الثمن الغالي .. رسالة من بريد الجمعة عام 1997
من
طبائع الإنسان غالبا حين يستسلم لأهوائه ألا يحسن تقدير تبعات هذا الاستسلام في البداية،
وأن يتصور في كثير من الأحيان أنه "محبوب الأقدار" ولهذا فلسوف ينجو
دائما بفعلته بغير أن يخسر شيئا، فإذا وجه برد الفعل العادل لما فعل شكا من
وطأته .. تحدث عن الرحمه بديلا للعدل!
عبد الوهاب مطاوع
لست أكتب قصتي إليك يا سيدي طلبا لحل لها لأنها قد وجدت الحل السعيد والحمدلله , وإنما أكتبها إليك لكي تكون عبرة لكل رجل يتصور أنه يستطيع أن يطأ بقدمه كرامة زوجته وبيته ثم يمضي دون اعتبار لشئ أو دون أن يدفع الثمن الغالي لما فعل.
فأنا
سيدة في الرابعة والخمسين من عمري .. كنت حتى وقت قريب زوجة لرجل فاضل له مركزه
المرموق ومن أسرة محترمة للغاية, وقد تزوجته وعمري 22 عاما وعمره 36 عاما, وكنت حينما
تزوجته مدرسة للغة الانجليزية , وتزوجنا وأنجبنا 3 أبناء, ومضت بنا رحلة العمر
آمنه وسعيدة في إجمالها حتى تخرج الابن الأكبر من أبنائنا طبيبا وأوشك الابن
الأصغر على أن يتخرج مهندسا وتخرجت البنت الوسطي مدرسة للغة الانجليزية مثلي, وبعد
أن أوشكت رسالتي مع أبنائي على بلوغ نهايتها السعيدة وآن لنا بعد ذلك أن نستمتع
بحياتنا ونسعد بأبنائنا وبما حققناه خلال الرحلة الطويلة فوجئت بزوجي وأنا في
الثامنة والأربعين من عمري يتزوج فتاة في الخامسة والثلاثين لم تتزوج من قبل ولا
تملك مقومات الجمال ولا مقومات الأهل والأسرة والمركز الاجتماعي ما يؤهلها
للارتباط برجل محترم مثل زوجي.
وذهلت
لما حدث دون مقدمات ووقع على رأسي كالصاعقة.. وتعجبت أكثر حين وجدت زوجي يريدني أن
أتقبل الأمر الواقع وأرضى بنصيبي من
الدنيا وأبقى معه حتى لا يتهدم البيت والأسرة ويعاني الأبناء نفسيا من جراء ذلك ..
لكني رفضت ذلك بإصرار شديد وتمسكت بألا أقبل ما فعل أو التعايش معه وأصررت على
الانفصال عن زوجي الذي عاشرته 26 عاما .. وتم الانفصال بالفعل فتوقع مني زوجي
السابق أن أعيش على ذكرى خيانته لي إلى نهاية الرحلة .. لكنني خيبت ظنه في ذلك
أيضا وتركت له الأبناء ليكمل هو المسيرة معهم وليسعد بأسرته الجديدة بعد أن أنجبت
له زوجته ولدا وبنتا يحملان قبح ملامحها.. وتزوجت ابنتي والحمد لله من طبيب شاب
زميل لشقيقها أما أنا فلقد تزوجت أيضا من رجل فاضل له مركز مرموق جدا ويكاد مركزه
يفوق مركز زوجي السابق وزوجي أرمل وأب لبنتين متزوجتين ومستقرتين في حياتهما
الزوجته وقد انتقلت للإقامة مع زوجي في بيته الفاخر جدا, وأعيش معه والحمدلله حياة
رائعة جدا لأنه رجل رائع ووقور ومحترم , وأذهب معه في رحلات إلى أنحاء العالم
وأبنتاه تتعاملان معي معاملة رائعة .
وبدلا
من مشاعر الغيرة والحقد التي كنت أشعر بها تجاه زوجي السابق أصبحت أنظر إليه الآن
بإشفاق ورثاء وهو على أعتاب الستين ويتحمل مسئولية أولاد ومذاكرة ومشاكل الأطفال
وطلباتهم في حين أسافر أنا للخارج للنزهة والفسحه كما أنه يذهب إلى ابني الطبيب في
عيادته ويبكي عنده ويؤكد له أنه نادم على ما فعل بي.. وأنه كان يأمل في أن أبقى في
انتظاره حتى يفرغ من نزوته!
لكن هيهات أن أفعل ما كان يأمله ويرجوه ..والحق أنني لست نادمة على شئ .. وإن كنت أشفق على والد أبنائي من العناء الذي يعانيه مع "الحية الرقطاء" التي تزوجها والتي ما أن أستقر بها الحال بعد خراب بيتنا حتى كشرت عن أنيابها وتحولت إلى غول مخيف وراحت تحاول الوقيعة بين زوجي السابق وأولاده.
ولكاتـبة هــذه الرســالة أقـــول:
لا
لوم عليك يا سيدتي فيما فعلت ذلك أن مسئولية الحفاظ على الأسرة والأبناء هي في
واقع الأمر مسئولية مشتركة بين طرفي العلاقة الزوجية وليست مسئولية أحدهما دون
الآخر, فإذا كنا ننصح الأم الشابة التي تحتضن أطفالا صغارا أن تتعامل مع مثل هذه
النزوة لزوجها بقلب الأم وحكمتها أملا في إستعادته لأطفاله الصغار وبيته فإنما
نفعل ذلك دائما ترجيحا لمصلحه الصغار على كل الاعتبارات الأخرى وقبولا بالضرر
الأصغر الذي يدفع عن الأسرة ضررا أكبر والضرر الأكبر هنا هو تمزق الصغار بين أبوين
منفصلين والضرر الأصغر هو مكابدة الزوجة والأم لآلام الخيانة والغدر ومرارة
الإحساس المؤلم بهوانها على شريك حياتها وهو ضرر بالغ في حد ذاته لكننا نعتبره رغم
ذلك الضرر الأصغر بالقياس إلى ما هو أشد منه ذكرا.. وهو ما يدفعه الأبناء الصغار
من ثمن باهظ لانهيار الأسرة ورفع مظلتها الآمنه عنهم.
لكن
ماذا نستطيع أن نقول لزوجة مثلك أدت رسالتها مع أبنائها أو أوشكت أن تفعل وبلغ
أبناؤها سن الشباب وتشكلت معظم ملامح شخصياتهم ووجدانهم وأدركوا كثيرا من حقائق
الحياة ثم فوجئت وهي في الثامنه والأربعين من عمرها بزوجها يتزوج بغير سابق انذار
فتاة لم يسبق لها الزواج وهو في عمر الثانية والخمسين من عمره.
هل
يحق لنا أن نطالبها بترجيح مصلحة الأبناء في هذه الحالة على اعتباراتها الشخصية
كإمرأة وزوجة لها مشاعرها وكرامتها الأنثوية!
لا.. لسنا
نستطيع ذلك .. ولا هو من العدل أن نفعله لأنه ضد مبدأ مسئولية الإنسان عن أفعاله
واختياراته في الحياة .
فإذا
كنا لا نحجر على إرادة أحد فيما يفعل ويختار لنفسه فليس من حق هذا
"الأحد" أن يفعل ما يشاء أن يفعله ثم يتوسل للآخرين أن يقبلوا به
ويتعايشوا معه وأن يعفوه من أداء تبعاته العادلة والزوجة في مثل هذه الظروف التي
تعرضت لها.
يا سيدتي لا لوم عليها إذا شاءت الإستمرار مع
زوجها استجابة لرجاء الأبناء " الأزلي" للأم في ذلك مهما بلغ بهم العمر
حفاظا على الشكل العائلي المحترم ولا لوم عليها أيضا إذا تمسكت بحقها في إدانة
الغدر وتمسكت بحقها في الانفصال انتصارا لكرامتها كإمراة وتحميلا لزوجها لتبعات ما
فعل.
ومن
طبائع الإنسان غالبا حين يستسلم لأهوائه ألا يحسن تقدير تبعات هذا الاستسلام في البداية,
وأن يتصور في كثير من الأحيان أنه "محبوب الأقدار" ولهذا فلسوف ينجو
دائما بفعلته بغير أن يخسر شيئا, فإذا وجه برد الفعل العادل لما فعل شكا من
وطأته..تحدث عن الرحمة بديلا للعدل!
ولقد
شاءت لك إرادتك القوية ألا تتعاملي مع زوجك في مثل هذا الموقف بمبدأ الرحمة
والتسامح.. وإنما بمبدأ العدل! وتلفت حولك بعد انفصالك عنه فتزوجت مرة أخرى .. وبدأت
حياتك من جديد مع رجل "رائع" تقيمين معه في بيت "فاخر" ويصحبك
للسفر إلى أنحاء الأرض للفسحة والسياحة في حين يواجه زوجك وهو على أعتاب الستين
أعباء الأسرة والأطفال الصغار .. والزوجة الشابة التي ثبتت أقدامها ففردت شراعها
على غاربه!
وبدلا
من البكاء على الأطلال ومكابدة مشاعر الغيرة والحقد والحياة على ذكرى طعنة شريك
العمر, لم تترددي في بدء هذه الحياة الجديدة حين اتيحت لك فتحولت مشاعرك تجاه زوجك
السابق إلى الإشفاق والرثاء.
إنها
جرأة نفسية تستحق التأمل وقد لا تتوافر لأمهات كثيرات في مثل ظروفك .. فهنيئا لك
حياتك الجديدة وأرجو أن تكون سعادتك حقيقة ودائمة بإذن الله .. وألا يكون إسرافك
في استخدام تعبيرات من نوع "رائع" و"رائعة" و"فاخر"
وجيد جدا ..هو محاولة نفسيه لا ارادية منك لإقناع النفس بذلك .. أو لإغاظة الخصوم
بإبلاغهم رسالة شفرية مؤادها :
فاهجرونا
أو صلونا إننا
قد
نسيناكم كما ينسى الكلام!
وعلى
أية حال فإننا ننسى من اهتممنا بهم من قبل حقا حين لا نجد في أنفسنا لهم حبا ولا
كرها .. ولا أية رغبة في إيلامهم أو الانتقام منهم أو التباهي عليهم بسعادتنا أو
حتى إشعارهم بأننا مازلنا على قيد الحياة.
وعلى أية حال أيضا فإن رسالتك تحذير خطير بالفعل للرجال بأن عهدا طويلا من إكتفاء النساء بالبكاء على أطلال الخيانة قد أذن بالانتهاء .. وأن عهدا آخر من "الجرأة النفسية" على الإصرار على الطلاق حتى في سن الإحترام ثأرا للكرامة الأنثوية ورفضا للقبول بالأمر الواقع واستعدادا لبدء حياة أخرى جديدة .. قد أذن أيضا بالبدء أنه تحذير خطير بالفعل يا سيدتي ومن واجب العقلاء أن يتدبروه طويلا ويتفهموه جيدا قبل أن يستسهلوا الاستسلام للأهواء بغير تقدير سليم للعواقب والتبعات.
تعقيب الزوج السابق لكاتبة الرسالة "رسالة نصف القمر الآخر"
رابط رسالة زهرة البستان تعقيبا على هذه الرسالة
· نشرت في جريدة الأهرام "باب بريد
الجمعة" عام 1997
شارك في
إعداد النص / بسنت محمود
راجعها وأعدها للنشر / نيفين علي


برجاء عدم النسخ احتراما لمجهود فريق العمل في المدونة وكل من ينسخ يعرض صفحته للحذف بموجب حقوق النشر