السؤال الأهم .. رسالة من بريد الجمعة عام 2000

 

السؤال الأهم .. رسالة من بريد الجمعة عام 2000

السؤال الأهم .. رسالة من بريد الجمعة عام 2000

 

الأقدار قد تتولى أحيانا حل بعض المشاكل التي يستعصى على البشر حلها بقدراتهم المحدودة .

 عبد الوهاب مطاوع

 

قررت أن أكتب لك منذ عدة سنوات وها قد شاءت الأقدار لی أن أكتب لك الآن ، فأنا سيدة في الثالثة والثلاثين من عمري .. ارتبطت وأنا صبية في سن الرابعة عشرة عاطفيا بفتى يماثلني في السن ومن جيراننا .. ولم تتجاوز صلتي به في البداية النظرات والإشارات إلى أن تبادلنا الاعتراف بالحب وتعاهدنا على أن يكون كل منا للآخر مهما طال الزمن ، واستمرت علاقتنا العاطفية ثماني سنوات كاملة ثم تقدم فتای لأسرتی طالبا يدي ورفضته الأسرة في البداية بسبب تقارب السن ، ثم رضخت في النهاية لرغبتی وتمت الخطبة وأنهينا دراستنا .. وعمل خطیبي وعملت أنا أيضا .. وتم الزفاف بعد قصة الحب الطويلة التي تملكتني منذ صباي ، وبعد بضع سنوات من الزواج تبين لي ولزوجي أنني غير قادرة على الإنجاب ، فبدأت معاملة أم زوجي إلي تتغير بعد أن كانت بمثابة الأم الحنون بالنسبة لي ، وبدأت تحث ابنها على الزواج من أخرى من أجل الإنجاب ، ورفض زوجي في البداية لأنني حب العمر بالنسبة له، لكن استمرار الإلحاح عليه دفع به في النهاية إلى الضعف .. فجاء يضع الأمر بين يدي ويسألني عن رأیی ، وبكيت وأنا أبلغه عن موافقتي على زواجه لكنه كان يعرف جيدا أنني لم أفعل ذلك إلا إرضاء له فعدل عن فكرة الزواج وصارح أمه بالرفض ، وتصورت أن الأمر قد انتهى عند هذا الحد، لكن والدته لم تيأس من الإلحاح عليه بفكرة الزواج وفوجئت به يقبل بها بعد شهور ويعرض علي الأمر مرة أخرى .. ولم أستطع هذه المرة المقاومة، وكتمت حسرتي في قلبي واعتصمت بالصمت .. فتزوج زوجي من فتاة اختارتها له أمه مع احتفاظه بی ، ولن أصف لك ما شعرت به خلال هذه الفترة ، وإنما أقول لك إنني قد رضيت بما كرهته لنفسي لكن زوجته الأخرى هي التي لم ترض بواقعها مع أنها قد قبلت بالزواج منه وهو متزوج ، فراحت بعد أن أنجبت منه طفلا تضغط عليه لكي يطلقني وشاركتها والدة زوجي في الضغط عليه بدعوی أن حياته قد استقرت مع الزوجة الجديدة بالإنجاب ، وأن وجودي في حياته لن يعني له سوى المشاكل والاضطرابات .. وأدركت أنا حيرة زوجي وتمزقه بين حبه لي وضغط زوجته ووالدته عليه ، فقررت أن أعفيه من عهده معي .. وطلبت منه الطلاق لكي أوفر عليه الحرج ، وافترقنا بالدموع .. وبلا مرارات .

 

وعشت حياتي أحاول تضميد جراحی .. وتابعت عن بعد أخبار الرجل الذي أحببته وأنا صبية في الرابعة عشرة من عمري ، وعرفت أنه قد أنجب طفلا ثانيا ، ثم تقدم لي رجل متزوج ولديه أبناء يرغب في الزواج مني بحجة أن زوجته مريضة ولم تعد قادرة على تلبية احتياجاته ، ولم أجد في نفسي أية رغبة في تكرار مأساتي الشخصية مع زوجة أخرى ، فاعتذرت عن عدم قبوله .. وقلت لأهلي أنني لا أشعر بأنني قد أصبحت مستعدة بعد للارتباط برجل آخر بعد الرجل الذي أحببته 8 سنوات قبل الزواج .

والحق أنني كنت صادقة في ذلك مع نفسي، فلقد كنت مازلت أحب هذا الرجل .. ولم أتخلص بعد من تأثيره على شخصيتي وأفكاري، وكرهت أن أرتبط برجل آخر مازال قلبي ممتلئا بغيره .

 

ومضت خمس سنوات، فوجئت بعدها بمصرع زوجة فتاي القديم في حادث طريق مؤلم .. وانقبض صدري لما سمعته .. ثم مضت عدة شهور وإذا بي أراه فجأة في مجال عملي وأرى نظرة الاشتياق في عينيه .. وقال لي إنه قد جاء للاطمئنان علي، فتجنبت النظر في عينيه لكيلا ترطب نظراته النبع الجاف في داخلی فتتدفق مياهه مرة أخرى .. وانتهت الزيارة بسلام، ووجدتني مشغولة الفكر والخاطر به .. ولم يمض وقت طويل حتى رجع مرة أخرى ، ثم تكررت الزيارات إلى أن اضطررت لأن أرجوه عدم تكرار الزيارة حتى لا يثير حولي الأقاويل في مكان عملی .. فإذا به يصارحني برغبته في أن نستكمل قصة حبنا وزواجنا التي تدخلت - كما يقول - الظروف وحالت دون استكمالها !

ووجدتني أرفض عرضه على الفور دون تفكير بل ووجدني ألومه في أعماقي واتهمه بأنه قد تخلى عني وهجرني ست سنوات ودخلت حياته امرأة أخرى، فلما تدخلت الأقدار وانطوت صفحة حياتها القصيرة .. جاء يريد استرجاع سنوات الحب الضائعة بمثل هذه البساطة ؟

وقلت له ذلك فقال لي إنه لن يلومني إذا رفضته لكنه يرجونی فقط أن أعيد التفكير في الأمر وألا أسمح لكرامتي الجريحة بأن تختار لي طريقا لا يريده قلبی .

 

ووعدته بالتفكير .. واستشرت أهلي، فلم أجد منهم رفضا لعودتي له لعلمهم بحبي له منذ عشرين سنة ولأنني أيضا كنت قد أصبت بالاكتئاب بعد طلاقي منه لمدة عامين ، لكني لم أستطع بالرغم من ذلك أن أتخلص بعد مما أشعر به من مرارة تجاهه ، وكلما استشرت صديقة لي في قصتي ظنتها قصة من قصص السينما وليست من واقع الحياة .

وأنني أسألك يا سيدي هل من العدل بعد أن تخلى عني زوجي السابق وتزوج من أخرى أن أرجع إليه الآن لأنه يحتاجني لتربية طفليه ، أوليس من حقي أن أرفضه .. كما رفضني بيوم استجاب للضغط عليه وطلقني ؟

 

ولكاتبة هذه الرسالة أقول:

من حقك بالطبع أن ترفضيه .. وأن تشعري تجاهه بالمرارة لاستجابته لضغوط زوجته الراحلة عليه ووالدته للتخلي عنك بعد 15 عاما من الارتباط العاطفي الوثيق .. لكن السؤال الأهم يا سيدتي هو : وماذا لو لم يكن زوجك السابق قد عرض عليك استكمال قصة الحب والزواج التي حالت الظروف المؤلمة دون استكمالها ..؟ ألم تكن مرارتك تجاهه ستكون أعمق غورا من مرارتك منه الآن ..؟ أو لم تكوني ستشعرين باللوم الأعظم له لأنه وبعد أن أتاحت له الأقدار استكمال القصة الحقيقية في حياته .. لم يفكر في تعويضك عما تسبب لك فيه من آلام وأحزان .. ولم يقبل هذه الفرصة القدرية التي لا تتكرر في الحياة كثيرة لتصحيح الأخطاء السابقة ؟

 

أغلب ظني أن لومك له لو لم يفعل ذلك كان مقدر له أن يكون أشد وأعمق ، وفي تقديري أنك لا ترفضينه الآن رفضا حقيقيا ونهائيا .. وإنما تشعرين فقط بأنك لم تستأديه بعد ضريبة التكفير الكافية عن تخليه عنك وانصرافه إلى زوجته الراحلة وطفليه دونك ، ولا شك في أنها رغبة مؤقتة في الانتقام العاطفي ستأخذ دورتها الزمنية ثم تخلي مكانها المشاعر الحب المتأصلة منذ الصغر وللرغبات الحقيقية التي تتوارى الآن وراء اعتبارات الكرامة الجريحة ، ولهذا فإنني لن أنصحك برفضه ولا بقبوله وإنما سوف أنصحك بالصدق مع نفسك وبتحري رغباتك الحقيقية ثم اتخاذ قرارك بعد ذلك على ضوء ما تنتهين إليه من استقرائها والاعتراف بها لنفسك.

 

وعلى أية حال ، فلقد كان من المنطقي أن ترفضي عرضه عليك بالعودة لعصمته للوهلة الأولى .. مدفوعة في ذلك باعتبارات الكرامة وأيضا باعتبارات «الشك» في أن رغبته فيك ليست مبرأة تماما من الدوافع العملية ، أي من حاجته الاضطرارية بعد رحيل زوجته إلى أم بديلة لطفليه الصغيرين.. وبالرغم من مشروعية هذا الدافع وإنسانيته إلا أن كرامتك الجريحة كأنثى تحتاج إلى أن يشعرك زوجك السابق بأنه لا يفكر فيك كأم بديلة ، وإنما كحبيبة قديمة حالت بينه وبينها الظروف القاهرة ، وعلى قدر نجاحه في إقناعك بذلك ستختصرين فترة مساندة النفس والقلب . وتقبلين بما تريدينه في أعماقك منذ البداية لكنك تشعرين بحاجتك إلى مزيد من الترضية والتكفير قبل أن تمضي إليه .

 

والأقدار يا سيدتي قد تتولى أحيانا حل بعض المشاكل التي يستعصى على البشر حلها بقدراتهم المحدودة ، ولقد شاءت الأقدار التي فرقت بينك وبين حب العمر من قبل أن تتيح لكما الفرصة من جديد لاجتماع الشمل ، ولتعويضك عن حرمانك من الأمومة بهذين الطفلين اللذين ينتسبان إلى من أحببته وأنت مازلت في الرابعة عشرة من عمرك .. ففيم التردد إذن ؟ ولماذا لا تعطين لنفسك الوقت الكافي لتذويب المرارات وإخلاء الإناء من رواسبه القديمة .. ثم تتفتحين بعد حين للحب ..وللأمومة مع زوجك السابق وطفليك الصغيرين هذين ؟

 ·       نشرت في جريدة الأهرام "باب بريد الجمعة" عام 2000

راجعها وأعدها للنشر / نيفين علي


Neveen Ali
Neveen Ali
كل ما تقدمه يعود إليك فاملأ كأسك اليوم بما تريد أن تشربه غداً
تعليقات