جحيم الأشواك .. رسالة من بريد الجمعة عام 1994

 

جحيم الأشواك .. رسالة من بريد الجمعة عام 1994

جحيم الأشواك .. رسالة من بريد الجمعة عام 1994

 

قرأت رسالة "الصورة الأخرى" التي تشكو فيها كاتبتها مما سببه لها ولزوجها ابناهما الشابان من ألم ومعاناة بإدمان احدهما وابتعاد الآخر عنهما والتي تقول فيها لكاتبة رسالة سابقة تشكو من حرمانها من الانجاب , أن الأبناء ليسوا دائما نعمة وإنما قد يكونون نقمة أيضا كما حدث لها ولزوجها .

وأريد أن أسأل هذه السيدة الفاضلة : هل مسئولية انحراف الأبناء وعقوقهم تقع عليهم وحدهم .. أو ليست هناك أيضا أي مسئولية على بعض الآباء القساة وبعض الأمهات غير العادلات مع أبنائهن فيما يصيبهم من جحود هؤلاء الأبناء ؟

إنني شاب أبلغ من العمر ثمانية عشر "جحيما" وحياتي مليئة بالأشواك منذ طفولتي بسبب قسوة أبي سامحه الله .. فكلمة أبي تعني عندي "العسكرية" الصارمة وكلمة أمي تعني "السلبية" الشديدة وحياتي تمضي بين العسكرية والسلبية منذ مولودي حتى الآن , فمنذ صغري والناس حولنا يخافون أبي حتى الجيران مع أنهم لا يرونه إلا قليلا , وأمي تحب كل الناس .. ثم في لحظة واحدة تكرههم جميعا بعد قليل فلا تدري حقيقة شعورها نحوهم .

وقد أرضعتني أمي الخوف من أبي منذ ولادتي .. فبلغت الثامنة عشرة "جحميا" من عمري ومع ذلك ففي عز نومي يكفي أن تتردد كلمة "أبوك" على مسمعي حتى أنهض من نومي مفزوعا خشية أن يكون واقفا أمام الفراش أو في غرفة النوم .

ومنذ سنوات تعليمي الأولى وهو يعطيني دروسا خصوصية في البيت فلقد كان مدرسا وكانت طريقته في تعليمي هي العصا الثقيلة التي لا تعرف الرحمة , ثم شاء حظي العاثر أن أكون تلميذا له في فصله بالمدرسة وأنا في "جحيمي" الحادي عشر من عمري , فكان عقابه لأي تلميذ على أي خطأ ثماني ضربات  بالعصا .. وعقابي أنا على نفس الخطأ أربعة أضعاف أي تلميذ آخر بالفصل أي 32 ضربة عصا على يدي وذراعي وبمنتهى القسوة .. لأنني ابنه ولا يصح أن أخطئ في الواجب المدرسي كأي تلميذ آخر , ولا يكتفي بذلك وإنما يعيد تصحيح الواجب في البيت ويكررالعقاب .. ويضيف إليه العقاب .. ويضيف إليه العقاب النفسي الذي لا ينتهي .

وغير ذلك كثير وكثير ولو كتبت لك عما عوقبت به وتحملته خلال 18 "جحيما" من عمري حتى الآن لما كفى ورق وزارة التعليم كله لما أريد أن أكتبه , ويكفي فقط أن أقول لك أنني وأنا طفل عمره تسع سنوات أردت بعقل طفل صغير أن أقلد أخي الأكبر الذي لا يأكل الدهون وينزع الدهن من قطعة اللحم , ففعلت مثله ذات مرة وألقيت قطعة لحم صغيرة أغلبها من الدهن في صندوق القمامة .. فغضب أبي غضبا شديدا وأخرجها من القمامة وأمرني أن أكلها بترابها وقذراتها .. ووقف أمامي يهددني إن لم أفعل حتى أعرف قيمة الأشياء ففعلت راغما وأنا أكاد أتقيأ.

 فماذا كانت هذا الرعب الأزلي ؟ لقد رسبت في الثانوية العامة وأقسم لك أن نسبة تقصيري لا تتعدى 20% لكن هذا ما حدث فكانت الطامة الكبرى التي أدفع ثمنها كل دقيقة من عمري التعس وكانت "المعايرة" المستمرة في البيت .. وفي الشارع وأمام الزملاء الذين لا يسمح لي بمصادقتهم لأن كل الناس لا يصلحون لصداقتي وسوف يعطلونني عن دراستي .

ورغم كل ذلك فلست في النهاية إنسانا سيئا يا سيدي وأقسم لك على ذلك وإنما أنا متدين وأحفظ جيدا ما قاله ربي سبحانه وتعالى عن الوالدين وما أوصى به الأبناء , لكني أسألك فقط ألم يوص الله سبحانه وتعالى أيضا الآباء والأمهات بالأبناء بأن يحسنوا معاملتهم وتربيتهم فيكونوا لهم أبناء بررة حين يكبرون ؟

 

ولـكـــاتـــــب هــــذه الـرســــالة أقـول:

 

حقوق الأبناء على الآباء والأمهات لا تقل شأنا عن واجباتهم تجاههم , فلكل من الطرفين حقوق وعليه واجبات ولسوف يسأل كل راع عما صنع برعيته حفظ أم ضيع ولسوف يسأل كل ابن عما فعل بأبويه أصاحبهما في الدنيا معروفا أم جحدهما وعقهما واشقى حياتهما في الكبر , فإذا كانت وصية الحق سبحانه وتعالى للأبناء بالرفق بالأبوين خفض جناح الذل لهما ذائعة ومعروفة فلأنها تكررت في أكثر من موضع في التنزيل الحكيم , ولأن الله جل شأنه قد قرن بين الاحسان بالوالدين وبين توحيده هو جل شأنه حين قال :"واعبدوا الله ولا تشركوا به شيئا وبالوالدين إحسانا" تعظيما لحق الأبوين على أبنائهما وحقا للأبناء على حسن مصاحبة أبائهم وأمهاتهم ولأن حب الأبوين لأبنائهما فطرة إنسانية وغريزة في النفس البشرية لا تحتاجان إلى تأكيد فلم تتكرر وصية الآباء والأمهات لهم في التنزيل الحكيم كما تكررت الوصية بالأبوين لكيلا تكون تحصيل حاصل ومع هذا فقد جاء في القرآن الكريم "يوصيكم الله في أولادكم"

وجاء في الحديث الشريف الكثير عن الأدب النبوي في الرفق بالأبناء وتعهدهم بحسن الرعاية والأدب وملازمتهم حتى ينشأوا في أحضان الأبوين وتحت مظلتهما إلى حد الحث أيضا على مداعبتهم لاشباع غريزتهم في اللهو وغرس الاطمئنان للأب في قلوبهم فجاء في الحديث الشريف "من كان له صبي فليتصاب له" أي فليلاطفه ويؤانسه وجاء في القصة المعروفة عن الرجل الذي تفاخر أمام الرسول الكريم بأنه لم يقبل ولدا من أولاده , قال الرسول له "من لا يرحم لا يُرحم" تأكيدا لأهمية الرفق بالأبناء والرحمة بهم .

وليس هنا مجال الحديث عن هذه المعاني المعروفة لكني أقول لك فقط أنني قد نشرت رسالتك رغم أني لا أفضل نشر أمثالها من الرسائل التي يتحامل فيها بعض الأبناء على آبائهم وأمهاتهم , لأنها تستحق التأمل فعلا .. ولأنها تضيف إلى خبرتنا بالحياة دليلا جديدا على أن الخوف لا يبني الرجال ولا يصنع النجاح في الحياة .. ولا يثمر سوى أبناء متعثرين كارهين للحياة ولذويهم ومع أنك تؤكد لي أن نسبة تقصيرك في إمتحان الثانوية العامة لا تزيد على 20% وأطلت في خطابك في وصف دهشة مدرسيك حين علموا برسوبك فلا شك أن هناك مسئولية تتحملها عن هذا الفشل وتستطيع أن تعوضه هذا العام بإذن الله فيحالفك التوفيق , وتنقذ نفسك من المعاناة مع أبيك الذي لا أفهم حكمته , في هذه القسوة البالغة معك صغيرا وشابا ولا أفهم "حكمته التربوية" وهو الذي يعمل مدرسا في إصراره على حرمانك من حقك الطبيعي في أن يكون لك أصدقاء من سنك .. فالصداقة احتياج إنساني هام وضروري للإنسان في كل مراحل حياته وهي تسهم في تلبيه احتياجات نفسية أساسية لديه وتجعل منه كائنا إجتماعيا قادرا على التواصل مع الحياة والتعامل مع الآخرين.

 فإذا كان من حق أبيك أن يراقب صداقاتك ليطمئن إلى استقامتك والتزامك الخلقي فساعده أنت في ذلك بتخير الأصدقاء الذين لا تشوب أخلاقهم أو سمعتهم أيه شائبة .

وأيا كان الأمر فلا تفقد حبك وإحترامك لأبيك الذي لم يحسن للأسف التعبير عن حبه لك ولا عن حرصه عليك فالحقيقة التي يجب أن تعرفها هي أن دافعه الوحيد لكل ما فعل معك هو حب الأب لإبنه ورغبته الغريزية في أن يكون الأفضل والأحسن لصالحه هو أولا وقبل كل شئ لكن بعض الآباء يحيدون عن جادة الاعتدال والحكمة في التعبير عن هذا الحرص فيفقدون مشاعر أبنائهم .. ويسيئون إليهم من حيث لا يحتسبون ورغم كل ذلك فأنت مطالب بأن تحسن صحبة أبيك وبأن تكون ابنا بارا الآن وفي الكبر إذا كنت حقا شابا متدينا وتعرف صحيح الدين كما تقول لي، لأن حساب الأباء عن إساءتهم للأبناء مستقل عن حساب الأبناء عن عقوقهم لآبائهم وسوف يحاسب كل طرف عما جنت يداه حسابا عادلا يوم يكون الحساب .

وفي النهاية فإنك لا تهدي من أحببت ولكن الله يهدي من يشاء وقد يحرص الآباء أشد الحرص على صلاح الأبناء فيفسدون ويعقونهم وقد يهملون واجبهم في رعايتهم فيهديهم ربهم طريق الرشاد بلا فضل للآباء في ذلك .. وليس من الضروري دائما أن يتحمل الآباء المسئولية أو بعضها عند عقوبة الأبناء كما تعتقد .. فلقد عصى ابن نوح عليه السلام أباه وكان من الكافرين .. وأبوه نبي من أنبياء الله الذين جاءوا بالحق من عند ربهم .

فهل يكفي ذلك لإقناعك بأن تعفي الآباء والأمهات عن مسئوليتهم في عقوق بعض أبنائهم أو فسادهم ويكفيهم ما يعانونه من آلام لن تدرك عمقها إلا حين تصبح أبا في قادم الأيام بإذن الله.

رابط رسالة الصورة الأخرى

نشرت في جريدة الأهرام "باب بريد الجمعة" يونيو 1994

كتابة النص من مصدره / بسنت محمود

راجعها وأعدها للنشر / نيفين علي

 

Neveen Ali
Neveen Ali
كل ما تقدمه يعود إليك فاملأ كأسك اليوم بما تريد أن تشربه غداً
تعليقات