الجملة المشئومة .. رسالة من بريد الجمعة عام 1991

 

الجملة المشئومة .. رسالة من بريد الجمعة عام 1991


الجملة المشئومة .. رسالة من بريد الجمعة عام 1991

بعد أن تخرجت من الجامعة بشهر تقدم لخطبتي عن طريق أحد الأقارب محاسب شاب يعمل بإحدى الدول العربية .. وقبلت خطبته بإغراء أنه سيتزوجني بلا مشاركة من أسرتي في الأثاث والجهاز .. وتمت خطبتنا خلال أجازته وبقى معي في مصر بعد الخطبة شهرا ثم عاد لعمله .. واستمرت الخطبة عامين كنت خلالهما مازلت بيني وبين نفسي مترددة في إتمام الزواج منه لأني لم أشعر تجاهه بأي مشاعر عاطفية وكنا خلال تلك الفترة نتراسل فيكتب إلي رسائل رقيقة وأجيب عليها برسائل فاترة .. ومع ذلك مضيت في إتمام خطوات الزواج كأنه قدر مكتوب.

 وعاد لمصر في أجازة لنتزوج واستأجر شقة مفروشة لنقيم فيها خلال شهر العسل .. وتم الزفاف ففوجئت لدهشتي بأني تعلقت به سريعا وأصبحت لا أستطيع فراقه وأحببته حبا شديدا بسبب كرم أخلاقه وحسن معاملته لي.

 وانتهى شهر العسل في لمح البصر وسافر إلى عمله وعدت للإقامة مع أسرتي استعدادا لأن الحق به بعد فترة قصيرة .. وفي بيت أسرتي جلست ذات يوم مع أمي تتحدث عن أختي الكبرى التي تزوجت بعدي بعشرين يوما وسرعان ما حملت برغم أن أمي لم تكن تفضل لها سرعة الحمل لأنها مدرسة وعملها مرهق .. وكانت شقيقتي الصغرى التي لا يزيد عمرها على 4 سنوات تجلس

بجوارنا وتلهو بعروستها خلال حديثنا فقلت لأمي إن الحمل هدية منحها الله لها والهدية يفرح بها الإنسان في أي وقت تجيئه فيه .. فسألتني أمي هل يعني ذلك أنني كنت ارغب في أن أحمل أنا أيضا بهذه السرعة فأجبتها بالإيجاب ففوجئت بشقيقتي الطفلة تقول لي وهى مشغولة بلعبتها : إني لن أرى الأطفال في حياتي .. ولن أمسك شعرة من رأسهم : فزجرتها أمي ولم التفت إليها وإن كنت قد انقبضت قليلا ثم نسيت ذلك .. واندمجت بعد قليل في الحديث مع أمي .. وبعد ثلاثة شهور سافرت إلى زوجي في مقر عمله .. واستأنفت حياتي الزوجية معه وازددت معرفة به فازددت حبا له وإعجابا بهدوئه ورزانته.

 

ومضت أيامنا سعيدة هادئة .. وبدأنا نفكر في إعداد شقة الزوجية لنا في مصر .. وفضلت أن نعدها ونؤثثها على أن ننفق ما لا ضرورة له في الغربة .. وبنيت معه شقتنا في مصر بمجهودي وحرماني من مغريات كثيرة، وخلال انشغالنا بذلك بدأت أنا وزوجي نحس بالقلق لأني لم احمل فعرضنا نفسينا على الأطباء فأكدوا لنا أنه ليس لدينا ما يعوق الإنجاب، ومن حين إلى آخر أتذكر تلك الجملة المشئومة التي نطقت بها شقيقتي الطفلة بعفوية عجيبة كأنها تقرأ الغيب فأتشاءم وأحس باليأس من تحقيق حلم الإنجاب .

 

ومضت 5 سنوات طويلة لم ننقطع خلالها عن المحاولات ونحن بين اليأس والرجاء وكنت قد حكيت لزوجي في بداية زواجنا حكاية شقيقتي الصغرى وتصورت أنه قد نسيها فاكتشفت بعد مضي كل تلك السنوات أنه يفكر فيها كثيرا ويسترجعها ويضعها في اعتباره وقال لي مرة وهو في غاية الحزن إنني فعلا لن أرى شعرة من رأس طفل كما تنبأت لي بذلك شقيقتي الصغرى فحزنت لحزنه ويأسه وزاد من تعاستي انه يتجنبني بالأيام فلا يخاطبني بكلمة وبلا سبب .. وعندما يعود للكلام معي استشف من حديثه أن هذا الأمر، هو الذي يدفعه لذلك بغير أن يحس .. وأنا ألتمس له العذر فيه لكن ماذا استطيع أن أفعل يا سيدي .. وماذا أملك أن أقول سوى أن الله موجود ويجيب دعوة الداعي إذا دعاه .. وأنا ادعوه ليلي ونهاري فلماذا يعاقبني على ما ليس في يدي ولا يد أحد إلا الله وحده.

إن قلبي يريده وقد قاسمته حلو الحياة ومرها .. فأرجو أن تنصحه بالصبر لأنه عجول وبألا ييأس وألا يعاقبني على شيء لا أملكه كما أرجو أن تنصحه بألا يضع هذه الجملة المشئومة في اعتباره وأن توضح له أنها مجرد صدفة .. وشكرا لك مقدما.

 

ولكاتبة هذه الرسالة أقول :

 وهل يمكن أن تعني تلك العبارة العفوية من طفلة في الرابعة من عمرها إلا أنها فعلا مجرد مصادفة سخيفة .. وهل يمكن أن يحملها إنسان عادل كزوجك أكثر مما تحتمله فيتعامل معها كما لو كانت صوت القدر .. أو قراءة للغيب أو نبوءة الساحرة في المسرحيات الكلاسيكية القديمة ؟ إنها ليست بالطبع سوى هزر من هزر الأطفال فإن تصادف أن توافقت مع بعض ظروفنا في مرحلة من مراحل العمر فليس معنى ذلك أنها نبوءة صادقة ولا أن هذه الظروف المؤقتة سوف تستمر إلى الأبد .. لكني يخيل إلي أنكما معا قد حملتما هذه العبارة الطائشة أكثر مما تحتمل فأطلتما التفكير فيها وتشاءمتما منها فأثر ذلك عليكما نفسيا وساهم في تأخير الحمل .. والشؤم عند التشاؤم كما يقولون ذلك أن إطالة تفكير الإنسان في المرض قد تصيبه بالقلق النفسي وتضعف من مقاومته للأمراض فيساهم هو نفسه في إصابته بما كان يخشاه.

 فانزعا هذا الوهم من خيالكما إلى الأبد وتفتحا للأمل وللحياة من جديد وثقا برحمة ربكما وبنفسيكما وبالمستقبل .. ولا تتعجلا تحقيق الآمال .. فالورود لا تتفتح إلا في موعدها الذي يختاره لها إله الكون وتعجلنا لها مهما فعلنا لن يثمر إلا وأدها قبل التزهير .. وكثير من الزيجات تفتحت الورود في حدائقها فجأة بعد انتظار طال أحيانا لـ ۱۰ و ۱۲ و ١٤ سنة ، وقد أضاف تقدم الطب بابا آخر للإنجاب عن طريق الأنابيب لمن يواجهون بعض المشاكل التي تعوقه وأنتما لا تشكوان من أية أسباب عضوية تعوق الإنجاب وعلاقتكما العاطفية سليمة وصحية .. إذن فلم يبق إلا العامل النفسي الذي ساهم فيه غالبا تشاؤمكما معا من تلك العبارة الشاردة .. وكثير من الأزواج الذين تأخروا في الإنجاب أو حتى حرموا منه لم يعاقبوا زوجاتهن بالانصراف عنهن ومقاطعتهن وإنما ازدادوا التصاقا بهن وتعاطفا معهن وتقديرا لحنينهن الجارف للإنجاب، وزوجك شاب راشد وعادل وعلى خلق كريم ويعلم تماما أنه لا حيلة لك فيما جرى .. ولا شك أنه يلمس حبك وإخلاصك له ورغبتك فيه ويعرف تماما أن من أفضل ما يهبه الله لإنسان هو الزوجة المحبة المتفانية .. فكيف لا يقدر هذه الهبة حق قدرها وكيف يستسلم لليأس وأنتما معا في عنفوان الشباب .. ومازال المستقبل متسعا أمامكما وواعدا

لكما بكل خير وسعادة وأمان إن شاء الله !

 نشرت في جريدة الأهرام "باب بريد الجمعة" مايو 1991

راجعها وأعدها للنشر / نيفين علي


Neveen Ali
Neveen Ali
كل ما تقدمه يعود إليك فاملأ كأسك اليوم بما تريد أن تشربه غداً
تعليقات