المارد .. رسالة من بريد الجمعة عام 1994
أكتب إليك لأعرض عليك مشكلتي لعلي أجد لديك الحل المناسب لها .. فأنا شاب جامعي عمري 38 سنة وأعمل عملا مهنيا بالقطاع الخاص بإحدى الدول العربية منذ 15 عاما.
ومنذ حوالي 11 عاما تعرفت عن طريق أحد الزملاء على موظفة مصرية تصغرني بعام واحد تعمل معنا في نفس البلد الذي أعمل به وتقدمت لأسرتها في مصر طالبا يدها وتم الزواج خلال فترة قصيرة جدا لا تتجاوز 15 يوما , وسافرنا إلى مقر عملنا, فمضى العام الأول من زواجنا على ما يرام ولم ننجب خلاله أطفالا وفي العام التالي أنجبنا طفلة والحمد لله ، لكنه بعد ميلادها لاحظت على زوجتي أنها قد بدأت تتغير وأصبحت عصبية ودائمة الشجار معي لأتفه الأسباب ثم تزول الخلافات بعد أن تعتذر لي وتواصل حياتنا معا .
ومنذ بداية زواجنا كان لنا حساب واحد في البنك بإسمي وأشترينا قطعة أرض وبيت بإسمي أيضا إلى جانب شقتنا في مصر التي بنيتها بمالي قبل الزواج , لكن مشاجرات زوجتي معي إزدادت وبدأت تطالبني بمالها خوفا من أن ألتهم حقها فيه , فقررت منذ 5 سنوات تجنبا للمتاعب أن ننفصل ماديا , وأعطيتها نصيبها في حساب البنك , وكتبنا الأرض والبيت بإسم ابنتنا وأصبحنا نتقاسم مصروف البيت بالتساوي وتخلصنا من المشاكل المالية وأصبح كل منا حرا في ماله يعطي منه لأهله كيف يشاء ويشتري لنفسه ما يشاء دون تدخل من الطرف الآخر .. وانتهت المشاكل المادية ولكن المشاكل المعنوية لم تنته بل زادت فقد أصبحت زوجتي بعد الانفصال المادي كالمارد الذي خرج من القمقم فجأة تتشاجر معي كل حين ويعلو صوتها ولا مانع من السب والشتم .. والسن بالسن والعين بالعين كما تقول لي , ثم لا تعتذر بعد ذلك أبدا كما كانت تفعل في بداية زواجنا خلال فترة اتحادنا المالي , فارتفع الحاجزالنفسي بيني وبينها حتى أصبح كالتل وأصبحت الحياة معها دوامة متصلة من المشاكل المستمرة لأسباب تافهة , فأنا مثلا أعمل في القطاع الخاص ولا أتقاضى بدل سكن وهي تعمل بالحكومة وراتبها ضعف راتبي وتتقاضى بدل سكن ندفعه في إيجار الشقة التي نعيش فيها , ولهذا فهي تقيد حريتي في الاقامة معها في شقتها فإذا زارني زميل لتناول الشاي أجرت معي تحقيقا عنه .. من هو ولماذا جاء .. ولماذا طالت جلسته ؟ وتصبح هي مشكلة اليوم ويعلو الشجار من جديد وإذا طلبت منها أن أدعو زميلا للغداء معي ذات مرة فإنه يجب علي أن أبلغها بذلك قبل الموعد المقترح بشهر على الأقل ! وقد ترفض وقد توافق كما حدث في آخر خلاف معها ! فإذا وافقت ظلت تعايريني بهذه الدعوة شهرا بعدها وقد زاد من المشاكل بيني وبينها أنها قد أصبحت تعايرني بأمراضي وهي السكر وحساسية الصدر والأنف وحصوة المرارة وثقب بالأذن وضعف البصر .. إلى جانب العقم الذي أصبت به بعد أنجاب طفلتنا فلم ننجب بعدها !
كما أصبحت تتعمد افتعال المشاكل معي حتى أفقد أعصابي معها وفي خلال ذلك تطلب مني الطلاق وبأساليب استفزازية كأن تقول لي مثلا : لو كنت رجلا حقيقة طلقني في الأجازة حين نعود لمصر !
مع أنها كانت في بداية زواجنا حين أغضب منها ترجوني حتى لو تزوجت غيرها ألا أطلقها وأن أحتفظ بها مع زوجتي الجديدة . لكنها الآن يا سيدي قد جمعت مبلغا من المال لا بأس به فاعتقدت أنها قد أصبحت في غنى عن زوجها لأن المال في رأيها هو الأمان , ولعلي أعذرها بعض الشئ هو احساسها بذلك لأنها نشأت في أسرة مفككة وانفصل والدها عن أمها ولم تشعر يوما بالأمان مع أب حنون , وقد عرفت ظروفها العائلية هذه بعد أن تزوجتها ولو كنت قد عرفتها قبل الزواج لغيرت رأيي في الارتباط بها , لكن حدث ما حدث وتزوجنا وانجبنا طفلتنا .. وخرج المارد من قمقه منذ خمس سنوات .. وقد تعدت معي الخط الأحمر الذي قلت في ردك على إحدى الرسائل أنه يجب ألا تتجاوزه الزوجة مع زوجها ولا الزوج مع زوجته وهو خط الاهانة والتحقير والتحدي في طلب الانفصال وقد أقسمت يمينا أن أطلقها في اجازتنا القادمة القريبة حين نعود لمصر .. فما رأيك في ذلك هل أطلقها وأبدأ حياة جديدة مع أخرى وأستقر بمصر حيث أنوى أن أفتتح عملا خاصا لي ؟ إنك تقول كثيرا في ردودك أنه من الأفضل نفسيا وتربويا بالنسبة للأبناء الصغار أن ينشأوا تحت سقف واحد مع الأبوين حتى ولو كانا على خلاف دائم بدلا من أن يتمزقوا بين أبوين منفصلين وأنا أدرك ذلك جيدا وأفهمه لأني قد نشأت يتيم الأب .. ومازلت حتى الآن رغم ما بلغته من عمر أتمنى في أعماقي لو كان لي أب فلذلك أصبر من أجل طفلتي لكن صبري على زوجتي قد نفد يا سيدي وليس هناك أي بصيص أمل في اصلاحها فقد شكوت لأهلها كثيرا الآن وقبل أن يتوفى أبواها منذ سنوات دون جدوى .. فماذا أفعل مع هذا المارد ؟
ولـــكــــاتــــب هــــذه الــــرســــالــــة أقــــول:
إذا فقدت الزوجة احترامها لزوجها وتعاملت معه كالمارد العملاق الذي يشعر بقوته وتفوقه المادي على شريك حياتها .. لم يعد هناك أمل كبير في اصلاحها أو اعادتها إلى حجمها الصحيح في تعاملها معه لهذا فلست متفائلا إلى حد كبير يا صديقي بالنسبة لاحتمالات استمرار الحياة بينكما بعد أن حدث ما حدث , وبعد أن طالبتك مرارا وتكرارا بالطلاق وبهذه الطريقة الاستفزازية الجارحة , فاستمرار الحياة بينكما لن يعني إلا شيئا واحدا إذعانك اللانهائي لها وتنازلك وتراجعك أمامها إلى النهاية .. ولست أناقش هنا أخطاء البداية ولا دور المشاكل المادية في تسميم العلاقة بينكما بالشك في أمانتك ونيتك تجاه مالها .. ولا خطأك في عدم مشاركتك معها في إيجار الشقة أو تحمله كله , باعتبارك مسئولا عن أسرتك كلها سواء أكانت زوجتك تتقاضى بدلا للسكن أو لا تتقاضى بل ولا أناقش أيضا مدى مسئوليتك عن بعض هذه الخلافات المستمرة وأنت تعترف لي بنفسك بعصبيتك التي تستثيرها زوجتك لتطلب الطلاق خلالها .. لست أناقش كل ذلك فلقد فات أوانه .. ولست أظن أنني حتى لو طالبتك بتدارك بعض هذه الأخطاء والاسهام في إيجار الشقة وبزيادة مساهمتك في مصروف البيت عن مساهتمها فيه بغض النظر عن زيادة مرتبها عن مرتبك لأنك رب الأسرة المسئول عن أسرته , لست أظن أنني لو طالبتك بذلك واستجبت لي وفعلت فسوف تتوقف المشاكل بينك وبينها .. فالزوجة التي لا تشعر بحاجتها الإنسانية لزوجها ولا تستشعر واجبها الديني والأخلاقي في تهيئة جو الأسرة الطبيعي لطفلتها الصغيرة لكي تنشأ في رعاية أبويها معا , لن تؤثر فيها خطوات مفيدة لتصحيح الأوضاع في العلاقة الأسرية كهذه الخطوات .. ولن يطول الوقت قبل أن تجدد المتاعب بينكما من جديد ومع ذلك فلكي تشعر أنت أنك رب البيت الحقيقي الذي لا يصح أن تسائله زوجته عمن يزورونه ساهم بقدر معقول في الإيجار .. وزد من مساهمتك ولو بشكل رمزي في نفقات البيت .. وأضبط أعصابك معها بقدر ما تستطيع وإن كنت ألتمس لك في هذه العصبية مع هذه المنظومة الغريبة من الأمراض أعانك الله عليها .. ثم أنظر بعد ذلك ماذا سيكون من شأنها معك , فإن عادت الأمور إلى نصابها الصحيح بينكما .. كان ذلك خيرا لابنتك البريئة وإن استمر المارد في عنفوانه .. كما هو فالفظه بلا ندم وعد لبلدك وافتتح عملك الجديد وابدأ حياة جديدة مع أخرى تعرف لك قدرك وترعى ربها في تعاملها معك .. وليعن الله طفلتك على أقدراها التي لا حيلة لك ولا لها فيها .
أما يمينك بأن تطلقها فهي لا تلزمك إذا بدا لك أى بصيص أمل في انصلاح الأحوال بينكما إذ تستطيع أن تكفر عنها وتواصل حياتك مع طفلتك تحت سقف واحد إذا قررت ذلك , وفي ذلك يقول ابن عباس "لا تجعلن الله عرضه ليمينك ألا تصنع الخير بل كفر عن يمينك وأصنع الخير" .
فلا تترد إذن أمام اليمين .. لكن الأهم هو أن يكون استمرار الحياة بينكما هو "الخير " الذي تكفر عن اليمين لكي تصنعه .. وأنت وحدك وليس أحد غيرك الذي تملك الحكم بذلك بأمانه وشكرا .
نشرت في جريدة الأهرام "باب بريد الجمعة" يوليو 1994
كتابة النص من مصدره / بسنت محمود
راجعها وأعدها للنشر / نيفين علي

برجاء عدم النسخ احتراما لمجهود فريق العمل في المدونة وكل من ينسخ يعرض صفحته للحذف بموجب حقوق النشر