المقارنة .. رسالة من بريد الجمعة عام 1992
نحن أسرة مكونة من أب وأم وابن أكبر وبنتين أنا إحداهما وأصغر الجميع , ونحن أسرة متحابة تجمعنا علاقات الود والحب جميعا خاصة بيني وبين أختي التي تكبرني بسبع سنوات , لكني لاحظت منذ فترة ليست قصيرة أن أبي يحبني جدا في حين يتعامل مع أختي بجفاء ويشعرها بأنها ارتكبت خطأ كبيرا خاصمها من أجله ست سنوات متصلة لا يحادثها خلالها ولا تحادثه , أما هذا الخطأ "الفاحش" فهو أنها رققت حواجبها وهي طالبة بالجامعة والغريب أني قمت بنفس العمل بعد ذلك بسنوات فلم يعاقبني عليه وكان تفسيره هو أنني صغيرة وقد قلدت أختي الكبرى في ذلك .. وحين كانت أختي طالبة بكليتها تقدم لها جار نعرفه جيدا وعلى خلق فرفض أبي خطبتها قائلا له أنه لا يسمح بخطبة من لا زالت تتعلم ولم يجرؤ أحد منا على الاعتراض , ثم تخرجت أختي من كليتها وتقدم لها نفس الشاب مرة أخرى فوافق أبي وتمت قراءة الفاتحة وقبل الخروج لشراء الشبكة حدد الخطيب حدودا لقدرته المالية على شراء الشبكة فطلب أبي من أختي أن تتكلم وتطلب ما تريد فتكلمت كما تتكلم أى فتاة عما تحلم به في الشبكة التي تقدم لها وأيدها أبي بأنه يريد لإبنته شبكة تتفاخر بها بين زميلاتها فكانت النتيجة أن خرج العريس ولم يعد وانتهى أمره .. وبعد ذلك تقدم لها شاب آخر فاختلف أبي معه على المهر وخرج أيضا ولم يعد , ثم مضت سنوات وتقدم لها شاب ثالث على خلق ودين وذو إمكانيات مادية معقولة فرفض أبي هذه المرة أن يبدي رأيه وفوض أخي الأكبر في الأمر قائلا أنه ولي أمر أخته وكان في أعماقه ودون أن يصرح بذلك يرفضه رغم موافقة أمي عليه بحجة أن والدته مريضة وهو وحيدها وسوف يقع عبء تمريضها على أختي , ثم تبين أنه مطلق وتخبطنا في القرار بعد تخلي أبينا عن إبداء رأيه .. فانتهى الأمربخروجه هو الآخر إلى غير رجعة !
وعشنا نحن حياتنا ننتظر فرج الله وأختي على خير ما يرام معي تحبني وأحبها وأحس أنه ليس لي في الحياة صديقة سواها ووصلت أنا في دراستي الجامعية للسنة الثالثة فتقدم لي طبيب شاب إمكانياته محدوده لكنه على خلق وطموح فأعجب به أبي للوهلة الأولى ووافق عليه بلا تردد وبدون اعتراض على مبدأ الخطبة أثناء الدراسة وأكثر من ذلك تساهل أبي معه فقال أن الشبكة مسألة رمزية , والمهر يمكن تأجيله وتمت قراءة الفاتحة وأنا في منتهى السعادة , لكنه ما أن خرج الخطيب وأهله حتي راحت أختي تعقد المقارنات بين ما حدث معها وموقف أبيها من الخطيب الأول والثاني , وبين ما حدث معي في أول شاب تقدم لي وتسألني لماذا فعل ذلك معي ولم يفعل مثله معها وتفسر بأنه لا يريد لها أن تتزوج وأنه لا يعدل في معاملته لنا وأنه لو لم يضع تلك الشروط والعقبات في طريقها لكانت الآن زوجة سعيدة منذ سنوات ككل صديقاتها , ثم بدأت تعاملني فجأة بجفاء شديد بل وبعنف وتقول لي أن مشاعرها تجاهي قد ماتت وأنني لست أختها وأن الجميع لم يتصرفوا معها كما ينبغي أن يفعل الأب والأم والأخ والأخت.
ثم بدأت تقاطع الجميع ولا تحدث أحدا منا ولا تأكل معه وترفض لقاء أي إنسان حتى أقاربنا وتمضي يومها كله جالسة فوق سريرها في الظلام .. وإذا دخلت عليها الحجرة لأكلمها تركتها على الفور .. وتبكي بلا انقطاع في النهار وفي الليل، وكلما دعاها أبي للجلوس معنا رفضت وكلما جاء خطيبي لزيارتنا أحس بمدى الألم الذي تنطوي عليه أختي وتبكي هي كثيرا .. فأي خطبة وأي فرح يمكن أن يقام وشقيقتي في هذه الحالة المحزنة.
لقد تطور الأمر معها فبدأت تكلم نفسها طوال النهار وخيم الحزن على البيت كله منذ شهرين وماتت البهجة فيه .. وأبي لا يشعر بأنه ظلمها في موضوع الخطبتين السابقتين ويقول أنها إرادة الله لكني لا أعرف كيف اقنعها بذلك ولا كيف أعيدها إلى ما كانت عليه .. إنها شقيقتي الوحيدة وأحبها من أعماق قلبي وأتعذب من أجلها وهي تعاقبني على ذنب لم أرتكبه في حقها ومع ذلك فلست غاضبة منها , لأني أفهم ظروفها وأعذرها وهي تقرأ لك بإنتظام وتقتنع برأيك ومنطقك .. فأرجوك أن توضح لنا الخطأ والصواب فيما حدث من كل طرف من الأطراف , وفيما تفعله هي بنفسها الآن .. وأرجوك أن تكتب لها كلمة تهدئ بها خواطرها وتخفف عنها أحزانها .. وشكرا لك.
ولــكاتــبة هــذه الـرسـالـة أقــول:
التفريق في المعاملة بين الأبناء خطيئة كبرى يحاسب الله عنها الآباء والأمهات أشد الحساب , ويدفع الأبناء المميزون والمضطهدون معها ثمنها الفادح في الآثار السلبية الوخيمة التي تنعكس عليهم .. فأما المضطهدون فإن حلوقهم تعرف طعم المرارة منذ الصغر, وربما لازمتهم بعض آثارها إلى نهاية العمر, وانعكست عليهم في الاحساس المبالغ فيه بالاضطهاد خلال معاملاتهم مع الآخرين , ومما يؤثر على استمتاعهم بالحياة , وقدرتهم على العيش مع الآخرين في سلام , هذا إن لم تدركهم رحمة ربهم فيضعون الأمور في نصابها الصحيح حين يبلغون سن النضج ويتفادون هذه الآثار الضارة , وأما المميزون من الأشقاء فإن تميزهم بطبعهم غالبا بالأنانية , واعتياد الأخذ دون العطاء , واستحلال التمتع بما حرم منه ظلما وعدوانا إخوتهم , وقد ينشأون تبعا لذلك غالبا خائري الإرادة مدللين يطلبون من الدنيا أكثر مما يستحقون لأنهم اعتادوا أن ينالوا ما لا يستحقون في مجتمعهم الصغير , ويتصورون الحياة امتدادا له .. هذا أيضا إن لم يرحمهم ربهم حين يدركون الحقائق وينفرون من اغتصاب ما ليس لهم حق فيه , ويعرفون أنهم مجرد أحاد وسط موج لا نهاية له من البشر .
ولكل ذلك فلقد أمرنا بالعدل بين أبنائنا , وبالتسوية بينهم في العطية والحنان والحقوق والواجبات .. إلى حد مطالبة الرسول الكريم لنا بأن نسوي بينهم حتى في القبل !
ولا شك أن هناك خطأ ما في علاقة أبيك بأختك الكبرى يتحمل هو مسئوليته بغيرجدال .. وقد بلغ قمته في سنوات الخصام العجاف بينه , وبينها ومع التسليم بهذا الخطأ فإني اختلف مع شقيقتك في توهمها أن أباها لم يكن يريد لها أن تتزوج حين رفض خطبتها وهي طالبة أو حين تشدد في بعض الأمور المالية فيما بعد , فالحق أنه ليس هناك أب لا يريد لابنته أن تتزوج أو لا يسعد بزواجها , لكنه أخطأ التصرف بغير شك , بحسن نية للأسف , فلقد تصور شأنه في ذلك شأن بعض الآباء الذين يتعاملون مع تجربة زواج الابنة لأول مرة أن خطبتها وهي طالبة ستشغلها عن الدراسة , وأن التشدد إنما يحقق صالح ابنته , ولا بأس به لأن الخطاب كثيرون فإذا ذهب هذا فلسوف يجئ غيره , والإبنة الكبرى للأسف هي التي تدفع غالبا ثمن انعدام خبرة الأب بتجربة زواج البنات .. وثمن تخبطه واضطرابه في أول تجربة له معه .. في حين تستفيد دائما الابنة التالية مما اكتسبه من خبرة بل وحكمة خلال تجربته الأولى , فيبدو في زواجها هي أكثر تسامحا وتساهلا بل وفهما , ولا شك أنه قد تعلم الكثير من مرور السنوات دون أن يتقدم أحد بعد ذلك لشقيقتك , فعرف أنه ليس من الحكمة التفريط في خطيب ملائم لابنته لأنها لم تتخرج بعد من كليتها أو بسبب بعض الأمور المادية التافهة , ومن سوء حظ شقيقتك الكبرى أنه لم يتعلم درس التجربة إلا بعد أن كف الخطاب عن التقدم لها , ولو تقدم لها الآن إنسان مناسب لرأت من تساهله معه , وحرصه عليه ما يبدد هذه الفكرة الظالمة عنه من رأسها .
ولا شك أن هذه الأفكار والهواجس تطاردها بسبب الحالة النفسية السيئة التي تعاني منها , والتي استسلمت لها للأسف بعد خطبتك وأيضا بسبب المقارنات التي تعقدها في خيالها كل لحظة بين ما جرى معها , وما جرى معك أو بصراحة أكثر بين حظك الموفق , وحظها التعس ومع أني ألتمس لها العذر فيما تعاني فإني أطالبها بألا تشقي نفسها بهذه المقارنة , لأن لكل إنسان حظه من الحياة ولسوف يناله حين يأذن الله له بذلك وليس قبله مهما أجهدنا أنفسنا أو شقينا بما يؤلمنا .. فلتطب شقيقتك نفسا إلى أن ما أخطأها لم يكن ليصيبها ولو اجتمعت عليه الدنيا بأسرها ولتصبر وتستعد نفسها من عزلتها وتتأكد من انسحابها إلى قوقعتها الداخلية سوف يزيد من خسائرها ويقلل من فرصتها لاجتياز أزمتها النفسية ولحل مشكلتها الأساسية .. ذلك أن أسوأ ما يفعله المرء بنفسه هو أن يقارن حظه بحظوظ الآخرين من حوله ويتعذب بما ينالوا ولم ينله هو بعد .. والعاقل هو من يؤمن حقا وصدقا بـ "إنا كل شئ خلقناه بقدر" , ولا يبدد طاقته ويقلل من فرصته في الحياة "بالاحتراق الداخلي" وهو يرقب حظوظ الآخرين , تماما كالسائر الذي يشغله التلفت يمينا ويسارا لمراقبة الآخرين عن الطريق فلا يبلغ غايته هو ولا يحقق هدفه .
فانقذي نفسك يا أنستي من هاوية الإكتئاب والهلاوس التي تسيرين إليها وتفتحي من جديد لأسرتك وللحياة .. واغفري لها ما كان من أمرك لتأملي خيرا فيما سيكون فيه بأمر ربك .. ولا تحاسبي شقيقتك الصغرى عما لم ترتكب في حقك من جناية ولا على ما أراده الله لها من خير .. فمن يدري أليس من المحتمل أن يكون ما أثار شجونك الآن هو نفسه ما أراد الله أن يمهد به لما تستحقين أنت من خير وسعادة في القريب العاجل.
نشرت في جريدة الأهرام "باب بريد الجمعة" أغسطس
1992
كتابة النص من مصدره / بسنت
محمود
راجعها وأعدها للنشر / نيفين علي

برجاء عدم النسخ احتراما لمجهود فريق العمل في المدونة وكل من ينسخ يعرض صفحته للحذف بموجب حقوق النشر