الخروج .. رسالة من بريد الجمعة عام 2001
سيدي .. إنني
استغيث بالله العلي العظيم وبكم لمساعدتي على تفريج كربي ومحنتي, فأنا رجل أبلغ
من العمر55 عاما, كنت موظفا مرموقا ثم أنهيت خدمتي مبكرا ومارست العمل الحر
وأصبحت صاحب شركة ناجحة, ومشكلتي أن زوجتي الطيبة المتدينة تعالج الأمور أحيانا
لقلة خبرتها بالحياة بما يزيدها تعقيدا وليس بما يقربها من الحل, ومن بين أبنائي
ابنة حبيبة إلى قلبي طالبة بكلية مرموقة كانت دائما من المتفوقات.. لكننا فوجئنا
بها ولأول مرة في حياتها ترسب هذا العام في مادتين ويصبح لها ملحق.. ومنذ 12
يوما بالضبط اصطدمت بها وفقدت أعصابي معها فتعاملت معها لأول مرة في حياتي بعنف ..
وكانت زوجتي شاهدة على هذا الصدام ولم تقل شيئا.. وانتهت هذه الليلة وأنا على
أسوأ حال أفكر كيف أداوي الجرح الذي حدث.. وكيف استعيد علاقتي الحميمة مع ابنتي.
وفي الصباح خرجت
إلى عملي وقضيت وقتي فيه شاردا ومكتئبا آمل في كل لحظة أن يرن التليفون فأسمع صوت زوجتي تقول لي إنها تريد
أن تطمئن على حالتي النفسية بعد ما حدث أو تخفف عني أو تحمل لي البشرى بأن ابنتي
ليست غاضبة مني وأنها تجاوزت عما حدث, فيمضي الوقت ثقيلا بلا بارقة أمل, ثم
عدت إلى بيتي وأنا أدير في ذهني الحوار الذي أتمنى أن يدور بيني وبين ابنتي
ونتعاتب خلالها.. ثم أسترضيها.. وتسترضيني, وتمضي حياتنا في طريقها المعهود,
ففتحت باب شقتي.. فلم أسمع على غير العادة صوتا لزوجتي ولا أبنائي وتعجبت كيف
خرجت زوجتي مع الأبناء وهي التي تستأذنني دائما كلما أرادت الخروج.. وتجولت في
الشقة الخالية وأنا أفكر .. ترى أين ذهبت زوجتي مع أبنائنا وهل إلى الأهل أم
لشراء شيء أم لمجرد النزهة للترويح عن ابنتي وإخراجها من حالتها النفسية, فإذا
بي أرى ورقة في مكان بارز من غرفة المعيشة, قرأتها فكدت أسقط على الأرض من هول
الصدمة.. فلقد كانت رسالة من زوجتي تقول لي فيها:
زوجي الحبيب فلان..
أردت أن أريحك من النار التي تعيش فيها لتحيا مرتاحا, اعتبرنا قد متنا جميعا ولا
تزعج نفسك بالبحث عنا.. لأني لن أذهب إلى أي بيت من بيوت الأهل وفوض أمرك إلى
الله فينا.. زوجتك فلانة!
ومادت الأرض بي..
وانهرت وبكيت وقمت أطوف بكل نقطة في البيت من جديد لعل الأمر ينكشف في النهاية عن
دعابة سخيفة.. فلم أجد سوى العدم.. ووجدت زوجتي قد حملت معها مبلغا صغيرا لا
يكفيها هي وأولادها لعدة أيام, ولم تأخذ شيئا من ألوف الجنيهات الموضوعة أمامها
وليتها قد أخذت لكي أطمئن على الأقل إلى أن أسرتي لن تحتاج إلى شيء.. وخرجت
كالمجنون أبحث عن زوجتي وأبنائي وطفت بيوت الأهل وأنا أتحرج من السؤال.. ومضي
النهار والليل دون أن أجدهم, وفي اليوم التالي فعلت نفس الشيء وطفت بكل المظان
الذي يحتمل أن توجد فيها أسرتي بلا فائدة وتمنيت لو كانت ابنتي قد أخذت معها على
الأقل تليفونها المحمول لكي أعرف مصير أسرتي عن طريقه..
ثم توالت الأيام
يوما بعد يوم وأنا لا يستقر بي مقام, ولا أشعر بطعم الحياة ولا أكف عن البحث
والتجوال حتى لقد طفت بالمستشفيات وأقسام الشرطة وبالمدن التي لنا بها أقارب ولو بعيدون
أملا في أي خيط يقدوني إلى أسرتي دون جدوى.
وها قد مضي 12
يوما على اختفاء زوجتي وأبنائي, وأنا محروم منهم ويقتلني الشوق إليهم والخوف
عليهم, ولا أدري كيف يواجهون الحياة ولا أين يبيتون, وماذا يطعمون والمبلغ
الصغير الذي أخذته زوجتي لابد أنه قد نفد أو أوشك علي النفاد.. فهل يرضيك هذا يا
سيدي ؟.. وهل يبلغ الغضب بزوجتي الطيبة المتدينة المحجبة من صدامي مع ابنتي أن
تحرمني منها هي نفسها ومن أبنائي وتحرمهم مني؟ إن امتحان الملحق بالنسبة لابنتي
يقترب ولم يظهر حتى الآن أي أثر لأسرتي.. فهل من العدل أن تحرم زوجتي ابنتها من
أداء امتحان الملحق.
لقد كنا نحيا حياة
كريمة وزوجتي ليست مادية وما أكثر ما كنت أهديها من الحلي الذهبية فتستكثر ما
اشتريته لها وتطلب مني إعادة بعضه إلى الصائغ وأنا إنسان ناجح في حياتي العملية
ولدي 3 شقق وفيللا في المصيف وثلاث سيارات لكن ما قيمة كل الأشياء بغير أسرتي
وزوجتي وأبنائي؟ لقد رحل أبي عن الحياة وأنا طفل صغير وعرفت مرارة الحرمان من الأب
في الصغر.. فكيف ترضى زوجتي لأبنائي بها ؟
إنني أرجوك أن تكتب
لأسرتي وتناشدها العودة إلي وأن تقول لابنتي على لساني: أتذكرين يوم طفت بك
البيت الحرام وأنت طفلة صغيرة أحملك على كتفي ويدي تدفع أمي على الكرسي المتحرك
خلال الطواف ؟ هل هان عليك أبوك يا ابنتي إلى هذا الحد ؟
وهل هانت عليك يا
زوجتي الحبيبة عشرتي وحبي لك ولأبنائي جميعا وأنا المتيم بكم كلكم.. والمهموم
دائما بأمركم والحريص دوما على كل ما يسعدكم ؟
إن زوجتي وابنتي تقرآن لك بانتظام.. فهل تناشدهما من أجلي
ولكاتب هذه
الرسالة أقول:
كلماتك الموجعة يا
سيدي أبلغ من أي كلمات أوجهها إلى زوجتك وابنتك وأعمق أثرا, وكل ما أرجوه هو أن
تقرأ هذه الرسالة المؤلمة بروية وتستشعرا في سطورها وكلماتها لوعة الأب والزوج على
زوجته وأبنائه, وصدق مشاعره تجاههم وعمق أحزانه لفراقهم, فليس أقسى على
الإنسان من أن يفقد فجأة كل بنيان أسرته, وكل ما يعيش من أجله.. وكل ما يكرس
له حياته.. وليس أقسى على أب وزوج من أن يجد نفسه مضطرا لاستجداء مشاعر زوجته
وأبنائه وتذكيرهم بحبه لهم وحدبه عليهم ورغبته فيهم حتى ولو كان قد استسلم ذات مرة
لشيطان الغضب وبدا منه ما تنكره عليه أسرته أو تتخوف من تصاعده كما فهمت مما بين
سطور هذه الرسالة.
وأيا كان الأمر..
بل وأيا كان حجم الخوف الذي اعترى الأم في لحظة ضعف فهيأ لها أن بخروجها من بيتها
بأبنائها إنما تحميهم مما تتحسب له أو تحمي زوجها من احتمال تهوره إلى ما لا يحمد
عقباه, فإن اختيارها لهجر الزوج مع أبنائها والاختفاء بهم تماما عن كل المظان,
ليس أبدا الحل المشروع لمثل هذه الأزمة .. ولا هو مما يرضى عنه الله سبحانه
وتعالى من زوجة يصفها زوجها عن حق بالطيبة والتدين والاحتشام.. إذ لاشك في أنه
كانت هناك بدائل كثيرة لمعالجة الأزمة عدا هذا الحل.. ومن أول ما يقتضيه الوجدان
الديني من هذه الزوجة هو ألا تحرم أبا من أبنائه بمثل هذا الاختفاء التام ومهما
تكن الدوافع, وألا تتركه أيضا نهبا للقلق والخوف على زوجته وأبنائه دون أية
إشارة تطمئنه على مصيرهم حتى ولو كانت قد رغبت في إطالة فترة البعاد إلى أن تخمد
العاصفة وتهدأ الأعصاب, ولقد كان من الممكن بالفعل أن تلجأ الزوجة إلى أحد بيوت
الأهل إذا لم يكن هناك مفر من ذلك.. وأن تطلب من زوجها الصبر على هذا الفراق المؤقت إلى
أن تتحسن الأحوال.. أما أن تختفي مع الأبناء نهائيا دون إشارة تطمئن الأب والزوج
على مصير أسرته.. فهو مما لا يقبل به الشرع والدين والإحساس السليم بالمسئولية
العائلية.
إنني لا أريد أن
أحكم على ما لا أعرفه من دوافع مثل هذا التصرف العجيب.. لكني أقول لهذه الزوجة
الطيبة المتدينة فقط إن الهروب لم يكن أبدا هو الطريق الصحيح لمواجهة المشاكل,
وإنما المواجهة والحوار والسعي للإصلاح هو دائما الطريق الأمثل لذلك.
فاتصلي بزوجك يا
سيدتي لتطمئنيه أولا وقبل كل شيء عليك وعلى أبنائك بغض النظر عن خطتك للمستقبل,
وهل ترغبين في العودة إليه أم تريدين الانفصال عنه.. أو تفضلي بالاتصال بي مساء
الغد إذا رغبت في أن أتوسط بينك وبين زوجك وأنقل إليه من رغباتك ما تشائين أو إذا
رغبت أن أطلب منه أي ضمانات بشأن ما تتخوفين منه من عواقب.. وإني على استعداد
للمساعدة في عودتك وأبنائك إلى حياتكم السابقة وتقديم ما تحتاجين إليه من ضمانات
وتعهدات. فالرجل في حالة انهيار مؤلمة بالفعل, ولقد لمست في كلماته واتصالاته
بي أنه لا يفكر الآن في أي شيء سوى في جبر ما انكسر بينه وبين ابنته وبينك..
واستعادة أسرته وحياته الضائعة.
وإني لأدعو أيضا
ابنته الحبيبة إلى التجاوز عما حدث.. واستعادة مشاعرها الطبيعية السليمة تجاه
أبيها وطمأنة أمها بشأنها وإعانتها على اتخاذ الخطوة الصحيحة على طريق العودة بإذن
الله.
· نشرت في جريدة الأهرام "باب بريد الجمعة" عام 2001
راجعها وأعدها للنشر / نيفين علي

برجاء عدم النسخ احتراما لمجهود فريق العمل في المدونة وكل من ينسخ يعرض صفحته للحذف بموجب حقوق النشر