قطار العودة .. رسالة من بريد الجمعة عام 1995
منذ حوالي عام قرأت في بابك رسالة "تحت المائدة" للشاب المكافح الذي أهمله أبوه في طفولته لانشغاله بنفسه وزيجاته وأهوائه عنه وعن إخوته حتى انتقل هذا الشاب وهو طفل صغير للحياة مع جده وجدته .. وعومل في أسرة جده معاملة خادم الأسرة وعانى أقسى الحرمان إلى أن نجح في استكمال تعليمه وعمل عملا مرموقا وتزوج وأصبح يعيش في مسكن فاخر ويركب سيارة فارهة .. فإذا بأبيه الذي أهمله في صغره وغاب عنه سنوات طويلة يظهر فجأة ويطلب مساعدته المادية لكي يرعى أطفاله الصغار من زوجته الجديدة .. فيسأله إبنه الشاب بمرارة : وأنا يا أبي ألم أكن طفلا صغيرا أحتاج إلى رعايتك أيضا كما تحرص الآن على رعاية هؤلاء الأطفال ؟ وفي النهاية يقدم له بعض المعاونة المادية ويسألك عما ينبغي عليه أن يفعل مع هذا الأب الذي ينتظر منه مساعدة شهرية منتظمة لكي يرعى بها أطفاله من زوجته الجديدة , فنصحته بألا يقبض يده عن أبيه حتى وإن كان قد ظلمه في طفولته وصباه ليس إكراما لهذا الأب وإنما صدوع لأمر ربنا الذي أمرنا بأن نحسن معاملة أبوينا حتى وإن ظلمانا .
وقلت له إن هناك فارقا بين التكريم والعطاء عن حب وسماحة نفس وهو ما يفعله هذا الشاب مع أمه الحنون التي عانت طويلا مع أبيه , وأداء الواجب أو الحد الأدنى منه مع مثل هذا الأب ولو عن كره قربى لله وإنقاذا لإخوته غير الأشقاء وهم في النهاية إخوته مما عاناه هو في طفولته القاسية.
ومنذ قرأت هذه الرسالة وأنا أريد أن أكتب لك بقصتي مع الحياة إلى أن حدث منذ فترة قصيرة ما شجعني على ذلك.
فلقد نشأت في أسرة من أم مطيعة مغلوبة على أمرها , وأب أقل ما يوصف به إنه إنسان ظالم ومتسلط ومتجبر في معاملته لأمي ولي ولأختي الوحيدة التي تصغرني , فقد كانت اللغة الوحيدة التي يستخدمها في التعامل معنا جميعا هي العصا التي يستعملها بإستمرار ولأتفه خطأ حتى ولو كان عدم وجود "الشبشب" الذي يستعمله في مكانه .. أو عدم وجود الملاحة بجوار الطعام !
وعشت طفولتي القاسية في هذا المعتقل .. وعلمتني أمي فيما علمتني أن أطهر جروحي وجروح أختي الصغيرة بالكحول وصبغة اليود كلما أستخدم أبي معنا قسوته اللا متناهية في الضرب .
وكان أبي "بالمناسبة" لا يتناول طعامه إلا وحده في حجرته , أما أنا وأمي وأختي فنأكل معا ما يتبقى في صينية الطعام بعد خروجها من حجرته.
وذات يوم لا أنساه وأنا في العاشرة من عمري وأختي في الثالثة من عمرها عاد أبي من عمله فلم يجد طعام الغداء معدا بسبب قهري هو مرض أمي في هذا اليوم .. وتوقعت أن يثور أبي ثورة عمياء كالعادة لكنه لم يثر .. وإنما أمسك أمي من يدها وقال لها ببساطة : أنت طالق ! وأمرها بمغادرة البيت مع أختي فجمعت أمي ملابسها القليلة وسحبت أختي وغادرت البيت إلى بيت أسرتها في بلدة أخرى خارج القاهرة .
وهممت بالبكاء وأنا أرتجف خوفا وحزنا مما حدث فزمجر أبي في وجهي محذرا من شيئين لا عقاب لهما عنده إلا قتلي هما : السؤال عن أمي ... والبكاء !
واستسلمت لمصيري خائفا ومرتعدا وأصبحت وحيدا معه , وبعد بضعة شهور وجدته يسحبني من يدي إلى شارع بعيد وشقة أخرى أوسع من شقتنا وأجمل ويقدمني إلى سيدة بيضاء تجلس في الصالة واضعة ساقا على ساق تدخن سيجارة ويتحدث معها باحترام وأدب ويقول لها فيما يشبه الاعتذار : هذا ابني فتقول له فيما يشبه الأمر : خذه إلى الحمام .
ومن هذه السيدة ؟ ومن هؤلاء الأطفال الصغار ؟ وماذا جرى "للأسد" الذي كان لا يتكلم في بيتنا إلا صارخا أو مزمجرا حتى أصبح يتكلم بهذه الرقة مع هذه السيدة الآمرة ؟ لم أجرؤ على السؤال خوفا من العقاب .. وكيف يجرؤ على ذلك من تربى على الذل والخوف والضرب مثلي ؟ لقد عشت في هذا البيت ست سنوات أو سبعا ؟؟ وعرفت بالتدريج أن هذه السيدة هي زوجة أبي .. أو على الأصح هي "زوج" أبي .. لأنها المتحكمة فيه وفي كل شئ ولا يجرؤ على مخالفتها في شئ على عكس الحال مع أمي الضعيفة التي حرمت من حنانها .. ولو رويت لك عما لقيته من ذل وسوء معاملة في هذا البيت لما اتسعت له صفحتك كلها ولكن يكفي فقط أن أقولك لك إن التفرقة في المعاملة بيني وبين أطفال الهانم قد جعلت مني خادما لهم .. لا يأكل معهم ولا ينام معهم ولا يجرؤ على طلب أي شئ مثلهم ولا عمل له إلا خدمتهم وتلبية طلباتهم ومسح أحذيتهم وغسل ملابس الصغار الرضع منهم الذين أنجبهم أبي من الهانم .
إلى أن جاء يوم وتجرأت فيه واستأذنت الهانم للخروج بعض الوقت وكان يوم جمعة فهوى كفها على وجهي بصفعة قاسية تلتها صفعات وركلات لا نهاية لها .. إلى أن جاء أبي فصرخت فيه بأنها لا تريدني في البيت .. وإذا لم "يعجبه" ذلك فليتفضل هو أيضا معي !
ولم أنتظر قرار أبي وإنما هرولت خارجا لا أنوي على شئ ولا أعرف إلى أين أذهب .. وسرت على قدمي من شارع قصر العيني إلى ميدان الحسين وأنا أفكر في مصيري وكيف أسافر إلى أمي التي لم أرها منذ ست سنوات.
ودرت حول مسجد الحسين ووقفت أمام الضريح ووجدت نفسي أمسك بحديد نافذته المطلة على الشارع واصرخ وأبكي بلا انقطاع لفترة طويلة وحين هدأت سألني رجل يبدو في مظهره أنه من أعيان الريف عما يجعلني أصرخ بهذه الطريقة ..
ووجدت نفسي دون أن أدري أروي له قصتي .. فنظر إلي متعجبا ومتألما وسألني عن عنوان أبي ثم اصطحبني إلى مطعم كباب وحثني على أن آكل حتى الشبع وهو يسألني عن التفاصيل ثم غادر المطعم معي إلي بيت أبي ورجاه أن "يسامحني" ويعيديني إلى بيته لأنه لا مكان لي آخر أذهب إليه فإذا بأبي يرفض ذلك بعناده وعنجهية .. ويطلب مني الذهاب إلى أمي .. إو إلى أى مكان أريده حتى هدده الرجل الطيب بأنه سليجأ إلى الشرطة لإرغامة على ضم إبنه إليه .. بلا أي فائدة ..
فخرج الرجل يائسا .. وركب القطار إلى بلدته بالصعيد وأنا معه .. ولأول مرة أشعر في بيته أنني إنسان أنام على فراش وأتناول غذائي مع الرجل الطيب في "الشونة" التي يملكها وهو تاجر أسمدة وصاحب أطيان .. وكان أبي غفر الله له قد أخرجني من المدرسة قبل عامين .. فعملت مع الرجل الطيب في الشونة وقدمني لأهل القرية على أنني قريب من بعيد له مات أبوي في حادث تصادم ! وعشت معه عاما كاملا لم ألق منه خلاله سوى الإكرام والعطف ثم اصطحبني مرة أخرى إلى أبي عسى أن تكون الأيام قد أيقظت أبوته .. فإذا بأبي يصدم الرجل مرة أخرى بأنه لا يريدني ولا يريد أن يسمع اسمي أو يرى وجهي أو يعرف عني أي شئ .. ويئس الرجل تماما فطلب منه أن يسلمه شهادة ميلادي ليستخرج لي بطاقة شخصية , فادعى أبي في البداية ضياعها .. لكن الرجل الطيب رفض مغادرة البيت إلا ومعه الشهادة .. ولم تكن الهانم "زوج" أبي في البيت خلال هذه الزيارة فخشي أبي أن تعود فجأة وأنا والرجل الطيب في البيت فأقسم أبي له بالطلاق أنه سيبحث عنها ويرسلها إليه بالبريد في بلدته ليتخلص منا .
ورجعنا إلى البلدة ولم يمض أسبوع حتى تلقى الرجل الطيب شهادة الميلاد في البريد , فكان هذا هو "الواجب" الوحيد الذي أداه أبي لي , واستخرج لي الرجل الطيب البطاقة الشخصية وواصلت حياتي وعملي معه وفي كل يوم ازداد حبا له وعرفانا وأصبحت أناديه "بعمي" .. وأعيش في كفالته وأشاركه عمله في التجارة وفي الاشراف على الأرض .. وأمسكت بكل حساباته وحفظته في ماله وبيته وأسرته .
ومضت السنوات وأنا أعمل معه بالتجارة والاشراف على الأطيان وتزوجت من إحدى قريباته .. وتزوجت ابنتاه الوحيدتان فاعتبرت نفسي أخاهما المسئول عن حمايتهما وسلامتهما , وبعد أن انتقلتا إلى بيتي زوجيهما .. طلب مني أن أنتقل للاقامه معه أنا وزوجتي لأنه قد أصبح وحيدا فانتقلنا إلى البيت الكبير وأصبحنا أنا وزوجتي نعيش معه ولا نتنافس في شئ إلا في خدمته .
وبعد سنوات عدل عمي سجله التجاري وأدخلني معه فيه .. ومارست معه التجارة باخلاص ونشاط أكثر من 22 عاما حتى أصبح لي رأس مال صغير خاص بي يعرف عمي مصدر كل قرش فيه .
ومنذ أسابيع فوجئت وأنا جالس في فراندة البيت الكبير أقرأ الأهرام برجل غريب يدخل علي الفراندة في وقت الضحى ويقول لي إنه "أبي" وإنه قد أصبح عجوزا مريضا وبلا مأوى لأن "الهانم" قد تشاجرت معه وطردته من بيتها .. فلم يعرف إلى أين يذهب وأخيرا قرر أن يذهب إلى بيت "ابنه" الذي فتح الله عليه وأصبح تاجر أسمدة ويقيم عنده بضعة أسابيع حتى تهدأ الأحوال بينه وبين زوجته أو يعطيه "الابن" مبلغا كافيا من المال لكي يقيم بلوكاندة في القاهرة لأن معاشه لا يسمح بنفقات اللوكاندات إلى جانب العلاج !
حدث كل ذلك وأنا جالس في مقعدي كما كنت لم أتحرك والرجل الغريب يدخل عليّ ويلقي السلام ويجلس ويقول لي هذا الكلام !
والحمد لله أن عمي أو أبي الحقيقي لم يكن موجودا بالبلدة يومها وإلا لما تمكنت مما أردته : فلقد تذكرت كل ما قلته في ردك على الشاب كاتب رسالة "تحت المائدة" وحاولت "والله العظيم صدقني" أن أعمل بما نصحته به وأن أقوم معه "بالواجب" وأنا كاره .. لكني لم أستطع ذلك أبدا يا سيدي ولم أستطع إلا أن "أشمت" في هذا الرجل الذي تذكر الآن فجأة بعد 25 عاما أن له ابنا قد أصبح تاجر سماد !
نعم لم أستطع ذلك ولم أستطع إلا أن "أفعل" معه ما فعله معي حين اصطحبني إليه "أبي الحقيقي" أطال الله عمره حين طردت من البيت واصطحبني إليه فادعى له في البداية أنه لا يعرفني وأنني لست ابنه .. لكني لم أستطع الزعم أنني لا أعرفه ولا أنه ليس أبي .. ولكني قلت له في هدوء غريب مازلت مستغربا له إن "إبنه" الذي يطلب ضيافته ومعونته الآن قد "مات" منذ 25 عاما وطلبت منه ألا يرجع للسؤال عنه مرة أخرى في هذا المكان حتى لا يحرك الأوجاع القديمة ..
ولم أهتز .. ولم تهتز شعرة واحدة في رأسي وهو يحاول شرح "الظروف" التي دفعته لما فعل معي ولم أدعه يكمل كلامه وإنما قلت له في "حزم" مخيف : إن قطار العودة قد اقترب موعده وقلت له إنني أستطيع أن أعطيه ثمن تذكرة القطار إذا لم يكن معه نقود كافيه .. فبهت .. وسكت وقال إن معه ثمن التذكرة ونهض مكسور الخاطر .. ورجع من حيث جاء وسار خطوات في الطريق أمام البيت وأنا أرقبه من ظهره ولا أشعر بأي أسف عليه , ثم نظر وراءه ليراني منتظرا أن أغير رأيي وأدعوه للعودة .. فنظرت إليه دون أن يهتز لي جفن أيضا ولا أعرف كيف .. ثم عدت لقراءة الأهرام وأنا في منتهى الهدوء .. والراحة .
نعم اعرف أنك "ستطيح" في وتصب علي لعناتك أنت والقراء وتذكرني بكل ما قاله الله سبحانه وتعالى في كتابه الكريم والرسول صلى الله عليه وسلم في معاملة الأبوين ولو كانا ظالمين .. وأرجوك ألا تظن بي أنني بعيد عن الدين فأنا أؤدي فروض ديني وأخشى الله .. واسمع القرآن كل يوم .. لكن هذا هو ما حدث وليس عندي تفسير له وليس عندي دفاع عن نفسي سوى أنني لم أستطع أن أفعل مع هذا "الرجل" الذي ليس أبي سوى ما فعلت معه وقد أخفيت عن أبي الحقيقي مجيئه وتصرفي معه حتى لا يلومني , وأخشى أن يرجع مرة أخرى وأن يعرف عمي أني أخفيت عنه حضوره وطلبه مساعدتي وهي أول مرة اخفي فيها شيئا عنه .. فماذا تقول وماذا تنصحني أن أفعل ؟
جميع الحقوق محفوظة لمدونة "من الأدب الإنساني لعبد الوهاب مطاوع"
abdelwahabmetawe.blogspot.com
ولـكـــاتــب هــــذه الـرســــالــــة أقــــــول:
يا سيدي لن أطيح فيك لوما ولعنا كما تتوقع مني .. إذ يكفي احساسك بأن ما فعلت يستوجب ذلك لكي أعفيك منه ولن أعيد تذكيرك بما أمرنا به الله ورسوله من حسن معاملة الأبوين وبرهما حتى ولو ظلمانا لأنك تعرف كل ذلك ولأنني قد كتبت فيه كثير, لكني سأناقشك بمنطق آخر تماما يتناسب مع ما انتابك من إحساس الشماتة والتشفي بل والتلذذ أيضا بانكارك لأبيك ورفضك استضافته أو تقديم يد العون له وهو في ضعفه وانكساره وهوانه عليك وعلى الحياة .
وسأقول لك في البداية أن أباك يستحق كل ذلك وأكثر لأنه قد جحدك قبل أن تجحده وأنكرك قبل أن تنكره وقصة العظيم عمر بن الخطاب مع الابن العاق الذي أطلقه بغير عقاب وقال لأبيه : لقد عققته قبل أن يعقك معروفة ومشهورة لكني أسألك فقط من ناحية أخرى .. ولماذا لم تكن شماتتك فيه شماتة المانح .. وليست شماتة المانع!
ولماذا لم تستشعر الرضا عن نفسك والشكر لربك أن وجدك عائلا فأغنى حتى جاء اليوم الذي رأيت فيه أباك الجبار يقف منك موقف السائل لمعونتك وعونك !
لقد رأيت فيه "ثأرك" .. وبرهان ربك يا صديقى فلماذا لم تفعل كما يفعل الفضلاء الذين يعتبرون بانكسار الجبار بين أيديهم ويزدادون إيمانا بربهم وعدالته .. فيستغفرون الله .. ويرجون دوام نعمته .. ثم لا يحجبون بعد ذلك عطاءهم حتى لمن جحدهم من قبل وهم يرددون مع الشاعر العربي :
وأذكر فضائل صنع الله إذا جعلت
عندك لا لك عند الناس حاجات
أو يقولون مع الامام علي:
احتج إلى من شئت تكن نظيره
وأحسن إلى من شئت تكن أميره
وكل إنسان في النهاية إنما "ينفق مما عنده" كما يقول لنا السيد المسيح عليه السلام .. فهو قد انفق معك في طفولتك وصباك من أنانيته وجهله وعدوانيته وظلمه .. وعار كل ذلك عليه وحده وحسابه مع ربه عنه عسير وأنت تملك أن تنفق معه مما عندك من كرم وسماحة وطاعة لله واستشعار لنصره لك على من ظلمك .
لقد كانت لحظة انتصار انسانية نادرة لكنك فوتها على نفسك بالشماتة الرخيصة في أبيك ولست هنا أطالبك بما لا تقدر عليه .. ولا بأن تكون ملاكا يعطي بحب من ضيعه من قبل .. كما لا أطالبك أيضا بما طالب به الله سبحانه وتعالى نبيه المصطفى صلى الله عليه وسلم حين أمره إذا جاء نصر الله والفتح , لا بأن يطيح في العالمين زهوا وشماتة واستكبارا , بل قال له "فسبح بحمد ربك واستغفره إنه كان توابا " لكن أطالبك فقط بألا تستسلم لإحساس الشماتة البدائي هذا فيغيب عنك شكر ربك على نعمته فلحظات الانتصار الانسانية هذه هي أجدر اللحظات بأن نتواضع لله عندها ونشكره على نعمته وعلى انصافه لنا ممن ظلمونا وبغوا علينا ..
فلماذا ضيعت هذه اللحظة الثمينة عليك بهذه الاحساس الرخيص ؟
بل ولماذا ضيعت على نفسك هذه الفرصة النادرة لأن تكون "أمير" من أنكرك وباعدك .. فجاء به إليك ربك ساعيا كسيرا ؟
لقد قلت من قبل أن هناك فارقا بين عطاء الحب والتكريم وعطاء الواجب الذي لا حيلة لنا في أدائه طاعة لربنا ورجاء لمغفرته , ولا شك أنك تستطيع أن تقدم لأبيك عطاء الواجب في حدوده الدنيا طلبا لرضا ربك عنك .. واحتراما لنفسك وليس له، وامتثالا أيضا لأحكام الشرع والقانون.
فالذي لا تعلمه أن هذا الأب العاق نفسه يستطيع إذا أقام عليك دعوى نفقة ورأت المحكمة أن موارده تقصر عن احتياجاته وأنك على يسار يسمح لك بمساعدته , فإنها سوف تحكم له بنفقة شهرية تؤديها إليه صاغرا .
ومنطق الشريعة في ذلك منطق عادل ورحيم لا يتوقف عند الاستثناءات النادرة كحالة أبيك ومنطق يقضي بأن "الغرم بالغنم" أي أن من كنت ستغنم منه وترث عنه إذا كان ذا مال فإنك "تغرم" له إذا كان في حاجة إلى عونك وأنت على يسار .
فإذا كان الأمر كذلك فلماذا لا نصدع بالأمر الإلهي .. بدلا من أن نخضع صاغرين لأمر القضاء ؟
يا صديقي .. اشتف كما شئت من أبيك الذي لا يستحق لقب الابوة مادمت لا ترى نفسك قادرا على الترفع عن ذلك , ثم صارح عمك الفاضل الأمين بما حدث واسع إلى أبيك في فندقة الرخيص بالقاهرة ولن يعييك الوصول إليه فيه وقدم له عونك المحدود في أواخر أيامه شكرا لله على نعمته عليك وليس اكراما له .. ومن حقك بعد ذلك أن تعتذر عن عدم استضافته في بيت عمك بأنك لا تملك ذلك .. أو حتى بأنك لا ترغب في ذلك وإن فعلت كان أكرم ولكن لا تقصر في واجبك المادي البسيط معه , الذي لن يطول مهما بدا لك ثقيلا .. فالحياة رحلة قصيرة مهما طالت ولو فاتتك طاعة ربك في أبيك الجاحد هذا وهو على قيد الحياة فسوف يؤرقك ضميرك كثيرا بسبب ذلك حين ينهي رحيل أبيك كل الأوجاع القديمة وكل أحاسيس الشماتة والثأر ولن يبقى لك في النهاية إلا الندم على الفرصة الثمينة التي ضاعت لاحترام النفس .. وطلب المغفرة .
نشرت في جريدة الأهرام "باب بريد الجمعة" يناير 1995
كتابة النص من مصدره / بسنت محمود
راجعها وأعدها للنشر / نيفين علي

برجاء عدم النسخ احتراما لمجهود فريق العمل في المدونة وكل من ينسخ يعرض صفحته للحذف بموجب حقوق النشر