انكشاف الحقيقة .. رسالة من بريد الجمعة سنة 2002

 

انكشاف الحقيقة .. رسالة من بريد الجمعة سنة 2002

انكشاف الحقيقة .. رسالة من بريد الجمعة سنة 2002

ما يحيرني واعجز عن فهمه حقا هذه المفارقة المؤلمة‏,‏ بين الجرأة على ارتكاب الخطأ والتي تصل أحيانا إلى حد التهور‏..‏ وبين الخوف من تحمل تبعات نفس هذا الخطأ أو من مواجهة الآخرين والذي يصل بصاحبه إلى حد الجبن‏.‏

عبد الوهاب مطاوع

أنا فتاة ابلغ من العمر 29 عاما، ارتبطت منذ 3 سنوات بشخص متزوج وعنده أطفال وأحببته وأحببت أطفاله بجنون‏ ..‏ وكانت بداية القصة معه أن حكى لي أنه كان متزوجا من سيدة قبل زوجته الحالية وأنجب منها أطفالا‏..‏ ثم دب الخلاف بينهما وانفصلا بالطلاق ‏..‏ وتزوجت السيدة من شخص آخر وتركت أطفالها معه‏..‏ وتزوج هو من زوجته الحالية وأنجب منها‏، لكنها لا تعامل أطفاله من زوجته الأولى معاملة طيبة وتحرمهم من الإقامة مع أبيهم في حياة واحدة‏..‏ فرق قلبي لحال أطفاله من زوجته الأولى هؤلاء واقتربت منه وتزوجته بدون علم أهلي زواجا عرفيا لكي أرعى هؤلاء الأطفال وأحنو عليهم‏.‏ 

ومع أن زواجنا كان مبنيا على أن أقوم برعاية أطفاله وتعويضهم عما حرموا منه من حنان الأم فقط لا أكثر‏،‏ فلقد حدث ما كنت أخشاه وبدأ يداعبني مداعبة الزوج لزوجته ‏..‏ وحين فكرت في الانفصال عنه خوفا من العواقب اكتشفت المصيبة الكبرى وهي أنني حاملا منه‏ ‏..‏ واضطرب حالي إذ ماذا أفعل‏..‏ وكيف أواجه أهلي وهم أناس طيبون جدا ومن أسرة محترمة ومتدينة‏..‏ وتناولت بعض الأعشاب على أمل التخلص من الجنين وأجريت التحليلات فجاءت نتائجها ايجابية‏.‏

ثم أصبت فجأة بنزيف واصطحبني زوجي إلى طبيبة لأمراض النساء عالجتني‏ ..‏ وكل ذلك وأهلي لا يعلمون شيئا وبعد هذه المحنة طلبت من زوجي أن يتقدم لأهلي لطلب يدي رسميا لكيلا يعرضني لأزمة مماثلة‏..‏ فتقدم لهم بالفعل وكأنه خاطب لا تربطه بي صلة وسأله أهلي عن ظروفه‏..‏ وأحواله وإمكاناته‏، فكانت الإجابات في غير صالحة فهو زوج لأخرى وله منها أطفال‏..‏ وتزوج من قبلها أخرى وله منها أطفال أيضا‏..‏ وانتهى الأمر برفضه إلا إذا استطاع تنفيذ مطالب معينة لضمان مستقبلي معه‏.‏

 

وخرج هو من بيتنا محبطا وسافر للعمل في محافظة أخرى لكي يستطيع تلبية مطالب أهلي وهو لا يأمل في أن ينجح في ذلك قريبا‏، وقد امتنعت عنه منذ عدة أشهر إلى أن أجد لنفسي مخرجا وكلي ثقة في أن الله لن يتخلى عني وقد فكرت في أن أجري لنفسي جراحة لأعود كما كنت لكي أشعر أنني آنسة وليس لكي أتزوج غيره‏..‏ لأنني لا أستطيع أن أتزوج سواه حتى لو تم طلاقي منه لكيلا ارتبط بآخر على أساس من الغش والخداع‏,‏ كما فكرت أيضا أن أعرض مشكلتي على لجنة الفتوى بالأزهر‏,‏ لكني أردت أن أكتب لك أولا‏..‏ لتشير علي بما أفعل‏,‏ فأنا أطلب من الله دائما في صلاتي أن يغفر لي خطيئتي وأن يجمعني أنا وهو على ملأ من الناس ويعرف أهلي أنه زوجي‏.‏

 

 ولقد عرض علي أن أتركهم وأذهب معه إلى أي مكان ونعقد قراننا رسميا فرفضت ذلك حفاظا على أبي الذي يحبني جدا وحرصا على صحته وكرامته ولست أعرف الآن ماذا أفعل‏..‏ وقد كتبت لك كل التفاصيل وأريد أن أعرف نصيحتك‏..‏ لكنني أرجوك ألا تنصحني بأن أصارح أحدا بما حدث لي مهما تكن قرابته لي‏,‏ لأن ذلك سيكون هلاكي ومن الصعب أن أبوح لأحد به‏..‏ وشكرا‏.‏

ولكاتبة هذه الرسالة أقول‏:‏

سأحاول أن أناقش معك مشكلتك بأكبر قدر ممكن من الهدوء وضبط النفس ‏..‏ وعفة الكلمة‏!‏ إنك تطلبين مني أن أشير عليك بما تفعلين في أمرك بشرط ألا أنصحك بالبوح لأحد مهما تكن قرابته لك بحقيقة مشكلتك لأن في ذلك هلاكك‏,‏ ولأنك كما تفيد كلماتك لا تقدرين على مواجهة تبعات انكشاف الحقيقة حتى ولو لدائرة محدودة من الأهل يمكن أن تقتصر في البداية على والدتك أو من تقوم في حياتك العائلية مكانها‏..‏ وهذا الهلع من مواجهة الأهل والأقربين بما فعلت بحياتك بهدف طلب عونهم لك على الخروج من النفق المظلم‏,‏ أو على تحقيق أملك في الارتباط العلني بهذا الرجل‏,‏ يثير لدي دائما مفارقة مؤلمة‏,‏ بين الجرأة على ارتكاب الخطأ والتي تصل أحيانا إلى حد التهور‏..‏ وبين الخوف من تحمل تبعات نفس هذا الخطأ أو من مواجهة الآخرين والذي يصل بصاحبه إلى حد الجبن‏.‏

 

 وما يحيرني واعجز عن فهمه حقا‏,‏ هو لماذا لا يمنعنا هذا الخوف نفسه من ارتكاب الأخطاء تحسبا لتبعاتها وخوفا من عواقبها‏..‏ ولماذا ينحصر خوفنا على الأعزاء الذين نحرص عليهم في تكتم أخطائنا ورعونتنا عنهم‏..‏ ولا يمتد إلى ما هو أسبق من ذلك فيمنعنا من ارتكاب الخطأ إن لم يكن تقديرا لعواقبه فعلى الأقل إشفاقا على من سوف يتأذون كثيرا به حين ينكشف لهم أمره‏.

 

‏ إن الخوف نوعان خوف إيجابي يردنا عن جني الثمار المحرمة تخوفا من التبعات‏..‏ أو العقاب أو من هتك الأستار وخوف سلبي لا يردنا عن ورود بئر الخطايا‏..‏ لكنه يمنعنا فقط من طلب العون لإخراجنا منها وإعادتنا للطريق القويم‏,‏ وهلعك من مصارحة الأهل بحقيقة أمرك الآن من هذا النوع الشائن من الخوف‏..‏ وحرصك على كرامة أبيك وصحته ليس مبررا مقنعا لما تفعلين وإلا فأين كان هذا الحرص وأنت تتورطين في علاقة سرية مع رجل متزوج وله أبناء من زوجة حالية وزوجة سابقة دون أن تضعي في اعتبارك ما سوف تتعرض له كرامة أبيك وصحته من أذى؟ ولماذا لم تتحلي ببعض هذا الخوف الذي تتعللين به الآن وأنت تندفعين إلى هذه العلاقة الشائنة‏.‏ ثم ما هو هذا الدافع الإنساني المزعوم الذي تخدعين به نفسك وتبررين به ضعف التزامك الأخلاقي والديني مع هذا الرجل المتزوج؟ وكيف تصدقين أنك قد ارتبطت به في علاقة سرية وهو الرجل المتزوج والأب لكي ترعي أطفاله المحرومين من حنان أمهم لأن زوجة أبيهم تقسو عليهم وتحرمهم من الإقامة معه؟ وكيف أديت هذه المهمة الإنسانية‏..‏ وحنوت عليهم وقمت بتعويضهم عن حرمانهم وأنت فتاة تعيش في كنف أهلها وليس لك بيت زوجية ترعين فيه أحدا؟


وفيم كانت المفاجأة في خروج زوجك المزعوم على أساس هذا الزواج الوهمي المزعوم وهو رعاية الأطفال فقط‏!‏ وكأنك قد تعاقدت معه على رعاية أطفاله كمربية مستأجرة وليس كفتاة ارتضت لنفسها أن يستحلها رجل متزوج بمقتضى ورقة سرية لا تغني ولا تسمن من جوع‏,‏ ولا تضمن لها حقا ولا تحفظ لها حرمة ولا تعفيها إلى حد كبير من الإثم؟
إنني لا أرى لك للأسف مخرجا مشروعا مما فعلت بنفسك سوى نفس النصيحة التي تتحسبين لها من البداية‏..‏ وهي ضرورة أن تصارحي والدتك أو أقرب الأهل إليك وأرشدهم إذا لم تكن والدتك على قيد الحياة بحقيقة ما حدث وتتحملي لومه وعتابه بل واحتقاره أيضا إذا لزم الأمر لأن من العدل أن ندفع ثمن أخطائنا وألا ننكص عن تحمل تبعاتها‏,‏ فيكون من تصارحينه بذلك عونا لك ليس على أي تصحيح شكلي لوضعك‏,‏ وإنما علي إقناع ذويك بأن يتساهلوا مع هذا الرجل لإتمام زواجك به في أقرب وقت لكي تواجهي الحياة بعد ذلك كزوجة ثانية علنية أو كمطلقة من زواج مشروع ومعلن‏,‏ وليس كفتاة ضائعة أضاعت أمانها وكرامتها في هذه العلاقة السرية ولا أمل لك للعودة للطريق القويم والتوقف عن الزيف وخداع الأهل وخداع النفس سوى ذلك‏..‏ عسى أن تتعلمي حينئذ درس التجربة فلا تنساقين مرة أخرى وراء رعونتك واندفاعك الأهوج بلا تبصر.

 ·       نشرت في جريدة الأهرام "باب بريد الجمعة" عام 2002

راجعها وأعدها للنشر / نيفين علي


Neveen Ali
Neveen Ali
كل ما تقدمه يعود إليك فاملأ كأسك اليوم بما تريد أن تشربه غداً
تعليقات