الحائط المشروخ .. رسالة من بريد الجمعة عام 1994
إنا إنسانة متوسطة الجمال انهيت دراستي الجامعية وتزوجت منذ خمس سنوات من شاب تعرفت عليه عن طريق الأهل ووجدت فيه كل الصفات التي كنت أحلم بها في شريك الحياة، فهو وسيم وملامح وجهه مريحة وتوحي بالطيبة وجسمه رياضي وطويل فضلا عن أنه كريم الخلق ومهذب ويراعي أصول اللياقة في معاملاته ويدخل القلوب بغير استئذان إلى جانب أناقته ومركزه المرموق وتعليمه العالي , ولأنه كان أول رجل في حياتي فلقد أحببته وأحبني هو بجنون وتعلق بي منذ ارتباطنا ثم تزوجنا وأشعرني زوجي بحبه وسمعت منه وبصوته الرخيم أجمل كلام الحب وأرق الكلمات, وبعد زواجنا بشهر واحد سافرت معه إلى الدولة العربية التي كان يعمل بها وعشنا فيها فيها أجمل أيام حياتنا ومنحني زوجي السعادة بمعناها المادي والمعنوي، فشعرت بأنني قد نلت كل ما كنت أتمناه .. وبعد عام رجعنا إلى بلدنا بعد إنتهاء عمله بالخارج .. واستقررنا في مسكنا الذي شهد أول أيام الزواج السعيدة.
وبعد شهور قليلة من استقرارنا ببلدنا لاحظت أن علاقة زوجي بأبي وأمي ليست على ما يرام ولم أفهم الأسباب في البداية وأرجعتها إلى اختلاف أسلوب الطرفين في التعامل .. فزوجي له شخصيته المميزة .. وأبي وأمي لهما أيضا شخصيتهما القوية ويبدو أن زوجي لم يسترح لطريقة معاملتهما له فتوترت علاقته بهما وازدادت حدة مع الأيام وبدأ زوجي يطالبني بألا أذهب كثيرا إلى بيت أسرتي كما كنا نفعل من قبل, وعلمت والدتي مني بذلك فثارت ثورة عارمة وطلبت مني الحضور بدونه ووافق أبي أمي على ذلك وقالت لابد أن يحضر هو إلى بيتها ليستعيدني ويعتذر عن ذلك ويضع حدا لهذه المشكلة.
وذهبت إلى بيت أسرتي وكنت حاملا فى شهري الثالث .. وراحت أمي تحرضني على عدم العودة لزوجي إلى أن يأتي هو صاغرا ويسترضيني ويتنازل عن تحفظاته على زياراتي لأسرتي، وأكدت لي أنه سوف يحضر رغما عنه لأنه لا يقوى على بعدي عنه .. الخ.
واستجبت لرغبتها .. ولزمت بيت أبي وانتظرت أن يحضر إلي "صاغرا" كما وعدتني أمي .. فلم يحضر, فازداد الموقف سوءا وبدأ أبي وأمي يتعاملان مع الأمر وكأنه تحد كبير لهما ولابد أن ينتصرا فيه .. ثم اصطحبتني والدتي ذات يوم إلى مكتب محام لعمل توكيل له لكي يتولى إجراءات القضية التي سيرفعها أبي على زوجي , واعترف لك بأننى كنت سلبية .. ولم أعترض ولم أبذل جهدا كافيا لإيقاف هذا الاتجاه .. وأقام أبي دعوى طلاق ونفقة ضد زوجي وراحت أمي تزين لي الانفصال عن زوجي وترسم خيالات وردية وتؤكد لي أنها سوف تزوجني من "سيد سيده" الذي يفهمني ويستحقني ويغدق علي بالعطاء والرياش , إلخ ..
وبعد أيام حضرت إلى بيتنا سيدة كئيبة المنظر وغير مريحة انقبض صدري لرؤيتها دون سبب واضح .. وبعد لحظات من مجيئها وجدت أمي تحدثني طويلا عن ضرورة إجهاض حملي لكي تتخلص منه .. ولكي أصبح "خفيفة" ويتسابق العرسان إلى طلب يدى .. كما أن الاجهاض في الشهر الثالث ليس "حراما " كما قالت .. وسوف تقوم هذه السيدة الكئيبة بالمهمة ولن أشعر بشئ .. إلخ.
ولم أرفض ولم أقاوم ورقدت فوق سريري القديم في غرفتي لتتم هذه العملية المشئومة وحاولت التشاغل عما يحدث لي بتركيز نظري على حائط الغرفة القديمة الذى مازال مشروخا منذ صباي وازداد ألمي حتى هبشت بيدي في الحائط، فارتسمت آثار أصابعي عليه كأنما تذكرني بما فعلت بجنيني .. ورقدت في الفراش بعدها بيومين وأنا فى حالة صحية ومعنوية سيئة وبعد أن تمالكت نفسي تدخل بيننا وبين زوجى بعض الوسطاء وتم الاتفاق على الطلاق بهدوء بعيدا عن ساحات المحاكم , وذهبت إلى مكتب المأذون في الموعد المحدد للطلاق وكانت المرة الأولى التي أرى فيها زوجى منذ غادرت بيته، فلاحظت نظرة الألم المستقرة في وجهه .. ولاحظت أيضا أنه نظر إلى بطني حين رآني للحظات أدرك بعدها أنني قد تخلصت من الجنين .. فاختلط الألم بالإشمئزاز مني ومما فعلت في نظرته لي .. وتم الطلاق وتركني وذهب بلا كلمة واحدة ومضت شهور .. فلم يتكالب علي العرسان كما وعدتني أمي وهي تقنعني بالإجهاض .. ولم أجلس لأفاضل بين هذا وذاك , واختار من هو أفضل من زوجي السابق !
كما أن زوجي السابق نفسه لم يحاول الاتصال بي أو بذل أية محاولة للصلح بيننا حتى ولو كنا سنرفضها .. ويبدو أن ذلك قد غاظ أمي منه فأطلقت فيه لسانها وراحت تحكي عن أسباب الطلاق وتتهم زوجي السابق باتهامات باطلة كالبخل وتمادت في ذلك حتى اتهمته كذبا في رجولته .. وبلغت زوجي السابق كل هذه الشتائم والاهانات فلم يرد عليها بكلمة واحدة وإلتزم موقف الصمت .. والاشمئزاز ! وأصبح كل هم أبي وأمي أن يكيدا له .. وبعد شهور أخرى وفت أمي بوعدها لي فعلا وزوجتني ولكن ليس من "سيد سيده" وإنما من إنسان آخر مختلف تماما عن زوجي له طفل وطفلة عمرها 4 سنوات وثلاثة سنوات، وأقنعتني بأنه سيغمرني بالسعادة والعطاء المادي والنفسي .. إلخ .. وتزوجته بالفعل وربيت طفليه بما يرضي ضميري وفوجئت بأنه شديد العصبية ويثور علي لأتفه الأسباب ويفقد أعصابه في الخلاف فلا يتمالك نفسه وينهال علي ضربا بقسوة شديدة ويسبني بأقذع أنواع الشتائم .. وكنت قد تعلمت الدرس وأريد ألا أفشل مرة أخرى، فكتمت عن أمي كل ذلك وتظاهرت أمامها بأني سعيدة جدا في حياتي وأن زوجي مثالي للغاية .. وحملت منه وسعدت بالحمل ثم انجبت طفلا جميلا فرحت به وأملت أن تنصلح أحوال زوجي معي بمجيئه .. لكنه راح على العكس يتهمني ظلما بأنني أهمل طفليه لانشغالي بمولودي عنهما ثم فجأة مرض طفلي الوليد وتدهورت صحته سريعا خلال فترة قصيرة وبعد أسابيع قليلة انتقل إلى رحمة الله فأسودت الدنيا في وجهي وأعتصر الألم قلبي .. وتذكرت الجنين الذي أجهضته .. والحائط المشروخ الذي استجرت به من الألم أثناء الإجهاض.
وكأنما كانت وفاة هذا الطفل الوليد يا سيدي بداية لكل الأحزان وليس نهاية لما كما كنت أرجو .. فقد تحولت حياتي مع زوجي بعد وفاته إلى جحيم لا يطاق وبعد شهور أخرى توفيت أمي إلى رحمة الله أيضا وتركتني وحدي في الحياة , وإزدادت حياتي مع زوجي صعوبة حتى لم يعد يمضي علينا يوم واحد بلا خصام أو نكد ولم يكتمل العام حتى كان أبي قد أصيب بجلطة في المخ أدت إلى أصابته بالشلل واستسلم للفراش .. ثم لم يطل عذابه كثيرا ولحق بأمي وأصبحت بلا سند ولا نصير في الحياة .. ورغم أحزاني الشديدة فقد حاولت أن أتمسك بحياتي مع زوجي حتى النهاية حتى لا أحكم على نفسي بالوحدة، لكن الحياة كانت قد استحالت بيننا نهائيا وأصابني اليأس والإحباط من كل شئ .. كل شئ .. فطلبت منه الطلاق ووافق عليه وتركت له كل شئ حتى أثاثي, أو أثاث زوجي الأول بمعنى أصح .. وغادرت بيته حزينة على نفسي وعلى حياتي وعدت إلى غرفتي القديمة وفراشي الذي يقع بجوار الحائط الذي يحمل آثار أصابعي يوم الإجهاض اللعين، وواجهت الوحدة والفشل اللذين كنت أرتعب خوفا منهما .
فقل لي بالله عليك يا سيدي .. هل ما حدث لي هو عدالة السماء حقا لأني ظلمت زوجي الأول ولم أحافظ عليه رغم أنه كان يحبني بجنون ويحسن معاملتي ويغار علي غيره جميلة .. أم لأنني أيضا قد اجهضت جنينه وحكمت عليه بالموت بلا ذنب جناه ؟ نعم لقد كان الخطأ جسيما لكنه لم يكن خطئي وحدي، فقد كان خطأ أبي وأمي في المقام الأول .. فلماذا أدفع ثمنه أنا وحدي من حياتي ؟
لقد علمت أن زوجي الأول لم يتزوج حتى الآن بعد أن حطمناه وصدم في مشاعره .. فهل تنصحني بأن أذهب إليه وأرجوه أن يسامحني عما فعلت معه لأني مازلت أحبه ولم يفارقني حبه لحظة واحدة طوال السنوات الماضية؟
ولــكــاتبـة هــذه الـرسـالة أقول :
ومن أدراك يا سيدتي أن أبويك لم يدفعا ثمن ظلمكم جميعا لهذا الإنسان الذى هدمتم سلامه النفسي وسعادته وشوهتم صورته وأذيتموه ظلما .. حتى في رجولته ؟
إن فواتير أخطائنا وظلمنا للآخرين واجبة السداد كلها لا محالة في الدنيا أو في الآخرة أو كليهما معا .. ولا نجاة لأحد من الآداء إلا بصدق الندم .. والاستغفار وطلب الصفح ممن ظلمناه ولست أتصور أنك بتساؤلك هذا تتألمين لإنفرادك وحدك بدفع ثمن هذا الخطأ دون أبويك اللذين شاركاك فيه، وإنما أنت تتساءلين على الأصح وإلى متى سأظل أدفع ثمن نصيبي من هذا الخطأ من حياتي ووحدتي وتعاستي ؟
وفي هذا قد يكون لك بعض العذر .. فالحق أنني وإن كنت لا أعفيك من مسئوليتك عن إيلام هذا الإنسان بلا ذنب جناه, فإني أحمل أبويك "في نفس" الوقت الجانب الأكبر من المسئولية عما تعرض له زوجك الأول من ظلم وإيذاء نفسي بالغ، ذلك أننا إذا إلتمسنا لك بعض العذر في صغر سنك وقلة تجربتك في الحياة وثقتك العمياء الطبيعية في أن أبويك لا يمكن أن يستهدفا لك خيرك وسعادتك .. فأي عذر يمكن أن نلتمسه لأبويك فيما فعلا بك وبزوجك الأول ولهما من تجربة الحياة والعمر ما كان ينبغي أن يرشداك به إلى ما فيه سعادتك الحقيقية .. وأن يرجحا به سعادتك على اعتباراتهما الشخصية حتى ولو لم يرضيا عن بعض تصرفات زوجك .. "وليس الحكيم هو من ينصح باتباع الشر" كما يقول لنا الفيلسوف الإغريقي أفلاطون .. وليست الأم العادلة التي تستهدف حقا خير إبنتها ومصلحتها هي التي تغريها بمخالفة إرادة زوجها وتوهمها أنها بذلك إنما سوف تروضه وتحطم إرادته حتى يأتي إليها صاغرا يلتمس الرضا .. فإذا خابت توقعاتها لم تعترف بخطأ تدبيرها وتنصح ابنتها بالاقتراب من زوجها وإنما جنت عليها وحرضتها على الطلاق من زوجها بوهم أنها سوف تزوجها ممن هو أفضل منه .. ولا تكتفي بكل ذلك وإنما تغريها أيضا بإجهاض ثمرة زواج مشروع وحب غابر بحجة أن تصبح خفيفة الميزان وبلا تبعات أو أثقال تقلل من فرصها في الزواج الأفضل !
ففيم تختلف إذن "نصائح" الكارهين لكل خير لك عن مثل هذه النصائح الشيطانية ؟
إن الله ورسوله أعلم بما كان عليه جنينك عند وأده , ولسوف تتحملين مسئولية ذلك أمام ربك مهما كان حجم التحريض الذي تعرضت له من أمك، إذ لا شك أنك كنت تستطعين إيقاف كل ذلك لو لم تؤثر فيك وعود أمك الخلابة ويتعلق بها قلبك , فإذا كانت الروح قد نفخت في جنينك عند اجهاضه .. فهو حرام باجماع الفقهاء ما لم تكن هناك ضرورة قصوى يقررها الأطباء المختصون حرصا على سلامة الأم , وليس من قبيل هذه الضرورة أبدا تخفيف الميزان وزيادة المؤهلات لنيل فرص أفضل في الزواج .. أما إذا لم يكن قد دبت الروح فيه فقد اختلفت أراء الفقهاء في إجهاضه وتراوحت بين الحرمة والكراهة المطلقة , والاباحة بقدر والكراهة بغيره , والاباحة بغير عذر .. وأنت وحدك من تستطيع أن تقرر كيف كان شأن جنينها حين أجهضته .. تسأليني بعد ذلك هل تطلبين صفح زوجك الأول الذى "لم يفارقك حبه لحظة واحدة " طوال السنوات الماضية ؟ّ وجوابي هو أنك تتلمسين طريق العودة إليه واستئناف علاقتكما الزوجية بعد رحيل أبويك وبعد أن أبحرت سفينتك بعض الوقت في بحر التعاسة والتخبط .. ولا بأس بذلك إذا صفح ونسي واستشعر صدق ندمك على أخطائك معه .. واستوعبت دروس التجربة .. واستفدت منها .. لكن واجبك سواء قبل العودة إليك أو رفض يقضي عليك بأن تطلبي صفحه عن ظلمك السابق له وتعلني براءته من الاتهامات الظالمة التي كالتها له والدتك ولم تفعلي شيئا لنفيها وإعلان شهادة الحق فيها .. وكتمان الشهادة التي تبرئ ساحة إنسان وتحفظ عليه كرامته جريمة إنسانية ودينية لا يتسامح ربك معها.
والإنسان يا سيدتي مطالب دائما بأن يكون عادلا مع الآخرين لنفسه وإلتزاما بقيمه الأخلاقية والدينية .. وليس طلبا لجائزة منهم أو أملا في تحقيق مصلحة منهم حتى ولو كانت مشروعة .. لهذا فمن واجبك أن تعترفي له بخطئك في حقه وظلمك له وأن تطلبي صفحه عما فعلت به لكي تزيحي أولا عن ضميرك عبء ظلم إنسان لم يظلمك ولم يفتر عليك .. ولم يرد حتى إفتراءات والدتك عليه.
فإذا شاء زوجك الأول أن يستأنف علاقته الزوجية معك فلا بأس بما يختاره لنفسه وإن لم يشأ فقد تحررت من الاحساس بالذنب تجاهه .. واكتسبت احساس العدل الذي ينبغي أن يحكم علاقتك بالآخرين وتعلمت ألا تظلمي أحدا حتى لا يظلمك أحد وحتى لا تستأديك الحياة فاتورة الألم والتعاسة .. ولا شك أنك المستفيدة من ذلك في كل الأحوال لأنك بمثل هذه الشخصية العادلة التي ستكتسبينها سوف تتعاملين من الحياة بأمانة .. ترشحك لنيل السعادة وتعوضك عن معاناتك السابقة .. و"أكبر الكرامات_كما يقول لنا الامام أبو حامد الغزالى هو أن تبدل خلقا مذموما من أخلاق نفسك .. بخلق محمود" .. ولا شئ أبشع من ظلم الإنسان للإنسان فما بالك بظلمه لمن أحبه بجنون ولم يسئ إليه في شئ .. وكان يسمعه حتى تدخل بينهما سعاة الشر أعذب الكلمات وأحلى الأنغام.
كتابة النص من مصدره / بسنت
محمود
راجعها وأعدها للنشر / نيفين علي

برجاء عدم النسخ احتراما لمجهود فريق العمل في المدونة وكل من ينسخ يعرض صفحته للحذف بموجب حقوق النشر