البديل .. رسالة من بريد الجمعة عام 1992
أكتب إليك لأستشيرك في أمر يخص
حياتي ويشغلني .. فأنا مهندس زراعي في الثانية والأربعين من عمري, نشأت في أسرة
عادية , وكافحت لإتمام تعليمي حتى تخرجت في كلية الزراعة وعملت بإحدى شركات القطاع
العام , وبعد عامين من تخرجي تعرفت من خلال عملي على فتاة تعمل بإحدى الهيئات لفتت
نظري بجمالها , ورشاقتها وخفة روحها , فتقربت إليها ووجدت قبولا من جانبها , لكني
لاحظت أن هناك أكثر من معجب بها من بين الزملاء وتشجعت ذات يوم ففاتحتها في التقدم
إليها فطلبت مني مهلة للتفكير , واشترطت علي عدم الانقطاع عنها , وعدم تعجلها حتى
تبت في الأمر , وقبلت ذلك راضيا وسعيدا , وظللت أتردد على الهيئة التي تعمل بها من
حين إلى آخر لمدة شهور وأتعلق بالأمل فيها .. وهي لا تصدني ولا تطمئنني .. وكلما
لاحظت تباسطها مع بعض الزملاء اشتعلت نيران الغيرة في أعماقي .. وألمحت إليها
بضيقي بكثرة المعجبين بها وعلاقتها الحميمة معهم فتغضب وتنبهني إلى أنها "اجتماعية"
ومنفتحة على الناس ولا تحب النكد ولا تستطيع أن تغير من شخصيتها , فأسكت حتى لا
أقطع الخيط المتصل بيني وبينها.
ومن طول ترددي عليها نشأت بيني وبين بعض زملائها في الهيئة صداقة حرصت عليها لأعرف من خلالهم أخبارها وبعد أن توثقت الصلة بيننا صارحني أحدهم بأنه يشفق علي من الارتباط بها لأنها دلوعة ووحيدة أبويها وتحب أن يلتف حولها المعجبون ولا تصد أحدا عن الاقتراب منها لكنه رغم ذلك يعتقد أنها لن تتزوج أحد هؤلاء المعجبين لأنها تنتظر مدير الإدارة المتزوج ويوشك أن يطلق زوجته ويرتبط بها لأنه ثري ويرضي أحلامها في الحياة.
وتألمت لذلك كثيرا وقررت الابتعاد عنها وتجنبت العمل الذي يربطني بها , ففوجئت بها تتصل بي وتعاتبني على انقطاعي عنها، فانهارت مقاومتي وألححت عليها في التقدم إليها
فطالبتني بالانتظار والاستعداد .. وانتظرت وطال انتظاري عاما كاملا وأنا أتلظى
بنار الشك والغيرة , ثم فوجئت بها تتزوج من رئيسها الذي طلق زوجته ولا تحفل حتى
بإبلاغي اعتذارها.
وكرهت الدنيا وكرهتها وانقطعت عن التردد على الهيئة التي تعمل بها وعن أصدقائي بها وانصرفت إلى عملي وحياتي الأسرية، وكنت أعيش مع أبي الموظف بالمعاش وأمي ربة البيت الطيبة بعد زواج إخوتي فلاحظا اكتئابي وطالباني بالتفكير في الزواج , وراحت أمي تعرض علي من حين إلى آخر إحدى فتيات الأهل والجيران فأجد نفسي عاجزا عن التفكير فى غير "الغادرة" التي استعبدتني حوالي عامين ثم لم تحفل حتى بإبلاغي أنها ستتزوج غيري .. وعلى الرغم مني تسقطت أخبارها فعرفت أنها قد سافرت مع زوجها المدير إلى إحدى الدول العربية فى إعارة لمدة 4 أعوام .. فعدت للتردد على الهيئة التي تعمل بها وإنهاء أعمالي فيها كما كنت أفعل في البداية .. وبعد عام ونصف العام من زواجاها دخلت إلى المكتب الذي أتردد عليه هناك ففوجئت بها جالسة إلى مكتبها القديم ولكن شتان بين الفتاة التي كانت تجلس في نفس المكان منذ عامين وبين هذه السيدة التي رأيتها مكانها .. فلقد رأيت امرأة أخرى خامدة الروح وكئيبة شاحبة الوجه وشاردة النظرات والدوائر السوداء تلتف حول عينيها ولم أستطع التراجع وحييتها فنظرت إلي طويلا ثم طالبتني بالجلوس واحتساء فنجان قهوة معها وجلست وأنا أقاوم شوقا دافقا لأن أعرف سر تغيرها .. ولم يطل انتظاري .. فقد اعترفت لي بأنها آلمتني ولم تقدر لي صدق مشاعري تجاهها لأنها كانت مخدوعة بمشاعرها تجاه مديرها وأنها كانت تتخبط كالسفينة ولا تعرف الصواب من الخطأ , فكانت النتيجة أن تحطمت سفينة زواجها بمديرها , وشقيت بها ولم تسعد معه يوما واحدا ثم طلقها وهما في الغربة وأعادها لبلادها وحيدة منكسرة الجناح .. ورد زوجته إلى عصمته وطالبتني بأن أغفر لها خطأها في حقي وأن نظل أصدقاء , كما كنا لأن ذلك سيخفف من إحساسها بالذنب تجاهي .
وعدت للاتصال بها من جديد واستيقظ حبها القديم في قلبي , وبعد قليل وجدت نفسي أطلب الزواج منها .. واعترض أبي وأمي وحذراني منها وحذرني أيضا أصدقائي بالهيئة التي تعمل بها لكني لم أتوقف وأقدمت على الزواج منها وبدأت هي تستعيد صحتها وجمالها القديم.
وبعد عامين أنجبنا ولدا ورغم ذلك فلم أشعر أبدا أنني قد امتلكتها تماما فقد كانت تشرد
بعيدا عني بأفكارها ولا تتجاوب معي في أحلامي وآمالي إلا قليلا وتفتعل المناسبات
لترك بيت الزوجية والإقامة لعدة أيام بل وأسابيع في بيت أبيها بلا خلاف بيننا وبلا
ضرورة سوى حاجتها كما تقول لأن تريح أعصابها من حين لآخر .. فوجدت نفسي منذ ميلاد ابني أكاد أقوم بدور الأم له في كل شئ من طعام إلى نظافة إلى هدهدة إلى علاج إلى سهر في الليل عليه .. وأمه في معظم الأيام في بيت أبيها تريح أعصابها من طفلها أو مني مع إني لم أغضبها مرة .. وأصبحت حياتي معها سلسلة متصلة من الهجر بلا أسباب والعودة بلا أسباب حتى أصبحت أسجل في نتيجة العام الأيام التى هجرت بيت الزوجية فيها , وفي عامنا السادس من الزواج وجدت النتيجة قد سجلت أنها قد هجرتني 8 مرات تراوحت كل مرة منها بين أسبوعين وشهر , وكلما عرضت على أبيها أن أطلقها إذا كانت تهجرني لإرغامي عليه فينزعج ويرجوني الصبر عليها وعدم التفكير في طلاقها من أجل ابني , أما أبي وأمي وإخوتي فقد أحزنهم حالي واجمعوا رأيهم على أنها متبطرة ولا تحبني ولا تستحق حبي وإخلاصي لها , وأن الأفضل لنا الانفصال في هدوء , ورغم ذلك لم أقدم على طلاقها واستمرت حياتي هكذا حتى بلغ ابننا السادسة من عمره.
وتعرضت حياتي العملية لمحنة قوية , فقد بدأت تصفية الشركة التي أعمل بها لفشلها وخسائرها , وكان المعروض علي هو أن أحصل على قطعة أرض مستصلحة مقابل الاستقالة .. وفعل معظم زملائي ذلك وتوقعت أن تشجعني على هذا المشروع الذي يضمن لابننا مستقبله لكنها للأسف فزعت فزعا شديدا من فكرة أن نعيش بمعاش صغير ونكافح لإنجاح مشروع الأرض بالرغم من أني لم أعرض عليها حتى الإقامة فيها وفكرت في
استمرار مسكن الزوجية كما هو والتردد بينه وبين الأرض القريبة من المدينة.
وافتعلت زوجتي الأزمات والمشاجرات معي وفقدت أعصابي معها للمرة الأولى في حياتنا الزوجية واتهمتها بالأنانية وبأنها لا تفكر في مصلحة ابنها فإذا بها تطالبني بالطلاق وتصر عليه وفشلت كل محاولات أبيها وأمها لإقناعها بالرجوع عنه والتفكير في ابنها وتمادت هي في مطالبتي بالطلاق حتى جرحت كرامتي فطلقتها وقلبي ينزف دما ليس حزنا عليها ولكن على ابني الذي حكمت عليه أمه بالتمزق بيننا , وعادت زوجتي للإقامة فى بيت أبويها ولم تتمسك كثيرا بحضانة ابنها بالرغم من أنه في سن الحضانة , وساعدها على ذلك أنه ليس مرتبطا بها لأني كنت تقريبا الأم والأب له منذ طفولته بسبب كثرة فراقها له في صغره , وواجهت حياتي مع طفلي وحدنا فأصبحت أصحو في الفجر وأذهب به للمدرسة ثم أركب الأتوبيس إلى الأرض وأظل بها حتى المساء وأعود إلى بيت أبي فأجد ابني ينتظرني فيه بعد أن أحضره جده أو أحد إخوتي من المدرسة فأصحبه إلى بيتنا المهجور .. وفي أيام الأجازات اصطحبه معي إلى الأرض .. واستمر الحال على هذا 3 سنوات طويلة وزوجتي السابقة تعيش في بيت أبيها وأحرص على أن أرسل إليها الولد مرة كل أسبوع رغم مقاومته في بعض المرات وطلبه البقاء معي .. وواصلت حياتي هكذا ونشأت بيني وبين زملائي في الأرض الجديدة علاقات مودة وتعاطف واسترحت كثيرا لمهندس قديم يعيش وسط أرضه وكنت أستشيره كثيرا في شئون الأرض ورويت له قصتي بعد أن رأى ابني
كثيرا معي بدون أمه ففوجئت به يعرض علي الزواج من شقيقته ويحدثني في ذلك بواقعية ومعتذرا بأنه لا يشعر بأي خجل حين يعرض علي الزواج منها ولن تتأثر علاقتنا إذا رفضت لأنه كما قال يتخير لأخته وقد رآني جديرا بها ومناسبا لظروفها , فهي مطلقة لعدم الإنجاب بعد تجربة زواج مؤلمة وتصغرني بـ 7 سنوات ومتدينة وهادئة الطبع ولا طموح لها في الحياة إلا أن تعيش مع رجل يحفظها ويحسن عشرتها وأنه من الأفضل كما قال أن أضع "جرحي على جرحها" ونتعاون معا على تخفيف متاعب الحياة على كل منا .. وأبديت استجابتي فدعاني لأن أراها "الآن" بغير ترتيب سابق واصطحبني بسيارته إلى بيت أسرته ودعا أخته وعرفها بي وطلب منها إعداد الغداء فأحسست بجو عائلي مريح وأحسست بالارتياح لها وبأنها ستكون الأم الحقيقية لابني , وتكررت اللقاءات العائلية .
وعرفت ابني بها فأحبها وتعمدت أن يراها كثيرا فكان يستجيب ويحب زيارتها وأجريت تحرياتي عنها فجاءت كلها لصالحها وصالح سيرتها الطيبة وأخلاقها فضلا عن سمعة أسرتها الطيبة واستشرت أمي فوافقتني متألمة لأنها كانت تفضل لابني أمه الطبيعية لكن ماذا أفعل وأمه الطبيعية قد تزوجت كما سمعت عرفيا من نفس مديرها السابق وتتكتم خبر زواجها رغم شيوعه في عملها وتعتذر في بعض الأسابيع عن استقبال ابنها حين تقضي عطلة نهاية الأسبوع من زوجها في خارج المدينة واستشرت إخوتي فتحمسوا لها .. ورغم ذلك أحسست أني في حاجة لاستشارة طرف آخر هو ابني الصغير الذي يبلغ من العمر 10 سنوات .. نعم ابني الصغير وليس أبى الذي رحل عن عالمنا منذ عامين يرحمه الله .. وسألت ابني مشفقا عن رأيه فيما لو تزوجت من السيدة فلانة ليكون لنا بيت كبيوت زملائه وأصدقائه فيه رجل وامرأة وطفل صغير ويتعاونان على تربيته وإسعاده .. وأقسم لك يا سيدي أني كنت ارتجف خجلا بل وخوفا من ابني وأنا أفعل ذلك .
ولأول مرة في حياتي أعرف أن الأب يمكن أن يستشعر الخجل والحرج , من طفل صغير وانتظرت كلمته كأنها كلمة القضاء في مصيري، لكن الطفل أزال عني هذا الحرج فقد فكر قليلا وهو ينظر إلي نظرة حرت في تفسيرها كأنه يفهم ما أريد ثم قال لي أنه "موافق" فدمعت عيناي , رغم عني ولعنت في سري الظروف التي حكمت على طفل صغير مثله أن يفكر في مثل هذه الأمور الصعبة بالنسبة لمداركه.
وقررت الزواج من شقيقة زميلي وساعدني على الإقدام على ذلك أن الله سبحانه وتعالى قد بارك خطواتي وكافأني على استقامتي وكفاحي طوال السنوات الماضية فجاءت أرضي الجديدة بأول محصول كبير لها وحقق مشروعي الآخر لتربية العجول ربحا مجزيا فسددت كل ديوني واستقرت الأرض تحت أقدامي واشتريت سيارة وبدأت في تجديد شقتي بالمدينة وأنفقت عليها مبلغا كما أعددت الاستراحة الصغيرة المقامة بالأرض وأثثتها بأثاث بسيط جميل لكي تصلح للإقامة الدائمة بها في المستقبل إذا قررت ذلك وحددنا موعدا لعقد القران والزفاف ..
فإذا بها تظهر مرة أخرى بعد غياب طويل وتبدأ في التقرب مني وهي التي كانت تتعمد
خلال كل سنوات انفصالنا ألا تراني إلا إذا عجزت عن تفادي اللقاء وكانت تغادر بيت
أبيها إذا عرفت أني سأحضر لاستعادة الطفل بدلا من أحد إخوتي , وقد بدأ اقترابها "برسالة" شفوية مفاجئة بعثت بها إلي مع طفلي تحمله فيها السلام والأشواق لرؤياي .. ثم اتصال تليفوني ثم فوجئت بها تزورني في بيتي ذات مساء وتبرر زيارتها أنها تريد الاطمئنان على الطفل والاهتمام بشئونه ! وتساءلت متعجبا عن سر هذه الأمومة المفاجئة , ثم أفصحت عن أفكارها , وطالبتني بأن أنسى كل شئ وأن نعود للحياة معا كما كنا لكي ينشأ طفلنا بيننا بدعوى أنه ليست هناك مرارة بيننا وتعجبت من تنازلها عن كبريائها وهي المتكبرة التي لم تعترف لي يوما بشئ طيب والتي توسلت إليها خلال العامين الأولين من طلاقنا أن نستأنف حياتنا الزوجية رحمة بابننا فكانت ترفض بحدة وتقول لي أنها لا تحب التخاذل والضعف وتسول الحب ورغم رفضي للفكرة فقد وعدتها بالتفكير ولم تتح لي الفرصة وراحت تطاردني باتصالاتها التليفونية وكلامها الساحر, فاضطررت لمواجهتها بأن كل زملائي يعرفون أنها قد تركتني لكي تتزوج مديرها مرة أخرى .. وأن زواجها العرفي معروف للجميع .. فذهلت ثم تماسكت واعترفت لي بأنها طلقت منه وأفاقت من طيشها ويبدو أني قد بدت علي بعض علامات الضعف تجاهها لأنها بدأت تثق في أنها قد استعادتني .
وبدأت تتحدث في المستقبل وتعرض أن نستغل عائد الأرض في عمل مشروع صغير بالمدينة تتولى هي إدارته وتقيم مع ابنها في مسكني وأترك لها السيارة لحاجة العمل وأمضي أنا معظم الأيام في الاستراحة للأشراف على الأرض حتى لا يضيع "مجهودنا" عبثا وبدأت اشتم رائحة مادية غير مريحة .. ومع ذلك فلم أشأ أن أحرم ابني من فرصته في الحياة الطبيعية واستشرت إخوتي في الرجوع إليها
فعارضوني جميعا , بل وعدت لجس نبض ابني الصغير برفق وبغير أن يحس فلم ألمس عنده
فرقا كثيرا بين ارتباطه بأمه وارتباطه بالأخرى التي حرصت على ألا تنقطع صلته بها ..
بل لعلي لا أبالغ إذا قلت أنه يميل للأخرى أكثر .. ورغم ذلك ولكي يستريح ضميري فقد
قررت أن أستشيرك لأنك كثيرا ما تطالب الآباء والأمهات بالتضحية بسعادتهم الشخصية
من أجل إسعاد أبنائهم .. هل أقبل عودة مطلقتي رغم غدرها بي مرتين ورغم أني أعرف
أنها يمكن أن تغدر بي مرة ثالثة إذا تحسنت أحوال زوجها السابق وتخلص من زوجته ورغم
أن دوافعها المادية للعودة ليست خافية .. أم أتزوج الأخرى التي تنتظرني ولا
تساورها تجاهي أية مطامع مادية لأنها مستورة ولا طموح لها إلا الحياة العائلية
البسيطة وتحب طفلي كما يحبها وتتمسك به .. إني في حيرة من أمري .. فبماذا تشير علي
؟!
ولــكــاتــب هــذه الـرســالــة أقـــول :
أفلحت إن صدقت .. ولكن هل هي صادقة فعلا يا صديقي ؟ إنني أشك في ذلك .. لأن العلاقة بينكما لم تكن سوية من البداية وإنما كانت علاقة حب آسر وإذعان من جانبك وحدك على الأرجح .. أما هي فقد تزوجتك زواج المضطر الذي يئس في بعض الأحيان ممن يتمناه فقبل بمن بين يديه , ولا بأس بذلك في بعض الأحيان ولكن بشرط أن يخلص الإنسان لمن بين يديه ويعرف له قدره ويتعزى بالموجود عن المفقود فلا يلبث أن يسعد به ويسعده ولو بعد حين .. لكن المشكلة هو أن زوجتك لم تقتنع بك اقتناعا كاملا في أي مرحلة من مراحل علاقتكما معا , وإنما اعتبرتك احتياطيا استراتيجيا لخططها في الحياة , وتخلت عنك في كل مرة لاح لها فيها بريق الأمل في أن تنال غيرك , ولهذا فلست كبير الثقة في صدق ندمها , ولا صدق رغبتها في أن تقاسمك رحلة الحياة إلى آخر العمر "فالآخر" في نخاعها فيما يبدو لي وليس من المستبعد أن تهدم المعبد مرة ثانية وتسرع إليه إذا اتصلت الجسور بينهما وتحسنت الأحوال مرة أخرى .. وإذا حدث ذلك فلن يردها عنه عهد ولا وفاء .. لأن من لم تنهها أمومتها عن الاستسلام لأهوائها والتضحية بسعادة طفلها لا يردعها رادع آخر عما تنتويه إذا تسلطت الأهواء ولاحت الفرص , وليس من العدل ولا من الكرامة يا صديقي أن يعيش الإنسان حياته مع من يتحين الفرص لكي ينفض يده منه ويهرع إلى غيره , وأنت في تصوري إنسان صادق المشاعر وطيب القلب ومثلك يستحق أن تكون سعادته حقيقية ودائمة كما كانت تعاسته أيضا حقيقية ومتصلة , ورغم موقفي المعروف من ضرورة تضحية الآباء والأمهات بسعادتهم الشخصية لحساب سعادة أبنائهم الصغار, فإن طفلك قد يجد في تلك المطلقة المحرومة من الانجاب والمتلهفة على الحياة العائلية والاستقرار وعلى ممارسة أمومتها المكبوته , أما أكثر رحمة به واستشعارا بمسئوليتها عنه من أمه الطبيعية التي ضحت به بسهولة على مذبح غرامها .. والتي لم تمارس معه أمومتها فعليا سواء وهي زوجة لك أو وهي مطلقة منك .. والأمومة والأبوة ليستا في النهاية مجرد ولادة ورضاعة أو انفاق ومسئولية مادية فقط وإنما هي مسئولية إنسانية دائمة ومتصلة ورعاية ورحمة وتضحية وهم بالأبناء, يدفع بعض العارفين للقول بأن " مقاساة الأهل والولد بمنزلة الجهاد فى سبيل الله " ودفع آخر وهو يغزو في سبيل الله لأن يقول " رجل متعفف ذو عائلة قام من الليل فنظر إلى صبيانه نياما منكشفين فسترهم وغطاهم بثوبه لأفضل عملا مما نحن فيه , وما يقال عن الأب يقال أضعافه عن الأم.
لهذا فالأمومة والأبوة ليستا مسئولية يتذكرها المرء فجأة في أوقات الفراغ من التجارب العاطفية ويتلهى بها إلى حين العودة لاستئناف غرامياته من جديد , ولقد لمست قلبي بمشهدك العجيب وأنت تستشير طفلك الصغير في أمر زواجك , وتستشعر الحرج والخجل منه , وهو مشهد مؤلم حقا اختارته له أمه ولم ترده أنت له بدليل محاولاتك العديدة لاستئنافه الحياة معها وهي ومشغولة بغير أن تعلم بزواجها السري , وفي ضوء كل هذه الاعتبارات فقد أشير عليك "والأمر لله من قبل ومن بعد" بأن تتزوج بمن عاهدتها على الزواج وقبلت هي بظروفك وسعدت بك ورأت فيك أملها في السعادة والاستقرار , فلربما كانت الأجدر بك وبطفلك ممن لم تأمن غدرها بالأمس , ولا تضمن وفاءها في غد , وأنت على كل حال أدرى بشخصية مطلقتك وأصدق حكما مني عليها , فإن رأيت ما أرى فلم لا يكون من حقك أن تبدأ حياة جديدة بغير مرارات قديمة وتخوض تجربتك كاملة وتبذل كل جهدك لانجاحها .. فإن نجحت تحقق لك ولابنك الاستقرار والأمان الحقيقيين , وإن فشلت "لا قدر الله" أصبح من حقك أن تطالب أم طفلك إذا كانت على الرغبة مقيمة وليست زوجة للمرة الثالثة لمديرها السابق , بأن تنسى وتصفح كما طالبتك هي أكثر من مرة .. أم هل تعتقد هي أن النسيان والصفح وممارسة التجربة والخطأ حق مكفول لها وحدها ؟
نشرت في جريدة الأهرام "باب بريد الجمعة" ابريل
1992
كتابة النص من مصدره / بسنت
محمود
راجعها وأعدها للنشر / نيفين علي


برجاء عدم النسخ احتراما لمجهود فريق العمل في المدونة وكل من ينسخ يعرض صفحته للحذف بموجب حقوق النشر