اليوم المشهود .. رسالة من بريد الجمعة عام 2003

 اليوم المشهود .. رسالة من بريد الجمعة عام 2003

اليوم المشهود .. رسالة من بريد الجمعة عام 2003


أنا طالبة بكلية الآداب وأريد أن أكتب لك عن مشكلة شاب صديق لأخي‏,‏ وسمحت لي الظروف بالاطلاع علي تفاصيلها‏..‏ فهذا الشاب طالب بالصف الثالث الثانوي‏,‏ وجاء لنا في المنطقة التي نقيم فيها‏ (‏ النعام ـ عين شمس‏),‏ وقد توفيت والدته منذ‏ 6 سنوات وبعد وفاتها سافر والده إلى بلدته ورفض أن يأخذ معه ابنه هذا لأنه سيتزوج في بلده‏..‏ وأعلنه بأنه قد أصبح منذ هذه اللحظة مسئولا عن نفسه‏,‏ وأنه لن ينفق عليه مليما واحدا بعد ذلك‏,‏ فضمته إليها جدته لأمه وأقام معها في شقتها الموروثة وتقبل هذا الشاب حياته راضيا وشاكرا لجدته‏..‏ ولأنها مسنة ولا تطهو أي طعام فلقد كانت تعطيه جنيهين كل يوم لكي يتدبر بهما أمر إفطاره وغدائه وعشائه ومصاريف دراسته وكل شيء‏,‏ ورغم انكسار هذا الفتي ومسالمته للجميع فإن خاله الذي يقيم في نفس البيت ومعروف بالشراسة والشر كثيرا ما كان يفتعل المشاكل معه لأتفه الأسباب ويرغب في طرده دائما لكيلا يطالبه ذات يوم بنصيب والدته من شقق هذا البيت‏..‏ إلى أن جاء اليوم المشهود منذ نحو شهرين وافتعل الخال مشكلة جديدة مع هذا الشاب وضربه وطرده وهدد أمه التي حاولت التدخل بطردها معه‏,‏ فخرج الولد والدموع الغزيرة تنهمر من عينيه ولم تمض دقائق حتى كانت كتبه وملازمه وكراساته تمزق ويلقى بها من الشرفة وتسقط فوق رأس الشاب الباكي في الشارع ووسط ذهول المارة‏,‏ في حين راح أخي يجمع قصاصات الكتب والكراريس من الشارع ويقدمها له مع قليل من النقود حسب إمكانياته‏.

 

وذهب الشاب الذي لم تتوقف دموعه عن الانهمار لحظة واحدة إلى بيت بعض أقاربه ليمضي الليل عندهم‏,‏ وجاء في اليوم التالي أشد انكسارا بعد أن أبلغه الأقارب بأن ضيافتهم له قد انتهت ومنذ ذلك الحين وهو يبيت على رصيف الشارع بالقرب من محطة مترو عين شمس‏..‏ ويذاكر على الرصيف‏.

 

‏ ولقد أرسلت له بعض النقود القليلة بزعم أنها من أخي‏..‏ ولو كنا نستطيع ضمه لأسرتنا لفعلنا‏..‏ لكنه شاب وهناك أشخاص كثيرون يعيشون في شقق واسعة بمفردهم ويشكون من الوحدة‏..‏ أفلا يستطيع أحدهم أن يقبل إقامة هذا الشاب الطفل معه فيكون أنيسا له ورفيقا يعينه علي الحياة ويحفظ له الجميل طوال العمر؟ أنني عاجزة عن أن أفعل أي شيء وأشعر بالقهر‏..‏ ولو كان الأمر بيدي لحكمت على والد هذا الشاب الذي تخلى عنه وعلى خاله القاسي الشرير بالإعدام في ميدان عام‏..‏ فهل تستطيع أن تفعل له شيئا؟‏!.‏

ولكاتبة هذه الرسالة أقول‏:‏

قدر الله وكما شاء فعل يا آنستي وإذا كانت رحمة مثل هذا الأب القاسي وهذا الخال الرعديد قد ضاقت عن أن تشمل هذا الابن الحائر بالرعاية والأمان‏..‏ ففي قلوب أصحاب الضمائر الحية وهم كثر والحمد لله متسع دائما لمن تخلى عنه والده ونبذه خاله على هذا النحو غير الكريم‏,‏ فأرجو أن تكلفي هذا الشاب البائس بالاتصال بي أو بالحضور لمقابلتي في بريد الأهرام في أقرب وقت‏..‏ والله المستعان على إصلاح ما أفسدته تلك القلوب المتحجرة‏..‏ وشكرا لك على تعاطفك مع هذا الشاب الضائع ومحاولتك لمساعدته بما ملكت يداك‏..‏ وإني لفي الانتظار‏.

·       نشرت في جريدة الأهرام "باب بريد الجمعة" عام 2003

راجعها وأعدها للنشر / نيفين علي


Neveen Ali
Neveen Ali
كل ما تقدمه يعود إليك فاملأ كأسك اليوم بما تريد أن تشربه غداً
تعليقات