الحلم القصير .. رسالة من بريد الجمعة سنة 2002
لقد كنا حتى وقت قريب نسمع كثيرا عمن يتعففن أو يتعففون عن إقامة صرح سعادتهم الخاصة على أنقاض تعاسة الآخرين ونسمع طويلا عمن يعتبرن أو يعتبرون نبذ أحد لشريكه أو شريكته من أجلهم مؤشرا على عدم الوفاء واستسهال الغدر، فأصبحنا الآن ومع تغير منظومة القيم الأخلاقية لدى البعض وتأثرها بالاتجاهات الفردية السائدة في الغرب والتي تبرر للفرد سعادته من أي طريق، نسمع عمن يعتبرون التضحية بسعادة الغير من أجلهم دليلا على عمق الحب والرغبة فيهم وتأكيدا لأهميتهم لدى الراغبين فيهم وعلو شأنهم!
عبد الوهاب مطاوع
منذ 5 سنوات كنت فتاة حاصلة على بكالوريوس التجارة
وأعمل في فرع أحد البنوك وسعيدة بعملي ومجتهدة فيه.. وأعيش بين أبي الضابط
المتقاعد ووالدتي ربة البيت الطيبة وأختي التي تصغرني ببضع سنوات..
وكانت الحياة
تمضي بنا جميعا هادئة وسعيدة ويتقدم لي من حين لآخر شاب يطلب يدي ..
فلا أجد فيه
فارس أحلامي، إلى أن جاء يوم دخلت فيه مكتب مديري فوجدت لديه شابا ينظر إلي
باهتمام فشعرت بخجل طارئ.. وقدمه إلى مديري وعرفت أنه
محاسب شاب يعمل خارج مصر.. وانتهى الأمر عند هذا
الحد.. بعد يومين فوجئت بهذا الشاب يزور زميلة لي بالبنك ويفتعل
المناسبات للحديث معي فتحدثت معه في تحفظ لأني لا أعرفه, وبعد أسبوع طلبني مديري
إلى مكتبه وسألني عن رأيي في هذا الشاب وأجبته بما تكون لدي من انطباع عابر عنه..
فصارحني بأنه
يرغب في الزواج مني وشعرت بفرحة ممتزجة بالدهشة والقلق لأني لا أعرف الكثير عنه..
ثم التقيت به
وعرفت منه أنه يعمل بإحدى الدول العربية منذ 8 سنوات وأن والدته رحلت عن
الحياة ووالده متزوج ويعمل بالخارج.. وتحدثت إليه بدوري عن أبي
وأمي وأختي وأعجبت بشخصيته ورجولته, وتمنيت عليه أن تكون لنا
فترة خطبة معقولة لكي أزداد تعرفا على شخصيته وطباعه وأفكاره,
لكنه كان في
عجلة من أمره ويريد أن يرتبط بي في أسرع وقت قبل انتهاء أجازته والعودة إلى عمله
وسلمت له برغبته وتم عقد قراننا خلال أيام قليلة.. وسافرت معه في ليلة الزفاف
نفسها إلى البلد الذي يعمل فيه,
ودخلت شقة
الزوجية هناك وأنا أشعر أنني في حلم جميل ولست في الحقيقة, وغمرني زوجي بحنانه وعطفه
من أول لحظة.. ووجدت فيه الصدر الحنون الذي يعوضني عن ابتعادي عن أبي وأمي
وأختي لأول مرة في حياتي, ومضت بنا الأيام هانئة
والحلم الجميل مازال مستمرا.
وذات يوم تأخر في العودة
إلى البيت حتى الليل فشعرت بخوف الدنيا كله وارتجف جسمي بمجرد تخيل ألا يعود زوجي
لأي طارئ.. ورجع في النهاية فوجدني في حالة يرثي لها فاعتذر بتعطل سيارته
في مكان ناء.. وأراد أن يخفف عني فدعاني للخروج لتناول العشاء معا في أحد
المطاعم وارتديت ملابسي وجففت دموعي وخرجت معه.. وفي المطعم استرددت هدوئي
النفسي وشعرت بالسعادة والأمان في صحبة زوجي.. فإذا بسيدة شابة تتقدم
إلينا.. وينظر إليها زوجي باهتمام شديد.. فتصافحه مبتسمة ويقدمها لي
ويقدمني إليها.. وأتذكر الاسم على الفور! إنها خطيبته السابقة التي
فسخت خطبته بها قبل أن يرجع إلى مصر ويتقدم إلي مباشرة والتي روى لي قصتها كاملة
لكني لم أكن أعرف أنها مازالت مقيمة في نفس البلد وشعرت بشيء من الغيرة والارتباك
ثم تماسكت ورددت تحيتها بأدب.. وانصرفت هي مع من كانت
بصحبتهم في المطعم, ورجعنا إلى البيت وصورة هذه السيدة الشابة في خيالي..
وفي الأيام
التالية ساورني تجاهها بعض القلق.. لكني صرفت تفكيري عن
الانشغال بها لأنني أحب زوجي بشدة ونحن سعيدان في حياتنا, ثم فوجئت بزوجي بعد نحو
شهر يحدثني حديثا غريبا.. فيقول لي إنه يريد العودة
لخطيبته السابقة التي حالت ظروف طارئة دون ارتباطه بها قبل أن يعرفني..
وأنه يحبها
ولا يستطيع الاستغناء عنها ولا يقبل في نفس
الوقت أن يخونني معها أو يخدعني ولهذا فهو يبلغني أنه سوف يتزوجها استكمالا للقصة
القديمة بينهما ولن يطلقني وسيستمر حالي معه دون تغيير.. ولن يظلمني وإنما سيكون
عادلا معي ومعها وصدمت صدمة شديدة لكني قدرت له صراحته وقلت له إن كرامتي تأبى على
قبول هذا الوضع.. وإنه إذا تمسك بما يريده فإنني أفضل الطلاق..
ورجعت إلى
بلدي بعد 8 شهور فقط من الزواج وحزن أهلي لحالي كثيرا لكني قلت لهم إن
طباعنا لم تتوافق, وإننا قد انفصلنا في سلام ودون مرارة.. وحصلت على الطلاق بلا
مشاكل ورجعت إلى عملي ثم اكتشفت إنني حامل بعد قليل من رجوعي لمصر وحاولت التخلص
من حملي في شهوره الأولى لكن إرادة الله كانت أقوى من كل شيء فسلمت بما اختاره لي,
واتصلت بزوجي
السابق وأخبرته بحملي فسعد به.. وأرسل لي مصروفات المتابعة
الطبية والولادة.. ووضعت مولودي فكانت بنتا جميلة فرحت بها.. وتعزيت بمجيئها عن سوء حظي
في الحب والزواج, وجاء زوجي السابق بعد فترة فرأى ابنته واهتم بها كثيرا,
وتعاملت معه
بفتور ولكن بطريقة مهذبة.. وركزت اهتمامي في طفلتي
الوليدة وعملي, وأصبح زوجي يسأل عن طفلته من حين لآخر ويلتزم بنفقتها ويراها
كلما جاء في أجازة وتقدم إلي كثيرون من زملاء العمل ومن الأقارب وحثني أهلي على
الزواج بشدة لكني رفضت من تقدموا لي لأن قلبي مازال أسيرا لدى زوجي السابق بالرغم
من تحفظي الكامل معه.. ثم اقترب مني شاب كانت له مصلحة في فرع البنك الذي أعمل به
وأعجب بي.. وأعجبت به وشعرت بأنني أستطيع أن أبدأ من جديد معه,
فحدثته عن
ظروفي كمطلقة وتخوفي من ألا يرحب بي أهله نظرا لذلك, لكنه أكد لي ترحيبهم بي,
فاطمأننت
إليه وبدأنا نلتقي ونتحدث عن حياتنا المقبلة فإذا بي أخطئ في أول لقاء وأناديه
باسم زوجي السابق.. وأرتبك.. ويرتبك هو..
وأسلم بالفشل
معه.. ويتوقف مشروع الخطبة عند هذا الحد.
والآن يا سيدي وبعد أن
أصبح عمر ابنتي خمس سنوات كبرت خلالها أمامي يوما بعد يوم فلقد انفصل والدها عن
زوجته التي ضحى من أجلها بسعادتي, وحاول الاقتراب مني من
جديد ويرغب في استئناف حياتنا الزوجية السابقة من أجل طفلتنا ولكي تحيا بين أمها
وأبيها.. ولقد رفضت ذلك بشدة وثرت عليه ثورة عنيفة..
وعاملته
بجفاء ومازلت أفعل ذلك, لأنني لم أنس له ما فعله
بي حتى الآن لكني مازلت أحبه وثورتي عليه لم تكن ثورة الكراهية والحقد وإنما ثورة
الكبرياء والكرامة فهل أقبل العودة إليه أم أرفضه.. وأرتبط بغيره!
ولكاتبة هذه الرسالة أقول:
هناك نوع خاص
من الأسئلة ينطق بها المرء في ظروف الحرج الإنساني وهو يأمل في أعماقه ألا يسمع
عنها سوى جواب بعينه لا يرضيه سواه, ولو فاجأه المسئول بإجابة
مغايرة لشعر بالغضب المكتوم ولربما سخط على المسئول وندم علي استشارته في أمره!
فكأنما قد
وجه إليه سؤاله من البداية لكي يستعذب سماع الإجابة المرضية له ويطمئن بها..
ويبررها
لنفسه! ومن هذا النوع الفريد من الأسئلة يا سيدتي تساؤلك الحائر هذا
عن العودة إلى زوجك السابق أم رفضه والارتباط بغيره. ذلك انك تعرفين جيدا عن
نفسك انك تتمنين في أعماقك أن تكون الإجابة عنه بالعودة إليه وليس برفضه,
لكنك تحتاجين
فقط إلى إرضاء كرامتك الإنسانية وكبريائك بالظهور أمام نفسك قبل الآخرين بمظهر
المترددة أمام إجابة النداء والحائرة بين نداء القلب الذي مازال أسيرا لدى زوجك
السابق, وطالما تعلق بالأمل في العودة إليه واستئناف الحلم القصير معه
وبين نداء الكرامة الذي يأبي عليك التلهف على العودة إلى من نبذك من أجل امرأة
أخرى بعد ثمانية شهور فقط من الزواج عند أول منه!. ولا لوم عليك يا سيدتي في
ذلك ولا عتاب, فنحن جميعا نحتاج في بعض المواقف الإنسانية إلى ألا نظهر بمظهر
المتلهفين على ما نتمناه في أعماقنا إذا استشعرنا الخجل في ذلك,
أو إذا كانت
الكرامة الإنسانية تفرض علينا أن نتعفف لبعض الوقت عن التلهف عليه إلى أن يقنعنا
المخلصون لنا بأن خيرنا فيه, ويرفعوا عنا بعض الحرج ولو لم يفعلوا ذلك معنا لعتبنا عليهم في أعماقنا ولشعرنا
بتقصيرهم في حقنا! ولقد نضيع بعض فرص الفوز من أيدينا أحيانا لأننا لم نجد من
يحثنا على اهتبالها والتخلص من حرجنا أمامها. وأنت من حقك بغير جدال أن
تستشعري عزتك والإحساس بجدارتك وتضمدي جرح كرامتك وتشعري بأنك لم تتلهفي على تجرع
الإهانة والعودة لزوجك السابق من أول نداء.
وبقدر
أخطائنا في حق الآخرين ينبغي أن يجيء التكفير عنها وبقدر إيلامنا لهم يكون واجبنا
في الاعتذار لهم والتودد إليهم والصبر عليهم إلى أن تشتفي نفوسهم من جرحنا لها
لهذا فإنه من واجب زوجك السابق أن يبذل من الجهد في استرضائك وتضميد جراحك وإقناعك
بعودته إليك من أجلك وليس فقط من أجل ابنته, إلى أن تغفري له جنايته
عليك وتبدئي معه صفحة جديدة خالية من المرارة والأحزان. ولعل أول ما ينبغي له أن
يفعله بعد الاعتذار إليك هو أن يدرس معك أسباب فشل تجربتكما معا بعد شهور قليلة من
الزواج وتتجنبا معا تكرارها.. فلقد كان خطؤه الأساسي في
حقك هو أنه قد سعي للارتباط بك منذ البداية قبل أن يبرأ من حبه القديم لفتاته
الأخرى على طريقة الشاعر الذي يقول وداوني بالتي كانت هي الداء فتعجل الزواج منك
قبل أن يختبر مشاعره الحقيقية تجاهها وهربا من حبه لها أو أملا في شغل فكره عنها
أو إيلامها على البعد وإشعارها بفداحة خسارتها له وكل ذلك من الاعتبارات لا يصلح
أن يكون أساسا متينا للزواج.. ويحمل في طياته ظلما كبيرا
لك فكان من نتائجه أن تصدع البنيان عند أول ظهور لفتاته
السابقة في
الأفق.. وأول إشارة من جانبها لإمكان استئناف قصته معها.
ولم يكن عرضه
عليك بالاستمرار معه بعد زواجه منها إلا استشعارا فقط لجنايته عليك..
ولو كنت قد
قبلت به لما سعد بقبولك إياه ولما طالت عشرتك له أكثر من بضعة شهور أخرى.
وظلمه لك ليس
مسئوليته الكاملة وحده وإنما تشاركه هذه المسئولية تلك الأخرى التي رحبت به وهو
زوج لأخرى لم يمض على زواجهما ثمانية شهور.. فإن كان نصيبه من هذه
المسئولية أكبر فلأنه هو الذي سعى إليك باختياره ولم يرغمه أحد عليك,
في حين لم
تكن الأخرى تعرفك أو تشعر بحق لك عليها.. غير أن ذلك لا يعفيها أبدا
من نصيبها الكامل من المسئولية عما لحق بك من ظلم.. فلقد كنا حتى وقت قريب نسمع
كثيرا عمن يتعففن أو يتعففون عن إقامة صرح سعادتهم الخاصة على أنقاض تعاسة الآخرين
ونسمع طويلا عمن يعتبرن أو يعتبرون نبذ أحد لشريكه أو شريكته من أجلهم مؤشرا على
عدم الوفاء واستسهال الغدر, فأصبحنا الآن ومع تغير
منظومة القيم الأخلاقية لدى البعض وتأثرها بالاتجاهات الفردية السائدة في الغرب
والتي تبرر للفرد سعادته من أي طريق, نسمع عمن يعتبرون التضحية
بسعادة الغير من أجلهم دليلا على عمق الحب والرغبة فيهم وتأكيدا لأهميتهم لدى
الراغبين فيهم وعلو شأنهم!
وهكذا فإن
تلك الأخرى في حياة زوجك بدلا من أن تستشعر في استعداد زوجك السابق للتضحية بك بلا
تردد بعد شهور فقط من زواجه منك من أجلها مؤشرا مخيفا لنوع وفائه لشريكة الحياة,
ينبغي أن
يحذرها منه ويجعلها تتردد طويلا في الارتباط به, فإنها قد قرت عينا به
واعتبرته قربانا مشروعا من قرابين الحب المقدسة يقدمه إليها ولعلها استشعرت بعض
الزهو والفخر في ذلك بدلا من أن تشعر بالدونية ونقص الاعتبار لأنها قد قبلت على
نفسها أن تكون ممن ينطبق عليهم التعبير الدارج في اللغة الانجليزية:
محطمو
البيوت! وهم فئة لا تحظى كثيرا باحترام المحافظين في أي مجتمع مهما تكن
القيم السائدة فيه. فهل يكون غريبا إذن ألا تطول عشرتهما بعد كل ذلك عن خمس سنوات؟
إن الغريب حقا هو ألا يكون زوجك السابق قد استوعب جيدا دروس فشله الأول والثاني
معك ومعها.. وألا يكون قد عرف الآن بصدق من يصلحون له ومن لا يصلحون,
أو ألا يكون
قد عقد العزم بقوة على أن يكفر عن خطئه في حقك وحق طفلته البريئة ويرغب صادقا في
أن يعوضكما معا عما ضاع من العمر في هذا التخبط. ففكري في أمرك جيدا وتأكدي
من مواطئ أقدامك قبل الخطو على الطريق.. وأيا كان الأمر فلا ترجعي
إليه إلا إذا تأكدت من أنه قد استوعب بالفعل درس التجربة وتعلم من أخطائها وسوف
يتجنب تكرار العثرات والأخطاء من جديد.
نشرت عام 2002 في باب بريد الجمعة جريدة الاهرام
راجعها وأعدها للنشر
نيفين علي

برجاء عدم النسخ احتراما لمجهود فريق العمل في المدونة وكل من ينسخ يعرض صفحته للحذف بموجب حقوق النشر