الأبواب المغلقة .. رسالة من بريد الجمعة سنة 2002
أنا شابة عمري 25 عاما ارتبطت بزوجي بعد قصة حب كبيرة وأنا سعيدة معه والحمد لله وهو يحسن معاملتي ويرعى الله في كل شئوني لكن مشكلتي هي علاقتي مع أهلي حيث أني تزوجت بدون موافقتهم بعد أن أعيتني الحيل معهم لإقناعهم بمن أحببته, وزوجي والحمد لله متدين ومواظب على الصلاة ومستواه العلمي والاجتماعي جيد ومقارب لمستوى أسرتي إلا أن والدي ووالدتي عاشا في دولة عربية لفترة طويلة فأصبح مستواهما المادي أفضل من مستوى أهل زوجي. وقد تقدم فتاي إلى والدي وأنا في السنة النهائية من دراستي بإحدى كليات القمة, إلا أن والدي طلب تأجيل هذا الموضوع إلى أن أكمل دراستي, وسافر أبي وأمي إلي حيث يعملان في الدولة العربية وتركاني مقيمة في سكن للمغتربات كما اعتدت أن أفعل كل عام. وكنت خلال تلك الفترة التقي بفتاي بعد أن تأكدت من حسن نيته ومن جديته. واكتشفت في هذا الشاب صفات جميلة كثيرا ما حلمت بها. إلا أن الرياح جاءت بما لا تشتهي السفن, فقد علم زوج أختي أنني ألتقي بهذا الشاب عن طريق أحد أقاربه الذي رآنا معا فاستدعاني زوج أختي وطلب مني ألا ألتقي بهذا الشاب مجددا إلى أن يأتي والدي. واستأت كثيرا من تدخل زوج أختي في هذا الموضوع الشخصي ولأني بشهادة الجميع إنسانة عاقلة وراشدة كما أن علاقتي بفتاي لم تكن تشوبها أي شائبة فلم أستمع لكلامه واستمرت علاقتنا لكي نتعارف أكثر وتتم الخطبة بعد عودة والدي, إلا أن زوج أختي استمر في فرض وصايته علي بتشجيع أختي حتى أنه منعني من الذهاب إلى الكلية ومنعني من الخروج أو التحدث بالهاتف لأي سبب وراحت أختي تشوه صورة هذا الشاب لدى والدي إلى أن وصل إلي مرحلة الرفض التام له, ولأول مرة في حياتي رسبت في مادتين وأنا في السنة النهائية بسبب غيابي عن الكلية. واعتقد والدي أن فتاي هو السبب في تأخر مستواي الدراسي على عكس تفوقي السابق وزاده ذلك رفضا له وكانت أمي غير موافقة منذ البداية لأنها كانت تريد أن تزوجني من طبيب وتحلم لي بمستوي معين من الحياة. وزاد الطين بلة أن أخي الأكبر كان مسافرا وعندما عاد أبلغته أختي بما كان من أمري, فكره أخي فتاي قبل أن يراه أو يتعرف عليه وراح أخي يضربني كلما علم أني اتصلت به. وبذلك أصبح الجميع ضدي دون أن يحاولوا معرفة هذا الشاب أو يلتقوا به, وهو من ناحيته كان يحاول إقناع والدي, وأبي يصده ويسوف في موضوع الارتباط ويؤجله إلى بعد امتحانات الدور الثاني أو بعد النتيجة إلى أن أخبرني عمي أنه قابل فتاي مع والدي وأن رأيه فيه أنه شاب جيد وطلب مني الانتظار حتى ظهور النتيجة وانتظرت والتزمت بوعدي لعمي بعدم مقابلة فتاي إلى أن يسمح لي بذلك, وسافر أبي مرة أخرى لعمله وأحسست أنه يتلاعب بمشاعري وساءت حالتي الصحية وأصبت بارتفاع ضغط الدم, وهزل جسمي إلى أن رجع أبي وطلب فتاي مقابلته وفوجئت برده الحاسم بأنه يرفض زواجي من فتاي رفضا قاطعا جامعا وحاولت التحدث معه وإقناعه بكل الوسائل بالكلام والصمت والبكاء والامتناع عن الطعام فلم يجد ذلك شيئا, وكان مبرر أبي للرفض هو أن فتاي أقل من مستوانا وأني أستحق من هو أفضل منه. واستمر الوضع هكذا لمدة عام ولم يخطر ببالي ذات يوم أنني يمكن أن أتزوج هذا الشاب بغير وجود أهلي ومباركتهم لزواجي.. لكني لم أجد مفرا في النهاية سوي ذلك وعقدت قراني عليه وتكتمت الأمر عن أهلي وبعد فترة واجهتهم بزواجي منه فقابلوني بعاصفة من الضرب والسب والاهانة حتى خشيت على نفسي من تهور أخي الذي لم يكن قد علم بعد بزواجي فتركت البيت وتوجهت خائفة وحزينة إلى أهل زوجي بعد أن صارحهم زوجي أننا متزوجان وكانت لديهم خلفية عن رفض أهلي لابنهم فاستقبلوني بكل الحب وأحسست من أول لحظة أنهم أهل لي. وتخلى والدي ووالدتي عني تماما ولم يتحملا أي شيء من تكاليف الزواج أو تجهيز شقة زوجي التي يمتلكها وتكفل والد زوجي الحبيب بكل تكاليف الأثاث وحتى أغراضي الشخصية ولم أحصل من أبي وأمي إلا على ملابسي, مع العلم أنهما قادران وجهزا شقيقتين لي علي أكمل وجه, وحاولت إصلاح علاقتي بهما بعد انتقالي إلى منزل زوجي إلا أنني لم أجد منهما إلا الجفاء خاصة والدتي, وبعد محاولاتي المستميتة تحسنت علاقتي بهما إلى حد ما. إلا أن والدتي لم تأت لزيارتي في بيتي, حتى الآن ورغم مرور3 سنوات على زواجي وأنا الآن حامل ولدي طفل جميل وسعيدة جدا مع زوجي والحمد لله ولم أندم للحظة واحدة على اختياري له غير أن أهلي وبالرغم من زيارتي لهم كل فترة لا يسألون عني أبدا وزوجي يشجعني علي زيارتهم دون أن تكون له أي صلة بهم فهل أنا مخطئة لأني اخترت حياتي كما أريدها؟!
إنني أعرف أنني أخطأت ولكني
لم أكن لأرتكب هذا الخطأ لو كانوا وافقوا على زواجي منذ البداية ولم يحرموني من
رضاهم عن اختياري, والسؤال الذي يقض مضجعي هو: إلي متى سوف يستمر جفاؤهم لي
وألا تشفع لي سعادتي مع زوجي لكي يسامحوني علي زواجي بغير علمهم ويعلموا أني لم
أسيء الاختيار.
ولكاتبة هذه الرسالة أقول:
بقدر عمق الجراح يتأخر
الشفاء ويطول العلاج.. وإذا كانت جراح الجسم قد تبرأ في وقت معلوم, فإن جراح
النفس بطبيعتها بطيئة البرء والشفاء, فاصبري علي أبويك إلى أن يداوي الزمن
جراحهما.. ويذيب المرارة التي شابت نفسيهما تجاهك, وواصلي سعيك الدءوب
لاسترضائهما والاعتذار إليهما عن خروجك علي طاعتهما وزواجك بمن اخترت بغير إذنهما
وفي غيبتهما, وأشركي زوجك معك في محاولات الإصلاح ورأب الصدع فالحق أنه مدين
مثلك بالاعتذار لأبويك عن زواجه منك بغير إذنهما ومباركتهما, ومن واجبه تجاهك أن
يشاركك الجهد في ترضية النفوس والإقرار لأهلك بخطئكما في حقهم والاعتذار عنه,
ولتكن سعادتكما معا, وحسن عشرة كل منكما للآخر
وإنجابكما لطفلكما الأول والاستعداد لاستقبال الطفل الثاني خير شفيع لكما لدى
أبويك لكي يتجاوزا عما حدث, ويفتحا لكما أبواب قلبيهما المغلقة الآن دونكما
ويكفيكما عقابا لكما علي ما فعلتما فترة الجفاء والتحفظ السابقة كما يكفيك أن حجب
عنك أبواك مساندتهما لك عند الزواج, فلم يتكفلا بأعبائه كما فعلا مع أختيك,و
حتى اضطر زوجك لتحمل كل تكاليفه بغير مشاركة من أهلك, وفي ذلك ما فيه من حرج لك
ونقص في الاعتبار, كما يكفيكما أيضا مرور ثلاث سنوات علي زواجكما لكي يعيد أبواك
النظر في موقفهما منك.. ويعدلا عن التحفظ معك, وتعود العلاقة الطبيعية بينكما,
واني لآمل ألا تحرمك والدتك من مودتها ومشورتها واهتمامها بأمرك كما تفعل مع بقية
أبنائها, كما آمل أيضا ألا يغلق والدك أبواب رحمته دونك وأن يرجع إلي سابق عهده
معك راعيا وسندا لك في الحياة, كما ينبغي للأب دائما أن يكون بالنسبة لأبنائه
مهما تورطوا في حماقات في بعض الأحيان..
نشرت سنة 2002 في جريدة الأهرام باب بريد الجمعة

برجاء عدم النسخ احتراما لمجهود فريق العمل في المدونة وكل من ينسخ يعرض صفحته للحذف بموجب حقوق النشر