الهواجس المؤلمة .. رسالة من بريد الجمعة سنة 2000

 الهواجس المؤلمة .. رسالة من بريد الجمعة عام 2000

الهواجس المؤلمة .. رسالة من بريد الجمعة عام 2000

إن التساهل في البدايات يورث جحيم الشك في النهايات, إذ انه يكفي أن يستشعر الزوج أو الزوجة القلق لصلة تجمع شريك الحياة بطرف آخر لا مبرر لوجوده أصلا في أفقه, لكي يكون ذلك وحده سببا عادلا ومقنعا لقطع هذه الصلة بل أنه من واجب الشريك أن يتدخل لإبعاد المتطفلين عن شريكه بدافع الغيرة الايجابية المطلوبة لحمايته من الريب والظنون أو من الإساءة لنفسه بحسن نية.. وليس هناك ما يدعو لاستشعار الخجل من هذه الغيرة أو لإنكارها.. فهي إحساس إنساني طبيعي يحفظ إذا مورس باعتدال الطرف الآخر من التعرض للإغراء ومن الانزلاق إلى الشراك الخداعية المحيطة به, ولا يفيد أبدا انعدام الثقة في النفس أو الشك في إخلاص الطرف الآخر وأخلاقياته, وإنما يعني فقط القلق الصحي المعتدل بسبب الخوف من ضياع المحبوب.. او تعرضه للمهالك.
عبد الوهاب مطاوع

أنا رجل أبلغ من العمر45 عاما, وأعمل بوظيفة محترمة, وقد أكرمني ربي برضا أبي وأمي وبعلاقات طيبة مع الأهل والأصدقاء وكل من أتعامل معهم لأنني أحب البشر ولا أتوانى عن مساعدتهم وأعامل الآخرين بكل احترام.
وقد تزوجت منذ اثني عشر عاما من فتاة أحببتها سنوات طويلة قبل الزواج دون أن أعلن ذلك لها أو لغيرها وتكتمت مشاعري تجاهها إلى أن يحين الوقت المناسب للتقدم لها, وحين سمحت لي الظروف بذلك تقدمت إليها.. وخطبتها وتزوجتها برغم الكثير من الصعاب بسبب بعض الظروف المعاكسة وعشنا سنوات جميلة هادئة سعيدة إذ ما أجمل أن يتزوج الإنسان من فتاة يحبها وتكون هذه الفتاة عاقلة ورزينة ومتعلمة ومن أسرة كريمة.

 
ولقد أكرمني الله بالتوفيق في عملي فتوفر لي قدر من المال وفكرت في أن استغله فيما يسعد زوجتي ويكون إضافة لنا تفيد أبناءنا في المستقبل, فأنشأت مشروعا صغيرا تديره زوجتي لأنه يتفق مع مؤهلاتها الدراسية وسجلته باسمها ووقفت فيه إلى جانبها حتى نجح العمل نجاحا أسعدها وأسعدني معها وازدادت علاقة الحب بيننا عمقا.
وكانت زوجتي بحكم هذا المشروع تتعامل مع كثيرين من العملاء وتعرضت بطبيعة الحال في بعض الأحيان كامرأة للمضايقات من بعض العملاء, لكنها بقوة شخصيتها وذكائها وأديها كانت تتخطي دائما هذه المضايقات وتجبر الجميع علي احترامها.
ثم شاءت الأقدار أن يتردد على مقر عملها أحد الشباب مندوبا عن شركته, فوجدت من زوجتي اهتماما غير عادي به وبالعرض الذي تقدم به ولم يتم الاتفاق مع شركته على العمل المطلوب, ولكنه استمر بالرغم من ذلك في التردد على مقر عمل زوجتي وهنا شعرت بالضيق وعدم الارتياح وأظهرت لزوجتي هذا الضيق, واعترضت صراحة على تردده على العمل دون مبرر, فقالت لي إنني استطيع إذا أردت أن أطلب منه عدم الحضور, لكني رفضت ذلك مؤكدا لها أنني إذا فعلت ما تقترحه فإن معناه هو عدم الثقة فيها وأن عليها أن تنهي هي تردده بأي شكل, لكنها لم تفعل متعللة بصعوبة إظهار الجفاء مع إنسان يتعامل معها بكل احترام, فضلا عن أنها لا تريد أن تغلق باب التعامل مع شركته.. ولا تريد أيضا أن تحرم من بعض الآراء والمقترحات التي يبديها ويمكن أن تفيد العمل.


وأمام كلماتها الهادئة الواثقة راجعت نفسي في احتمال أن أكون مخطئا في رأيي بسبب طبيعتي المحافظة, أو ربما بسبب شعوري بشيء من الغيرة التي يجب ألا استسلم لها حتى لا أكون عائقا أمام نجاح زوجتي .. وأقنعت نفسي بأنه من الأفضل أن أوطد علاقتي به حتى يفهم من يلاحظ كثرة تردده على العمل أنه صديقي, وبذلك أمنع الأقاويل عن زوجتي.. وقد كان ذلك.
وبعد فترة لا ادري طولها أصبحت زوجتي أكثر عصبية فالتمست لها العذر بإرهاق العمل وضغوطه, ثم بدأت تنفر مني في أحيان كثيرة .. وإذا غضبت منها لشيء لا تبالي بغضبي وهي التي كانت إذا حدث بيننا شيء من سوء التفاهم تتودد إلي وتنهيه في نفس اليوم, ولم استطع تفسير ذلك برغم أنني كنت أشعر بحزن عميق بداخلي, وفي لحظات قربها مني كانت تستطيع أن تمحي الأثر السيئ بعصبيتها ونفورها, مع أن هذه اللحظات تباعدت بيننا كثيرا في حين ازدادت مساحة الخلافات حول أشياء تافهة لا أذكرها لأنها كانت فيما يبدو تعبيرا أصاب كلا منا من تغيير حتى أصبحت هذه الخلافات ظاهرة أمام أبنائنا على غير عادتنا.


واستمرت الحياة على هذا النحو أياما هادئة وأياما عصبية حتى حدث موقف أيقظني من غيبوبتي ذلك أنني فوجئت بها ذات مرة تخبرني أنها ذهبت مع هذا الشاب بسيارته لمتابعة عمل يخصها في مدينة قريبة من مدينتنا, ووجدتني في لحظة خاطفة استرجع كل الأحداث الماضية المتعلقة بعلاقة هذا الشخص بها, والتي توحي بأن اهتمامها به لم يكن عاديا وأنه لم يكن مجرد صديق عمل مثل بقية الأصدقاء والمعارف (إذا جاز استعمال لفظ الصداقة هنا) وأنه شخص تسعد به ولوجوده وتختلق الأسباب لكي يستمر تردده عليها في عملها سواء بالحديث عن مشروعات مشتركة لم تتم أو بطلب مشورته في بعض أمور عملها, وواجهتها بذلك وكان رد فعلها هو الإنكار التام بقوة وعصبية مع الإحساس بالاهانة, وحاولت إقناعي بأن الأمور أكثر بساطة مما أتصور وراحت تلومني على أنني لم أكن واضحا في طلب قطع علاقتها به في البداية, مع أنني قد أظهرت لها عدم ارتياحي وغضبي في بداية العلاقة, لكنه لثقتي فيها صدقت كلامها عن بساطة هذه العلاقة ولم آخذ موقفا كان يجب أن أتخذه ولكنها أصرت على أنه ليس في الأمر أي شيء مشين, وأنها تتفهم غضبي ولم اقتنع بحديثها تماما, ولكني حاولت خداع نفسي بتصديقه لأن ذلك كان الأكثر راحة بالنسبة لي واعتبرت الأمر مجرد عدم اتزان في التصرف, وأن رغبتها في النجاح كانت أقوى من الاعتبارات الأخرى وانتهى الموقف تاركا في نفسي جرحا غائرا, لكني لم أدع ذلك يؤثر على علاقتي بها.


وامتنعت زوجتي عن الذهاب لعملها فترة حتى لا تقابل هذا الشخص وأصبحت تديره بالتليفون وأتولى أنا بعض الأمور .. وحين وجدت أنا تساؤلا من ذلك الشاب عن سبب انقطاعها عن العمل أفهمته بتعبها ولكيلا أثير في نفسه أية تساؤلات حول وجود خلل في علاقتي بزوجتي بسببه, فقد استمررت في علاقتي به بشكل عادي حتى لا تتناثر الأقاويل والشائعات, إلى أن أنهت شركته العمل في مدينتنا وظل بعد ذلك يتصل بي كل فترة, واتصل به من حين لآخر وكأن شيئا لم يحدث, لكني كنت أتعمد أن يغلف البرود كلماتي واختفت عبارات المجاملة حتى انقطع الاتصال بيننا.
وبعد حوالي عامين من ذلك واثر اتصال تليفوني منه فوجئت بزوجتي تعرض علي فكرة التعاون مع هذا الشخص في أحد المشروعات التي كانت تنفذها, ووجدت نفسي أنفجر فيها هذه المرة رافضا ومتسائلا عما إذا كانت تريد إعادة العلاقة معه أم ماذا.. وتكهرب الجو وأكدت لي أنها فكرت في هذا الاقتراح بحسن نية لان هدفها هو نجاح المشروع ولأنه ليس لديها شيء تتخفى به, ولم أقنع بذلك وأصبح ما يثور في داخلي كل فترة تساؤل أو مجموعة تساؤلات أظل أسيرا لها حتى اسأل زوجتي عنها وتتجدد الصدامات.

وخلال هذه الصدامات أفلتت منها بعض التعبيرات العفوية التي زادت شكوكي وتفاعلت هذه الشكوك داخلي حتى حاولت الانتحار ذات مرة ولكن الله سلم وأصبحت حياتنا بعد ذلك متوترة دائما وازداد البعد بيننا وغابت السعادة عن حياتنا, وبالرغم من أن الأمور هادئة الآن بيننا اقصد فاترة إلا أن التساؤلات تهاجمني يوميا حول ما حدث.. فكيف أصل للحقيقة؟ وهل من مصلحتی معرفتها؟ مع أني لا استطيع خداع نفسي وأؤمن بأن الحقيقة المرة أفضل من الحيرة والشكوك.

 إن الأمر إذا كان نزوة وانتهت فكلنا نخطيء ويمكن التجاوز عن هذه السقطة بالحب وبإدراك أننا بشر وبأنني ساهمت ولو بأي قدر في عدم منع هذا الخطأ وإذا كان حبا قائما (ولا أظنه كذلك) فيمكنني طلاقها وتنتهي القصة ونتحمل أنا وأطفالي إرادة القدر, كما أنه يمكن استمرار وجودها معي شكليا من أجل الأولاد كأخت وأم وليس كزوجة وشريكة حياتي.. فماذا أفعل .. وكيف أحسم أمري؟


ولكاتب هذه الرسالة أقول:

التساهل في البدايات يورث جحيم الشك في النهايات, هذه هي خلاصة المحنة التي تهدد حياتك العائلية وسلامك النفسي الآن.. لهذا فلقد كان الأحرى بك ألا تتردد في حسم هذه الصلة بين زوجتك وبين هذا الشاب في بدايتها المبكرة وبلا تحسس لما يمكن أن يثيره ذلك من تساؤلات لديها أو لدى الغير إذ انه يكفي أن يستشعر الزوج أو الزوجة القلق لصلة تجمع شريك الحياة بطرف آخر لا مبرر لوجوده أصلا في أفقه, لكي يكون ذلك وحده سببا عادلا ومقنعا لقطع هذه الصلة بل أنه من واجب الشريك أن يتدخل لإبعاد المتطفلين عن شريكه بدافع الغيرة الايجابية المطلوبة لحمايته من الريب والظنون أو من الإساءة لنفسه بحسن نية.. وليس هناك ما يدعو لاستشعار الخجل من هذه الغيرة أو لإنكارها.. فهي إحساس إنساني طبيعي يحفظ إذا مورس باعتدال الطرف الآخر من التعرض للإغراء ومن الانزلاق إلى الشراك الخداعية المحيطة به, ولا يفيد أبدا انعدام الثقة في النفس أو الشك في إخلاص الطرف الآخر وأخلاقياته, وإنما يعني فقط القلق الصحي المعتدل بسبب الخوف من ضياع المحبوب.. او تعرضه للمهالك.


لهذا فإنه لم يكن هناك أية ضرورة للتجمل في إظهار ضيقك بصلة زوجتك بهذا الشاب.. ولا لمحاولة اكتساب صداقته للإيهام بأن ما يربطه بكم هو علاقة عائلية واجتماعية وليس اهتماما شخصيا بالزوجة.
ومن واجب شريك الحياة أن يتفهم هذا القلق.. ويستجيب لما يتطلبه من تجنب كل ما يثير هواجس شريكه وظنونه حتى ولو لم يكن لها أي ظل من الحقيقة, ولو أنصف نفسه لسعد بهذا القلق واعتبره دليلا متجددا على الحب والنخوة والرغبة الدائمة في الانفراد بجماع مشاعر شريك الحياة واهتمامه, ودون أي تعارض مع الثقة المفترضة في وفائه وأخلاقياته وقيمه.. لأن الأمر لا يتعلق هنا بالثقة وإنما بسد الذرائع.. والبعد عن الظنون.


والكاتب المسرحي الأمريكي تنيس وليامز يقول لنا إنه لا يوجد عذاب على وجه الأرض يقارن بعذاب الرجل حين ينهشه الشك في وفاء امرأته له.. ولأن الأمر كذلك فلابد لك يا سيدي من أن تحسم كل التساؤلات التي تمور في أعماقك الآن وتخرج من بحر الحيرة إلى شاطيء أمين, لكي تستقيم لك حياتك وتعفي نفسك وزوجتك من هذا العذاب.
ولربما يعينك على ذلك أن تسلم بأن الإنسان تاريخ وسياق عام من السلوكيات والأخلاقيات والقيم, وليس مجرد موقف طاريء من مواقف الحياة, وبالتالي فإن الحكم العادل عليه لابد أن يضع في الاعتبار تقييم هذا التاريخ كله.. ولا يكتفي بما ثار الجدل مؤخرا حوله..
وأيا كان الشاطئ الذي سوف ترسو فيه سفينتك فإن من واجبك أن ترفض بصرامة أية مقترحات أو أفكار لتجديد تلك الصلة التي أثارت كل هذه الزوبعة, مهما تكن مبرراتها أو أرباحها المادية المتوقعة.
إذ ماذا يفيد أن يجني الإنسان بعض الربح المادي ويخسر سعادته وأمانه وراحة قلبه وضميره.
وختاما فإني أجيب علي تساؤلك الحائر المحذوف من رسالتك, والذي يقض مضجعك الآن.. بالإشارة إلى حديث شريف رواه الشيخان وأبو داود والترمذي ويقول: إن الله قد تجاوز لأمتي عما حدثت به نفسها ما لم تتكلم أو تعمل به.
وأكتفي بهذا القدر.. معتمدا على فطنتك.. والسلام.

·       نشرت في جريدة الأهرام "باب بريد الجمعة" عام 2000

شارك في إعداد النص / علا عثمان

راجعها وأعدها للنشر / نيفين علي



Neveen Ali
Neveen Ali
كل ما تقدمه يعود إليك فاملأ كأسك اليوم بما تريد أن تشربه غداً
تعليقات