السحر الأسود .. رسالة من بريد الجمعة سنة 2002
أنا سيدة أبلغ
من العمر40 عاما زوجة لرجل مرموق وأم لولد وبنت في سن الصبا ويدرسان بالمدارس
الخاصة للغات.. ونحن نقيم في حي راق ولدي سيارة باسمي نستخدمها في أسفارنا إلى
المصايف, وليس ينقصني شيء سوى أنني نكدية جدا مع زوجي, بالرغم من طيبته
وبالرغم من أنه يضع في يدي كل ماله.. وحين يزورني صهري وحماتي فإني أرحب بهما,
لكني سرعان ما أفقد أعصابي معهما وأرفض أن أقدم لهم أي مشروب وأتشاجر بلا أي سبب
مع زوجي وأبنائي فينفر صهري وحماتي مني ويغادران بيتنا مفزوعين .. وفي اليوم
التالي أتصل بهما وأعتذر لهما عما حدث مني.. ونفس الشئ يحدث مع أبي وأمي حين
يزورانني مع أنهما يأتيان لزيارتي من حي بعيد جدا عن مسكننا, فأروح أشكو لهما من
مصاريف الأبناء في المدرسة الخاصة ومن زوجي وكيف أنه يغيب في العمل من الصباح
للمساء وأعكنن عليهما الجو ولا أحسن معاملتهما, فيغادران البيت نادمين على
زيارتي ولا يرجعان إلى زيارتي مرة أخرى.
ونحن كأسرة مشتركون في أحد النوادي ونحضر الأنشطة المختلفة, لكني أنكد أيضا
خلالها على زوجي وأبنائي وعلى من نجلس معهم فينفرون مني, ويرون أنني نكدية
ومتوحشة.
وكل همي هو تتبع التليفزيون طوال النهار وعلى جميع القنوات المصرية والأجنبية
وقنوات الدش.
فكيف أغير حالتي النفسية وأبتسم في وجوه أفراد أسرتي وأقاربي؟
إنني أرجوك أن تنشر رسالتي كاملة في بريد الجمعة حتى تقرأها كل الزوجات النكديات
اللاتي ينكدن علي أزواجهن وأبنائهن مع التفصيل الكامل لردك, ولا أقبل ردا من
سطرين فقط!.. فما هي نصائحك لي؟
والسلام عليكم ورحمة الله
ولكاتبة هذه الرسالة أقول:
اعتلال المزاج النفسي الدائم والميل للاكتئاب والاستعداد لافتعال المشاكل مع الآخرين, قد يكون من مظاهر اضطراب قديم يسميه علماء النفس بالسوداوية, أو الميلانكوكيا, وأعراضه الأساسية هي الحزن.. واللامبالاة العاطفية, والتباطؤ النفسي والحركي, أي تباطؤ الاستجابة النفسية والاستجابة الحركية للدوافع المختلفة, والإنسان المشغول بنفسه عن الآخرين.. ينحصر في ذاته دائما ويتخيل أن كل ما يرتبط به من هموم وشواغل وأفكار لابد أن يكون بالضرورة موضع اهتمام الآخرين, كما هو موضع اهتمامه... ولهذا فإنه يبادر من يقترب منه بالحديث دائما عن نفسه وهمومه وشواغله وهواجسه ويتوقع منه أن يشاركه الهم بذلك وأن ينشغل به عن كل ما عداه.. ولقد يضيق به أو يشتبك معه إذا استشعر لامبالاته بما يحدثه عنه.. أو إذا حاول الآخر تهوينه عليه أو لفت نظره إلي أنه ليس من هموم الحياة الجادة.. أو لا يقارن بهموم المبتلين بأشياء قدرية أخرى يصعب احتمالها.
كما أنه يطلب أيضا من الآخرين الكثير.. ولا يعطيهم من نفسه شيئا غالبا لأنه غير
قادر علي العطاء ولأنه يتصور أنه ذات ميزة من واجب الآخرين أن يهتموا بها, وليس
من حقهم أن يتوقعوا منها الاهتمام بأمرهم, ولهذا فإن الشخصية التي تعاني هذه
الأعراض تكون عادة شخصية شديدة الوطأة على الغير وتحاول دائما أن تفرض همومها
وشئونها عليهم.. وتجعل من ذاتها محور الحديث معهم .. وقد لا تتورع عن أن تكدر
عليهم صفو أوقاتهم عند الضرورة, بافتعال المشاجرات معهم أو مع أقرب الناس إليها
في حضورهم, فينفرون من الاقتراب منها
مرة أخري كما يفعل صهرك وحماتك ووالداك وجلساؤك في النادي معك. وكل ذلك مرجعه إلي
اللامبالاة العاطفية باعتبارات الآخرين والانحصار داخل الذات وشواغلها وشجونها
وحدها!
وليس تجمدك
أمام التليفزيون بالساعات الطويلة دون حراك إلا شكلا آخر من أشكال التباطؤ الحركي
والنفسي, وليست مطالبتك لي بما يشبه اللهجة الآمرة أن أكتب لك ردا طويلا مسهبا
على رسالتك, لأنك لا تقبلين ردا من سطرين فقط إلا مثالا لطريقة تعاملك الذي لا يتسم
بالكياسة مع الآخرين .. ذلك أن مشكلة الشخصية المسيطرة التي يتقبل من يشاركونها
حياتها وطأتها الشديدة عليهم كأمر واقع لا حيلة لهم في تغييره, هي أنها تتوقع أن
يتقبل الآخرون من خارج دائرة أسرتها الصغيرة نفس هذا السلوك منها بلا اعتراض وتصدم
حين ينفرون منها.. ويفرون منها فرار السليم من الأجرب, مع أنه لا غرابة في
ذلك, لأن الوحدة وافتقاد الأصدقاء هما عقاب من لا يحسن التعامل مع البشر.. ومن
لا يراعي اعتباراتهم كما يتوقع هو منهم أن يراعوا اعتباراته.
غير أن كل ذلك يمكن التخلص منه بتعديل الأفكار والمفاهيم وحسن التفرقة بين الزوج
والأبناء, الذين يتحملون المرء بلا غضاضة وبين الآخرين الذين ليس لديهم ما
يدعوهم للصبر علينا أو احتمال الأذى منا.. وبإعفاء هؤلاء الآخرين من دفع ثمن
اعتلال مزاجنا النفسي بلا مبرر وبأن نختار لأنفسنا أن نهتم بهم ونراعي
اعتباراتهم, كما نطالبهم بالاهتمام بأمرنا ومراعاة اعتباراتنا.. وبالاعتدال في
تقديرنا لذواتنا وشواغلنا وهمومنا.
كما أن الأمر يتطلب كذلك استشارة الطبيب والاستعانة ببعض العقاقير المهدئة
والمطمئنة علي إعادة المزاج النفسي المعتل إلي حالته الطبيعية.
وخير ما تفعلين كلما هممت بافتعال النكد والشجار مع زوجك بلا مبرر, هو أن تتذكري
أن النكد الزوجي هو السحر الأسود الذي يؤدي إلي انهيار معظم الزيجات وإلي تحول بعض
الأزواج ـ الذين بدوا لنا مستسلمين بلا مقاومة لأقدارهم إلي ما لا نهاية فجأة
وبغير سابق إنذار عن زوجاتهم ـ تحولا نهائيا لا يجدي معه الندم ولا محاولة الإصلاح
بعد فوات الأوان .
راجعها وأعدها للنشر / نيفين علي

برجاء عدم النسخ احتراما لمجهود فريق العمل في المدونة وكل من ينسخ يعرض صفحته للحذف بموجب حقوق النشر