والعجيب أن البعض منهم يكتسب الثراء.. لكنه لا يكتسب معه أخلاقياته، لأن للمال أيضا أخلاقيات عند من يدركون التزاماته الأدبية والاجتماعية ويحسنون التصرف فيه.

فهو يسهل للإنسان السوي الكرم والنجدة والشهامة والمشاركة في تخفيف آلام الآخرين، وهي قيم قد تعوق قلة الإمكانات الكثيرين رغما عنهم عن ممارستها، أما الآخرون فإن الثراء يتحول عندهم إلى سلوكيات استفزازية وإنفاق استفزازي فلا يستفيد المجتمع بفضول أموالهم، وإنما تستفيد به غالبا العواهر وأرباب الفجور، ومع كل ذلك فإن زوجك ليس حالة ميئوسا منها.. وسوف يزهد حياة اللهو ويملها خلال وقت قصير، وسوف يكتشف سريعا أنه لا شيء يعدل سلام الإنسان النفسي وتمتعه بالحياة الأسرية الهادئة الدافئة في بيته، ولن يتحقق ذلك وأنت بعيدة عن الميدان.. أي وأنت تهجرين العش وتتركين المعبد لغريماتك.. وأنت تثيرين الزوابع معه كل يوم .. وتعقدين له المجالس العائلية كل حين، وإنما سوف يتحقق حين تتمسكين بموقفك الرافض لحياته العابثة بلا صدام.. وبلا تحد لأن التحدي يستثير العناد. بل يكفي أن تكوني دائما المثال الآخر الذي يظهر الفرق واضحا بين العفة والخلاعة.. وبين النبل والمتعة الرخيصة، وبين الاحترام والابتذال.. وزوجك يتمسك بك الآن على طريقة بعض العابثين الذين يريدون لأنفسهم حياة اجتماعية مستقرة، ثم ينطلقون على هواهم في الخارج يرددون مع أمير الشعراء «كل مليحة بمذاق» لكنه في النهاية عبث لن يطول.. وغواية لن تستمر للأبد، وكلما رأى الرجل في زوجته هذا المثال الآخر وخزه ضميره واقترب به من الندم.. فأرخي له حبال الصبر قليلا يا سيدتي، وسوف يثوب إلى رشده بعد حين، ولا تستجيبي لنزعة قلة الصبر والاحتمال فيك، لأن الأمراض المستعصية تتطلب علاجا طويلا، كما يقول المثل الإنجليزي، والتصقي بابنتيك.. ولا تسددي أبواب العودة إليك أمامه، لأن زوجك في حالة عناد تؤجج الثروة من نيرانها لكنه سوف يعود.. وسوف تظلين دائما له كما كنت في الماضي وفي المستقبل ملاكه الحارس.. والجوهرة الأصيلة التي تكشف زيف الحلي المزورة، وكل شيء يأتي لمن صبر!!

·       نشرت في جريدة الأهرام "باب بريد الجمعة" عام 1987

راجعها وأعدها للنشر / نيفين علي


Neveen Ali
Neveen Ali
كل ما تقدمه يعود إليك فاملأ كأسك اليوم بما تريد أن تشربه غداً
تعليقات