حالة إنهيار .. رسالة من بريد الجمعة عام 1985

حالة إنهيار .. رسالة من بريد الجمعة عام 1985

حالة إنهيار .. رسالة من بريد الجمعة عام 1985

 

تستغرقني أحيانا قراءة رسائل برید الجمعة وتشدني إلى عالمها الغريب حتى لتمضي الساعات الطويلة وأنا غارق فيها فلا أحس بانقضاء الوقت إلا مع تباشير الصباح تتسلل على استحياء من نافذة غرفة مكتبي .. فاكتشفت لحظتها أن ليلة أخرى من العمر قد مضت مع هموم البشر ولم تنته بعد الهموم ولقد اكتسبت من طول المعايشة عادة غريبة لم اعرف تفسيرا لها .. هي تخيل العالم محمل الذي تروى لي عنه الرسالة حتى أكاد أرى أبطاله يتحركون أمام مخيلتي كأنهم أصدقاء أعزاء اعرفهم على البعد .. ومن بين الأصدقاء الذين عشت معهم في عالمهم هذا الأسبوع أصحاب هذه الرسالة :

 

أنا يا أبي فتاة في الثامنة عشرة من عمري ولي ۳ شقيقات أصغر مني وأنا طالبة بالثانوية العامة وشقيقتي التي تليني تدرس بالسنة الثانية بالثانوية التجارية والشقيقة الثالثة توقفت مؤقتا عن التعليم وهي حاليا في المنزل أما الرابعة فهي في الإعدادية ..  ونحن كنا أسرة سعيدة ومازلنا والحمد لله رغم كل شيء وكنا نعيش مع أبي وأمي في شقة بالدقي ويعمل أبي صانع أحذية ويكسب دخلا معقولا وأمي تساعده على نفقات البيت والتعليم  بخياطة ملابسنا على ماكينة خياطة وخياطة ملابس الجيران مقابل أجر معتدل ولأسباب لا اعرفها حتى الآن وأرجو أن تصدقني تزوج أبي من زوجة ثانية ولم يؤد ذلك إلى انهيار أسرتنا لأننا تعاملنا مع هذا الأمر كأنه من عوادي الزمن التي لا نملك لها ردا بل واستسلمت أمي للأمر الواقع سريعا فلم يتجاور رد فعلها البكاء من حين لآخر حين تخلو إلى نفسها خصوصا أننا 4 بنات ندرس جميعا في المدارس وقد نقص ما كان يعطيه أبي لأمي من مصروف وهو أصلا ضئيل لأنه أصبح ينفق على زوجته الأخرى ثم تناقص اکثر فأكثر حتى انقطع وأصبحت مسئوليتنا كاملة فوق رأس أمي التي أصبحت مطالبة بالعمل اکثر لتقدم لنا نفقات التعليم إلى جانب نفقات الحياة.

لكن الحياة لم تهدأ حولنا رغم ذلك لان الزوجة الجديدة كانت تعيش في غرفة في بيت قديم تسكنه أسرتها وتريد أن تعيش في شقة مستقلة .. فماذا يفعل أبي ببساطة شديدة قام بطلاق أمي وطردنا جميعا من الشقة في "يوم لم تطلع له شمس".

ربما تقول وأين المحاكم والقانون ..  إلخ .. فأقول لك أن هذا ترف لا يقدر عليه أمثالنا من المستضعفين فكيف لنا باجر المحامي والمحاكم ونحن أصلا لا نعرف طريق المحكمة وحتى لو حصلنا على حكم بالبقاء في الشقة فماذا نفعل لو ضربنا أبي كل يوم لكي نغادرها .

لقد حملنا ثيابنا وتجولنا نبحث عن سكن في أحد الأحياء الشعبية حتى وفقنا الله في العثور على غرفة في شقة مشتركة بحي بين السرايات بإيجار كبير هو ۲۰ جنيها كل شهر ومقدم إيجار ۳۰۰ جنيه .. هل تتصور ؟  طبعا ستسأل من أين لنا بهذا المبلغ وستقول أننا لابد بعنا  ماكينة الخياطة وأشياء أخرى .. فأقول لك بل بعنا كل أثاث البيت ماعدا سريرا واحدا وكنبة وبعض الأدوات المنزلية أما ماكينة الخياطة فلقد انتزعها مننا ابي سامحه الله بحجة أنه دافع ثمنها .. فخرجنا إلى الحياة وحدنا بلا حتى ماكينة الخياطة التي كانت سلاحنا الوحيد وقد فشلت كل محاولاتنا مع أبي للحصول منه على أي مبلغ شهری بلا فائدة بحجة أننا كبار ونستطيع أن نعتمد على أنفسنا في حين أن له أبناء صغار ويحتاجون إلى كل قرش ولم يفكر أننا بنات وماذا نفعل ونحن في منتصف مراحل التعليم  هل نتوقف ونخرج للعمل وأين نعمل وماذا تستطيع أن تعمل ابنة الثانية عشرة يا ربي كشقيقتي .. لكن أمي البطلة متعها الله بالصحة والعافية قالت لنا لا تحملن هما ستواصلن التعليم .. وفعلا أصبحت تخرج لتقوم بخياطة الملابس في مساكن الزبائن بعد أن كانوا  يأتون إليها واستمرت حياتنا بعد ذلك عادية ضايقنا بالطبع أننا أصبحنا نعيش في شقة مشتركة بعد أن کنا نعيش في شقه مستقلة وضايقنا بالطبع أن شريكنا في السكن ليس أسرة ولا فتاة مثلنا لكنه شاب غریب عنا لكن ماذا نفعل يا سيدي هذا هو الواقع فكيف نغيره ثم أن الحياة ليست بهذه القسوة التي نراها في بعض الأفلام فالحاجة يا سيدي تقرب بين الناس وتعلمهم التراحم .. فهذا الشاب الغريب مثلا لا يضايقنا ولا يتعرض لنا بسوء وفيه ذوق وحياء ومثله كثيرون يعيشون في حياة مشتركة تمض بسلام بسبب حاجة الجميع إلى استمرار الحياة.

إذن ما هي المشكلة .. المشكلة هي في صاحبة البيت فلقد ذهبت بهجة الـ ۳0۰ جنيه وبدأت "تنظر" للغرفة التي نقيم فيها وتريد إخراجنا منها لأننا 5 أفراد ، لكي تسكنها لساكن وحيد بمقدم إيجار جديد ..وهكذا بدأنا نتعرض للمتاعب منها وبدأ أولادها يتشاجرون معنا كل يوم ويعتدون علينا ونحن الآن نرتعد من الخوف لأن لصاحبة المنزل ابنا "بلطجي" حذرنا الجيران منه ومن أنه سوف يعتدي علينا لإجبارنا على مغادرة البيت ونحن نريد شينا سوى أن نعيش أمنين ولا نستطيع أن نجد بسهولة سكنا آخر وأبي غیر موجود و غیر مستعد لسماع أي مشكلة لنا فهل تستطيع معاونتنا في ذلك؟

 

ولكاتبة هذه الرسالة أقول:

إني استطيع على الأقل أن ابذل جهدي لمعاونتك في الحصول على حقك القانوني في العيش آمنة في هذا السكن " المؤقت" الذي تعشن فيه فليس من الطبيعي أن تعشن إلى الأبد في شقة واحدة مع شاب غريب وأنتن 4 فتيات وأمهن ولو كان الأمر بيدي لاعتبرت حالتكن من حالات الاستثناء الضرورية التي تعطیکن الحق في مسکن شعبي أو في مأوى مؤقت إلى أن يحل دورکن في المسكن تماما كحالات انهيار المساكن القديمة .. فأنتن أيضا تمثلن حالة انهيار أسرة وحالة  "انهيار" أشد للقيم سمحت لأبيك هذا فاقد الرجولة وفاقد النخوة أن يستولى على شقتكن وان يطردكن إلى الشارع لتقمن في سكن مشترك مع شاب غريب وتتعرضن لتهدید ابن بلطجي لإخلائه بعد أن ضاعت بهجة مقدم الإيجار .. وما أفظع ما تفعل بنا أزمة المساكن وما أبشع ما تصنعه بالقيم وبالعلاقات الإنسانية في كثير من الأحيان .. لكن هذا حديث يطول ولم تعد تجدي فيه الكلمات .. لذلك أقول لك أن غاية ما يستطيعه جهد بريد الأهرام المتواضع هو أن يناشد من أجلكن المسئولين في محافظة الجيزة لاعتباركن حالة استثنائية صارخة تستحق مأوى مؤقتا من مساكن الإيواء العاجل وأن يقدم لوالدتك المكافحة ماكينة خياطة تغنيها عن التجوال بين بیوت العملاء , وان يقف إلى جواركن بقدر الاستطاعة إلى أن تنتهين من مراحل تعلیمكن الممكنة والى أن تخرجن للحياة وتحملن عنها العبء وتعوضنها عما لاقت من الحياة وليتنا كنا نستطيع أن نقدم لكم أكثر لكن ماذا نفعل وقد صح منا العزم .. وأزمة الإسكان تأبى.

حالة إنهيار مرة أخرى بتاريخ 29 نوفمبر 1985

بعد نشر رسالة "حالة انهيار" التي تروي قصة الفتيات الأربع وأمهن اللاتی ترکمن والدهن للمجهول .. وجدت في مكتبي حين دخلته صباح اليوم التالي صندوقا مغلقا ورسالة من سيدة فاضلة اسمها "شهر زاد" تقول لي فيها إنها خرجت في الصباح المبكر إلى وسط المدينة واشترت ماكينة خياطة جديدة لكي تقدمها للام التي سلبها زوجها السابق ماكينتها وهي مصدر رزقها والتي وعد بريد الأهرام بتقديم أخرى لها تعفيها من التجوال بين بيوت العملاء ، ومع الرسالة وجدت خطاب الضمان للماكينة الجديدة مع كلمات تطلبني بتقديمها نيابة عنها مع رجاء بعدم ذكر اسمها وفي نفس اليوم تلقيت ۷ مکالمات تلیفونية من قارئات وقراء أفاضل يعرضون جميعا تقديم ماكينة جديدة فاعتذرت لهم جميعا بأن الماكينة في صندوقها أمامي تنتظر صاحبتها وشكرت لهم مشاعرهم الكريمة نيابة عن هذه الأسرة البائسة.

وفي نفس اليوم جاءني قارئ کریم اسمه "أحمد" وترك مبلغ خمسين جنيها هدية للأسرة التي تلاطم الحياة وحدها بلا سند ولا معين ثم زارني في اليوم التالي مؤلف درامی مشهور وقدم لي مظروفا به مبلغ مئة جنيه طلب تقديمها لكاتبة الرسالة مع رجاء بعدم ذكر اسمه ثم جاءت سيدة إلى الأهرام وتركت مبلغ مائتين وخمسين جنيها وتلقيت في بریدی أيضا حوالة بريدية بعشرة جنيهات من السيدة إيناس ... واتصلت بي محامية شابة وعرضت مشكورة أن تقوم برفع دعوی نفقة ضد الأب لصالح زوجته وفتياته الصغيرات على أن تتكفل هي بكافة الأعباء المادية للدعوى وبلا أية أتعاب عن جهدها .. إلى أن تنال هذه الأسرة الوحيدة حقوقها القانونية من الأب اللاهي عنها .

واتصلت بي أيضا فنانة شهيرة جدا وقالت لي إنها قرأت الرسالة وتأثرت بظروف هذه الأسرة التعيسة التي فرضت عليهن أن يعشن في غرفة مفروشة مع شاب غريب يقاسمهن الشقة بعد طردهن من بيت الأسرة السابق في الدقي .. وقالت لي إنها تود من كل قلبها أن تساعد هذه الأسرة في مواجهة الحياة . وأنها لا ترجمت تعاطفها معها إلى إجراء عملي فاتصلت بمسئول كبير بمحافظة الجيزة تجمعها معه عضوية جمعية الإعلام بالجيزة وطلبت منه دراسة حالة هذه الأسرة ومعاونتها في الحصول على مأوي مؤقت من مساكن الإيواء العاجل باعتبار ظروفها تمثل بالفعل حالة انهيار للقيم والعلاقات الأسرية لا تختلف كثيرا عن حالات انهيار المساكن القديمة التی تبرر إعطاء مساكن الإيواء

فوعد بأن يدرس حالة هذه الأسرة .. وأن يبذل جهده لمعاونتها في الحصول على مأوي ، فشكرت الفنانة الكبيرة على مشاعرها الإنسانية وحماسها لخدمة الآخرين لكني للأسف أبلغتها أن مشكلة المسكن بالنسبة للأسرة قد وجدت الحل وانه لا داعي لهذا المأوي ..! وقد قلت ذلك صادقا .. لأني كنت قد شهدت معجزة إنسانية جرت أمامي وفي مكتبي أعطت لهذه الأسرة تطوعا من مالك كريم اتصل بي شقة من غرفتين وصالة ومجانا لمدة 5 سنوات وبلا مقدم إيجار ولا خلو ! وجاءني عقد هذه الشقة موقعا عليه من المالك ووقعت عليه كشاهد ووقعت عليه كاتبه الرسالة ثم ظهرت فجأة عند التنفيذ مشكلة لا دخل للمالك بها تتعلق بنزاع حولها نسف المعجزة من أساسها وأقنعني أن عصر المعجزات قد انقضى منذ زمن بعيد وهبطت بی سماء الأحلام إلى أرض الواقع المر الذي نعيش فيه وها أنا ذا اعتذر للفنانة الشهيرة عن تسرعی !! وأرجو هذا المسئول الكبير الذي كنا قد أبلغناه بأن مشكلة المسكن قد وجدت الحل - أن يعاود مشكورا دراسة الحالة . وأن يبذل جهده لان ينتشلها من ظروفها القاسية بعد أن ضاقت بها رحمة الإنسان .

وشكرا لكل من جفف دمعة .. ولكل من وهب لغيره لحظة من اهتمامه وفكره ومشاعره .. وسلاما على الجميع .. !


29 نوفمبر 1985
6 ديسمبر 1985

رابط رسالة أنشودة البساطة تعقيبا على هذه الرسالة

·       نشرت في جريدة الأهرام "باب بريد الجمعة" عام 1985

راجعها وأعدها للنشر / نيفين علي

 

Neveen Ali
Neveen Ali
كل ما تقدمه يعود إليك فاملأ كأسك اليوم بما تريد أن تشربه غداً
تعليقات